RASHA
29-04-2003, 02:08 PM
في الشعر، كما في الحياة، يصح تطبيق عبارة برناردشو: "اللاقاعدة هي القاعدة الذهبية" لسبب هام، هو أن الشعر وليد أحداث الحياة، وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب أحداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها. ولا تناقض بين هذا الرأي وما يقسم إليه النقاد الشعر من مدارس ومذاهب حين يقولون "كلاسيكي، رومانتيكي، واقعي، رمزي، سريالي….." فهذه كلها ليست قواعد، وإنما هي أحكام.
وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعد على قدميه بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره القرون المنصرمة الماضية. فنحن عموما ما زلنا أسرى، تسيرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام. ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيدة بسلاسل الأوزان القديمة، وقرقعة الألفاظ الميتة، وسدى يحاول أفراد منا أن يخالفوا؛ فإذ ذاك يتصدى لهم ألف غيور على اللغة، وألف حريص على التقاليد الشعرية التي أبتكرها واحد قديم أدرك ما يناسب زمانه، فجمدنا نحن ما ابتكر واتخذناه سنة. كأن سلامة اللغة لا تتم إلا إن هي جمدت على ما كانت عليه منذ ألف عام، وكأن الشعر لا يستطيع أن يكون شعرا إن خرجت تفعيلاته على طريقة الخليل.
ويقولون: ما لطريقة الخليل؟ وما للغة التي استعملها آباؤنا منذ عشرات القرون؟ والجواب أوسع من أن يمكن بسطه في مقدمة قصيرة لديوان. ما لطريقة الخليل؟ ألم تصدأ لطول ما لامستها الأقلام والشفاه منذ سنين وسنين؟ ألم تألفها أسماعنا، وترددها شفاهنا، وتعلكها أقلامنا، حتى مجتها وتقيأتها؟ منذ قرون ونحن نصف انفعالاتنا بهذا الأسلوب حتى لم يعد له طعم ولا لون. لقد سارت الحياة، وتقلبت عليها الصور والألوان والأحاسيس ومع ذلك ما زال شعرنا صورة لـ "قفا نبك" و "بانت سعاد" الأوزان هي هي.. والقوافي هي هي.. وتكاد المعاني تكون هي هي.
ويقولون: ما للغة؟ وأية ضرورة إلى منحها آفاقا جديدة؟ فينسون أن اللغة إن لم تركض مع الحياة ماتت. والواقع أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء، التي تستطيع بها مواجهة أعاصير القلق والتحرق التي تملأ أنفسنا اليوم. إنها قد كانت يوما لغة موحية، تتحرك وتضحك وتبكي وتعصف، ثم ابتليت بأجيال من الذين يجيدون التحنيط وصنع التماثيل، فصنعوا من ألفاظها "نسخا" جاهزة، ووزعوها على كتابهم وشعرائهم، دون أن يدركوا أن شاعرا واحدا قد يصنع للغة ما لا يصنعه ألف نحوي ولغوي مجتمعين. ذلك أن الشاعر، بإحساسه المرهف وسمعه اللغوي الدقيق، يمد للألفاظ معاني جديدة لم تكن لها، وقد يخرق قاعدة مدفوعا بحسه الفني، فلا يسيء إلى اللغة، وإنما يشدها إلى الأمام. الشاعر أو الأديب إذن هو الذي تتطور على يديه اللغة؛ أما النحوي واللغوي فلا شأن لهما بها. النحوي واللغوي عليهما واجب واحد هام: واجب الملاحظة واستخلاص قواعد عامة من كلام "المرهفين" من الكتاب والشعراء.
على أن الأديب الذي سنتفق على تسميته "مرهفا" لا بد أن يملك ثقافة عميقة تمتد جذورها في صميم الأدب المحلي قديمه وحديثه، مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له حس لغوي قوي، لا يستطيع معه إن هو خلق، إلا أن يكون ما خلق جمالا وسموا. فإذا خرق قاعدة، أو أضاف لونا إلى لفظة، أو صنع تعبيرا جديدا، أحسسنا انه أحسن صنعا، وأمكن لنا أن نعد ما أبدع وخرق قاعدة ذهبية. ولن تقف وظيفة الأديب المرهف عند خرق قاعدة هنا، وإضافة معنى هناك، وإنما سيكون عليه واجب أدق من هذا تفرضه عليه طبيعة التطور، في اللغات الإنسانية الحية. سيكون عليه أن يدخل تغييرا جوهريا على القاموس اللفظي المستعمل في أدب عصره، فيترك استعمال طائفة كبيرة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم ويدخل مكانها ألفاظا جديدة لم تكن مستعملة. ذلك لأن الألفاظ تخلق كما يخلق كل شيء يمر عليه إصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة، وهي تكتسب بمرور السنين جمودا يسبغه عليها التكرار، فتفقد معانيها الفرعية شيئا فشيئا، ويصبح لها معنى واحد محدود، يشل عاطفة الأديب ويحول دون حرية التعبير.
