إسلام شمس الدين
18-04-2003, 07:58 AM
غياب الشعر و حضور الوزن و القافية
بقلم زياد كعوشب
إن محاولات النهوض الثقافي التي نشهدها تحتاج منا المزيد من الاهتمام والرعاية، وهذا الأمر لا يتحقق فقط بالتشجيع، بل لا بد لنا من منظار ناقد، وعقل فاحص، وأداة تشخيص، لقد سمعنا ما فاضت به القرائح وقرأنا ما حظينا به من " عاجل الدواوين" ونحن إذ نشد على الأيدي مشجعين، نطالب كتابنا بالتحلي بالشجاعة اللازمة لتقبل الرأي الناقد من غير تشنج أو إنكار، ففي ذلك صقل للمواهب، وتقويم للاعوجاج، وفصل الغث عن السمين، ونكران البليد من القول، وتبني ما فيه إجادة وإبداع، حتى إذا ما تحقق لنا ذلك نكون قد فتحنا طريقاً لأصحاب المواهب لدخول صرح الشعر من أبوابه بدل " التشعلق" على جدرانه الملساء.
وإذ نقدر الدور الذي يقوم به كتابنا نرجو أن تتسع منهم الصدور لتقبل هذه الملاحظات السريعة والتمعن فيها غير بعيد عن مكانها ومنطلقها. لقد وجدنا فيما سمعنا وقرأنا ما يوجب علينا إيراد التعليقات التالية، وهي إن لم تكن في مصلحة الحاضر، فهي حتماً نحو المستقبل:
إن أي نقد صادق للنتاجات الشعرية موضوع هذا المقال، لا بد أن يخرج بالملاحظات التالية:
· محاولة تفصيل الشعر على مقاس المقام " الحدث والمناسبة" وفي ذلك مباشرة وطغيان للخطاب السياسي ومحاولة لتأكيد بعض الشعارات والمقولات، وهنا تسقط اللغة في حصار المحدودية في بناء القول والمعنى .
· التعجل في صوغ الجمل الشعرية وسوق الكلام قبل نضوجه، من اجل إنجاز قصيدة بالسرعة المطلوبة لان هناك من ينتظر ليسمع أو ينشر، وفي ذلك إيذاء للشاعر والشعر في آن واحد .
· المراوحة بين الوزن والقافية وحشر الكلام ليستقم الشعر في صدر وعجز... ونكاد هنا نسمع لهاث الشاعر، وانين لغة أصابها الإعياء، فتغادر ارض الكتابة تاركة وراءها بقايا الكلمات وعلامات الوقف ليس إلا.
· طغيان الإلقاء على حساب المضمون، بحيث يضيع المعنى في خضم الصوت وحركات الجسد فلا نسمع غير قرع الطبول وصليل السيوف ولا بأس بعدها بالتصفيق إذا كان هذا ما يريده الشاعر. مع العلم أن الشعر لا يتحقق بانتفاخ الأوداج، أو استقساء مدامع الحاضرين، وقد قال طاغور شاعر الهند العظيم في هذه الحالة: " يحملون بين أيديهم طفلاً ميتاً ويريدون منا أن نصدق انه يغني لأنهم يرتجفون" .
· غياب الرمز وضعف التصوير مما يدل على الابتعاد عن معين التراث وقلة الاطلاع على مخزونه اللغوي والجمالي، ولا نجد في الأشعار التي نسمع سمة واحدة تدل على تأثر القائل بشاعر من كبار شعرائنا العرب قديماًً، علماً بأن الأمر يحسب في مصلحة شاعرنا ولا يحسب عليه كما قد يظن البعض .
ولا بد في هذه العاجلة من كلمة: أيها الأحبة... إن في كتاباتكم شعراً... نعم، لديكم الكثير من الومضات، استوقفتني مواقع عدة في جغرافيا كتاباتكم، ولكن ما أريده من وراء هذا المقال، أن تسمحوا للغتكم أن ترتقي بمعانيها إلى مستوى القضية، شعراً تردده الناس وتشدو به الأجيال.
الشعر لا يكتب عن سابق ترصد وإصرار، ولا تعنيه مناسبة بعينها، هو أشبه ما يكون بالمطر، اصله في السحاب الهائم في فضاء الوجدان، والغمام الذي جمعته الخبرات أطلقته الأحداث، وهو لا يلبث في وقت ما، أن ينهمر رقيقاً شفافاً، أو يتساقط صاخباً عاصفاً، ولا إرادة للشاعر في هذا كله، حتى وان اعترفنا انه كان يهيئ للأمر ويتوقع حدوثه فيما يسمى " لحظة الكتابة"
الشعر كالولادة، نتيجة لتكوين سابق، ولا يمكن للشعر أن يسبق ذلك، لا يمكن دفع اللغة غضباً لبناء الشعر، ولا يصح سوق الشعر ودفعه إلى التجنيد الإجباري، المناسبة يحييها الشعر... نعم، ولكنه يموت قبل الولادة إذا اتكأ على المناسبة، لقد اجمع النقاد أن الشعر يغيب إذا غابت الصورة واختفى الرمز وتلاشت موسيقاي الكلمات الداخلية، الشعر يضع المتلقي والقارئ في حالة تأمل لا تنتهي بسكوت الشاعر أو إغلاق دفتي الكتاب، الوزن والقافية ركنان أساسيان، ولكنهما لا يقيمان شعراً بذاتهما.