ثم إن هنالك سببا آخر هاما يستدعي هذا الاستبعاد للألفاظ التي كثر استعمالها، هو أن الأذن البشرية تمل الصور المألوفة والأصوات التي تتكرر، وتستطيع أن تجردها من كثير من معانيها وحياتها. وخير مثال لهذا أننا ننفر الآن بطبيعتنا من استعمال ألفاظ كهذه: "عمبر، كافور، غصن بان، هلال، صدغ، عود، نرجس، لؤلؤ" وهي ألفاظ كانت في بعض العصور السالفة تبدو رقيقة شعرية، وربما كانت يوما مما لا يستعمله إلا المجددون من الشعراء.
وقد لاحظت خلال دراستي للآداب المعاصرة هذه الملاحظة الطريفة. لاحظت أننا، في هذا العصر، قد أصبحنا ننسى المدلول الخاص لكلمة "البدر" فنهملها إهمالا يكاد يكون كليا، ونؤثر عليها لفظ "القمر"، وقل في الشعراء المعاصرين من يرضى استعمال كلمة "بدر" إلا في الحالات النادرة، وأنا أعترف أنني أكلف نفسي أحيانا متاعب كثيرة لكي لا أستعملها. والتعليل السيكولوجي لهذا يسير، فأنا وسواي نتذكر بلا شك تلك العشرات من الأبيات الصماء النافرة التي تركها شعراء العصر المنطفئ والماضي، واستعملوا فيها كلمة "بدر" حتى جردوها من جمال معناها، وأطفأوها، وأبقوا منها ظلالهم هم عليها.
ربما كان هذا كله من عمل ما يسميه علماء النفس الاقتران Association. وربما كان له عندهم تعليل آخر، سوى أن هذا كله يتعلق بالسبب لا بواقع الأمر؛ فالمهم أن الألفاظ تصدأ وتحول، وتحتاج إلى استبدال بين حين وحين. وقد رأينا أن هذا الاستبدال وظيفة الأديب يقوم بها وهو "نصف واع" لأن الوعي التام قلما ينتج شيئا ذا قيمة.
لنعد إلى حديث الأوزان.
في هذا الديوان لون بسيط من "الخروج" على القواعد المألوفة. يلاحظ في قصائد مثل "جامعة الظلال" و"لنكن أصدقاء" و"مرثية يوم تافه" و"أغنية الهاوية" وسواها. وقد يحسن بي أن أؤكد للقارئ أنني لا أعد نفسي واحدة من المرهفين الذي تحدثت عنهم في الصفحات السابقة، سوى أنني أحسست أن هذا الأسلوب الجديد في ترتيب تفاعيل الخليل يطلق جناح الشاعر من ألف قيد. وسأحاول فيما يلي أن أبسط خاصية هذا الأسلوب، ووجه أفضليته على أسلوب الخليل. الأبيات التالية تنتمي إلى البحر الذي سماه الخليل "المتقارب" وهو يرتكز إلى تفعيلة واحدة هي "فعولن": يداك للمس النجوم
ونسيج الغيوم
يداك لجمع الظلال
وتشييد يوتوبيا في الرمال
أتراني لو كنت استعملت أسلوب الخليل، كنت أستطيع التعبير عن المعنى بهذا الإيجاز وهذه السهولة؟ ألف لا. فأنا إذ ذاك مضطرة إلى أن أتم بيتا له شطران، فأتكلف معاني أخرى غير هذه، أملأ بها المكان، وربما جاء البيت أول بعد ذلك كما يلي:
يداك للمس النجوم الوضاء ونسج الغمائم ملء السماء
وهي صورة جنى عليها نظام الشطرين جناية كبيرة. ألم نلصق لفظ "الوضاء" بالنجوم دونما حاجة يقتضيها المعنى إتماما للشطر بتفعيلاته الأربع؟ ألم تنقلب اللفظة الحساسة "الغيوم" إلى مرادفتها الثقيلة "الغمائم" وهي على كل حال لا تؤدي معناها بدقة؟ ثم هنالك هذه العبارة الطائشة "ملء السماء" التي رقعنا بها المعنى، وقد أردنا له الوقوف فخلقنا له عكازات!.
هذا كله إذا نحن اخترنا الوزن "المتقارب" أما إذا اخترنا "الطويل" مثلا، فالبلية أعمق وأمر. إذ ذاك تطول العكازات وتتسع الرقع، وينكمش المعنى انكماشا مهينا، فنقول مثلا:
يداك للمس النجوم أو نسج غيمة يسيرها الإعصار في كل مشرق
ليلاحظ القارئ بلادة التعبير، وتقلص المعنى. وأين هذا من تعبيرنا الأول:
يداك للمس النجوم
ونسج الغيوم
وينبغي ألا ننسى أن هذا الأسلوب الجديد ليس " خروجا" على طريقة الخليل، وإنما هو تعديل لها، يتطلبه تطور المعاني والأساليب خلال العصور التي تفصلنا عن الخليل. فالخليل قد جعل وزن البحر "الكامل" كما يلي:
متفاعلن متفاعلن متفاعـلـن متفاعلن متفاعلن متفـاعـلـن
كفتاي ترتعشان أين سكينتي؟ شفتاي تصطخبان أين هدوئي؟
مرتكزا إلى "متفاعلن" التي اعتاد العرب أن يضعوا ثلاثا منها في كل شطر. وكل ما سنصنع نحن الآن أن نتلاعب بعدد التفاعيل وترتيبها فتجيء القصيدة من هذا البحر أحيانا كقصيدة "جدران وظلال" وهذا مقطع منها:
وهناك في الأعماق شيء جامد
حجزت بلادته المساء عن النهار
شيء رهيب بارد
خلف الستار
يدعى جدار
أواه لو هدم الجدار
ولو قطعناه لجاءت تفعيلاته كما يلي:
متفاعلن متفاعلن متفاعل
متفاعلن متفاعلن متفاعلات
متفاعلن متفاعل
متفاعلات
متفاعلات
متفاعلن متفاعلات
ومزية هذه الطريقة أنها تحرر الشاعر من عبودية الشطرين: فالبيت ذو التفاعيل الست الثابتة يضطر الشاعر إلى أن يختم الكلام عند التفعيلة السادسة، وإن كان المعنى الذي يريده قد انتهى عند التفعلية الرابعة، بينما يمكنه الأسلوب الجديد من الوقوف حيث يشاء.
وقد يرى كثيرون معي أن الشعر العربي لم يقف بعد على قدميه بعد الرقدة الطويلة التي جثمت على صدره القرون المنصرمة الماضية. فنحن عموما ما زلنا أسرى، تسيرنا القواعد التي وضعها أسلافنا في الجاهلية وصدر الإسلام. ما زلنا نلهث في قصائدنا ونجر عواطفنا المقيدة بسلاسل الأوزان القديمة، وقرقعة الألفاظ الميتة، وسدى يحاول أفراد منا أن يخالفوا؛ فإذ ذاك يتصدى لهم ألف غيور على اللغة، وألف حريص على التقاليد الشعرية التي أبتكرها واحد قديم أدرك ما يناسب زمانه، فجمدنا نحن ما ابتكر واتخذناه سنة. كأن سلامة اللغة لا تتم إلا إن هي جمدت على ما كانت عليه منذ ألف عام، وكأن الشعر لا يستطيع أن يكون شعرا إن خرجت تفعيلاته على طريقة الخليل.
ويقولون: ما لطريقة الخليل؟ وما للغة التي استعملها آباؤنا منذ عشرات القرون؟ والجواب أوسع من أن يمكن بسطه في مقدمة قصيرة لديوان. ما لطريقة الخليل؟ ألم تصدأ لطول ما لامستها الأقلام والشفاه منذ سنين وسنين؟ ألم تألفها أسماعنا، وترددها شفاهنا، وتعلكها أقلامنا، حتى مجتها وتقيأتها؟ منذ قرون ونحن نصف انفعالاتنا بهذا الأسلوب حتى لم يعد له طعم ولا لون. لقد سارت الحياة، وتقلبت عليها الصور والألوان والأحاسيس ومع ذلك ما زال شعرنا صورة لـ "قفا نبك" و "بانت سعاد" الأوزان هي هي.. والقوافي هي هي.. وتكاد المعاني تكون هي هي.
ويقولون: ما للغة؟ وأية ضرورة إلى منحها آفاقا جديدة؟ فينسون أن اللغة إن لم تركض مع الحياة ماتت. والواقع أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء، التي تستطيع بها مواجهة أعاصير القلق والتحرق التي تملأ أنفسنا اليوم. إنها قد كانت يوما لغة موحية، تتحرك وتضحك وتبكي وتعصف، ثم ابتليت بأجيال من الذين يجيدون التحنيط وصنع التماثيل، فصنعوا من ألفاظها "نسخا" جاهزة، ووزعوها على كتابهم وشعرائهم، دون أن يدركوا أن شاعرا واحدا قد يصنع للغة ما لا يصنعه ألف نحوي ولغوي مجتمعين. ذلك أن الشاعر، بإحساسه المرهف وسمعه اللغوي الدقيق، يمد للألفاظ معاني جديدة لم تكن لها، وقد يخرق قاعدة مدفوعا بحسه الفني، فلا يسيء إلى اللغة، وإنما يشدها إلى الأمام. الشاعر أو الأديب إذن هو الذي تتطور على يديه اللغة؛ أما النحوي واللغوي فلا شأن لهما بها. النحوي واللغوي عليهما واجب واحد هام: واجب الملاحظة واستخلاص قواعد عامة من كلام "المرهفين" من الكتاب والشعراء.
على أن الأديب الذي سنتفق على تسميته "مرهفا" لا بد أن يملك ثقافة عميقة تمتد جذورها في صميم الأدب المحلي قديمه وحديثه، مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له حس لغوي قوي، لا يستطيع معه إن هو خلق، إلا أن يكون ما خلق جمالا وسموا. فإذا خرق قاعدة، أو أضاف لونا إلى لفظة، أو صنع تعبيرا جديدا، أحسسنا انه أحسن صنعا، وأمكن لنا أن نعد ما أبدع وخرق قاعدة ذهبية. ولن تقف وظيفة الأديب المرهف عند خرق قاعدة هنا، وإضافة معنى هناك، وإنما سيكون عليه واجب أدق من هذا تفرضه عليه طبيعة التطور، في اللغات الإنسانية الحية. سيكون عليه أن يدخل تغييرا جوهريا على القاموس اللفظي المستعمل في أدب عصره، فيترك استعمال طائفة كبيرة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم ويدخل مكانها ألفاظا جديدة لم تكن مستعملة. ذلك لأن الألفاظ تخلق كما يخلق كل شيء يمر عليه إصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة، وهي تكتسب بمرور السنين جمودا يسبغه عليها التكرار، فتفقد معانيها الفرعية شيئا فشيئا، ويصبح لها معنى واحد محدود، يشل عاطفة الأديب ويحول دون حرية التعبير.
ثم إن هنالك سببا آخر هاما يستدعي هذا الاستبعاد للألفاظ التي كثر استعمالها، هو أن الأذن البشرية تمل الصور المألوفة والأصوات التي تتكرر، وتستطيع أن تجردها من كثير من معانيها وحياتها. وخير مثال لهذا أننا ننفر الآن بطبيعتنا من استعمال ألفاظ كهذه: "عمبر، كافور، غصن بان، هلال، صدغ، عود، نرجس، لؤلؤ" وهي ألفاظ كانت في بعض العصور السالفة تبدو رقيقة شعرية، وربما كانت يوما مما لا يستعمله إلا المجددون من الشعراء.
وقد لاحظت خلال دراستي للآداب المعاصرة هذه الملاحظة الطريفة. لاحظت أننا، في هذا العصر، قد أصبحنا ننسى المدلول الخاص لكلمة "البدر" فنهملها إهمالا يكاد يكون كليا، ونؤثر عليها لفظ "القمر"، وقل في الشعراء المعاصرين من يرضى استعمال كلمة "بدر" إلا في الحالات النادرة، وأنا أعترف أنني أكلف نفسي أحيانا متاعب كثيرة لكي لا أستعملها. والتعليل السيكولوجي لهذا يسير، فأنا وسواي نتذكر بلا شك تلك العشرات من الأبيات الصماء النافرة التي تركها شعراء العصر المنطفئ والماضي، واستعملوا فيها كلمة "بدر" حتى جردوها من جمال معناها، وأطفأوها، وأبقوا منها ظلالهم هم عليها.
ربما كان هذا كله من عمل ما يسميه علماء النفس الاقتران Association. وربما كان له عندهم تعليل آخر، سوى أن هذا كله يتعلق بالسبب لا بواقع الأمر؛ فالمهم أن الألفاظ تصدأ وتحول، وتحتاج إلى استبدال بين حين وحين. وقد رأينا أن هذا الاستبدال وظيفة الأديب يقوم بها وهو "نصف واع" لأن الوعي التام قلما ينتج شيئا ذا قيمة.
لنعد إلى حديث الأوزان.
في هذا الديوان لون بسيط من "الخروج" على القواعد المألوفة. يلاحظ في قصائد مثل "جامعة الظلال" و"لنكن أصدقاء" و"مرثية يوم تافه" و"أغنية الهاوية" وسواها. وقد يحسن بي أن أؤكد للقارئ أنني لا أعد نفسي واحدة من المرهفين الذي تحدثت عنهم في الصفحات السابقة، سوى أنني أحسست أن هذا الأسلوب الجديد في ترتيب تفاعيل الخليل يطلق جناح الشاعر من ألف قيد. وسأحاول فيما يلي أن أبسط خاصية هذا الأسلوب، ووجه أفضليته على أسلوب الخليل. الأبيات التالية تنتمي إلى البحر الذي سماه الخليل "المتقارب" وهو يرتكز إلى تفعيلة واحدة هي "فعولن": يداك للمس النجوم
ونسيج الغيوم
يداك لجمع الظلال
وتشييد يوتوبيا في الرمال
أتراني لو كنت استعملت أسلوب الخليل، كنت أستطيع التعبير عن المعنى بهذا الإيجاز وهذه السهولة؟ ألف لا. فأنا إذ ذاك مضطرة إلى أن أتم بيتا له شطران، فأتكلف معاني أخرى غير هذه، أملأ بها المكان، وربما جاء البيت أول بعد ذلك كما يلي:
يداك للمس النجوم الوضاء ونسج الغمائم ملء السماء
وهي صورة جنى عليها نظام الشطرين جناية كبيرة. ألم نلصق لفظ "الوضاء" بالنجوم دونما حاجة يقتضيها المعنى إتماما للشطر بتفعيلاته الأربع؟ ألم تنقلب اللفظة الحساسة "الغيوم" إلى مرادفتها الثقيلة "الغمائم" وهي على كل حال لا تؤدي معناها بدقة؟ ثم هنالك هذه العبارة الطائشة "ملء السماء" التي رقعنا بها المعنى، وقد أردنا له الوقوف فخلقنا له عكازات!.
هذا كله إذا نحن اخترنا الوزن "المتقارب" أما إذا اخترنا "الطويل" مثلا، فالبلية أعمق وأمر. إذ ذاك تطول العكازات وتتسع الرقع، وينكمش المعنى انكماشا مهينا، فنقول مثلا:
يداك للمس النجوم أو نسج غيمة يسيرها الإعصار في كل مشرق
ليلاحظ القارئ بلادة التعبير، وتقلص المعنى. وأين هذا من تعبيرنا الأول:
يداك للمس النجوم
ونسج الغيوم
وينبغي ألا ننسى أن هذا الأسلوب الجديد ليس " خروجا" على طريقة الخليل، وإنما هو تعديل لها، يتطلبه تطور المعاني والأساليب خلال العصور التي تفصلنا عن الخليل. فالخليل قد جعل وزن البحر "الكامل" كما يلي:
متفاعلن متفاعلن متفاعـلـن متفاعلن متفاعلن متفـاعـلـن
كفتاي ترتعشان أين سكينتي؟ شفتاي تصطخبان أين هدوئي؟
مرتكزا إلى "متفاعلن" التي اعتاد العرب أن يضعوا ثلاثا منها في كل شطر. وكل ما سنصنع نحن الآن أن نتلاعب بعدد التفاعيل وترتيبها فتجيء القصيدة من هذا البحر أحيانا كقصيدة "جدران وظلال" وهذا مقطع منها:
وهناك في الأعماق شيء جامد
حجزت بلادته المساء عن النهار
شيء رهيب بارد
خلف الستار
يدعى جدار
أواه لو هدم الجدار
ولو قطعناه لجاءت تفعيلاته كما يلي:
متفاعلن متفاعلن متفاعل
متفاعلن متفاعلن متفاعلات
متفاعلن متفاعل
متفاعلات
متفاعلات
متفاعلن متفاعلات
ومزية هذه الطريقة أنها تحرر الشاعر من عبودية الشطرين: فالبيت ذو التفاعيل الست الثابتة يضطر الشاعر إلى أن يختم الكلام عند التفعيلة السادسة، وإن كان المعنى الذي يريده قد انتهى عند التفعلية الرابعة، بينما يمكنه الأسلوب الجديد من الوقوف حيث يشاء.