لا نطالب أحدا بأكثر مما يستطيع، فهذا ظلم لا نريده، بل نرجو ونتوقع أن الكتابات وفي مستقبل قريب، ستخلو من عناصر الضعف التي أوردناها، ويتحقق الأمر بطريقة واحدة القراءة ثم القراءة...
الانصراف إلى تراثنا الشعري قديماًً وحديثاً، فيه إثراء للمخيلة وصقل للتجربة، وتمعيناً للغة، وارتقاء بالصورة الشعرية إلي المستوى المطلوب. لأننا نريد لكم الخوض في محيطات الشعر بدلاً عن التلهي برمال الشاطئ .
بقلم زياد كعوشب
إن محاولات النهوض الثقافي التي نشهدها تحتاج منا المزيد من الاهتمام والرعاية، وهذا الأمر لا يتحقق فقط بالتشجيع، بل لا بد لنا من منظار ناقد، وعقل فاحص، وأداة تشخيص، لقد سمعنا ما فاضت به القرائح وقرأنا ما حظينا به من " عاجل الدواوين" ونحن إذ نشد على الأيدي مشجعين، نطالب كتابنا بالتحلي بالشجاعة اللازمة لتقبل الرأي الناقد من غير تشنج أو إنكار، ففي ذلك صقل للمواهب، وتقويم للاعوجاج، وفصل الغث عن السمين، ونكران البليد من القول، وتبني ما فيه إجادة وإبداع، حتى إذا ما تحقق لنا ذلك نكون قد فتحنا طريقاً لأصحاب المواهب لدخول صرح الشعر من أبوابه بدل " التشعلق" على جدرانه الملساء.
وإذ نقدر الدور الذي يقوم به كتابنا نرجو أن تتسع منهم الصدور لتقبل هذه الملاحظات السريعة والتمعن فيها غير بعيد عن مكانها ومنطلقها. لقد وجدنا فيما سمعنا وقرأنا ما يوجب علينا إيراد التعليقات التالية، وهي إن لم تكن في مصلحة الحاضر، فهي حتماً نحو المستقبل:
إن أي نقد صادق للنتاجات الشعرية موضوع هذا المقال، لا بد أن يخرج بالملاحظات التالية:
· محاولة تفصيل الشعر على مقاس المقام " الحدث والمناسبة" وفي ذلك مباشرة وطغيان للخطاب السياسي ومحاولة لتأكيد بعض الشعارات والمقولات، وهنا تسقط اللغة في حصار المحدودية في بناء القول والمعنى .
· التعجل في صوغ الجمل الشعرية وسوق الكلام قبل نضوجه، من اجل إنجاز قصيدة بالسرعة المطلوبة لان هناك من ينتظر ليسمع أو ينشر، وفي ذلك إيذاء للشاعر والشعر في آن واحد .
· المراوحة بين الوزن والقافية وحشر الكلام ليستقم الشعر في صدر وعجز... ونكاد هنا نسمع لهاث الشاعر، وانين لغة أصابها الإعياء، فتغادر ارض الكتابة تاركة وراءها بقايا الكلمات وعلامات الوقف ليس إلا.
· طغيان الإلقاء على حساب المضمون، بحيث يضيع المعنى في خضم الصوت وحركات الجسد فلا نسمع غير قرع الطبول وصليل السيوف ولا بأس بعدها بالتصفيق إذا كان هذا ما يريده الشاعر. مع العلم أن الشعر لا يتحقق بانتفاخ الأوداج، أو استقساء مدامع الحاضرين، وقد قال طاغور شاعر الهند العظيم في هذه الحالة: " يحملون بين أيديهم طفلاً ميتاً ويريدون منا أن نصدق انه يغني لأنهم يرتجفون" .
· غياب الرمز وضعف التصوير مما يدل على الابتعاد عن معين التراث وقلة الاطلاع على مخزونه اللغوي والجمالي، ولا نجد في الأشعار التي نسمع سمة واحدة تدل على تأثر القائل بشاعر من كبار شعرائنا العرب قديماًً، علماً بأن الأمر يحسب في مصلحة شاعرنا ولا يحسب عليه كما قد يظن البعض .
ولا بد في هذه العاجلة من كلمة: أيها الأحبة... إن في كتاباتكم شعراً... نعم، لديكم الكثير من الومضات، استوقفتني مواقع عدة في جغرافيا كتاباتكم، ولكن ما أريده من وراء هذا المقال، أن تسمحوا للغتكم أن ترتقي بمعانيها إلى مستوى القضية، شعراً تردده الناس وتشدو به الأجيال.
الشعر لا يكتب عن سابق ترصد وإصرار، ولا تعنيه مناسبة بعينها، هو أشبه ما يكون بالمطر، اصله في السحاب الهائم في فضاء الوجدان، والغمام الذي جمعته الخبرات أطلقته الأحداث، وهو لا يلبث في وقت ما، أن ينهمر رقيقاً شفافاً، أو يتساقط صاخباً عاصفاً، ولا إرادة للشاعر في هذا كله، حتى وان اعترفنا انه كان يهيئ للأمر ويتوقع حدوثه فيما يسمى " لحظة الكتابة"
الشعر كالولادة، نتيجة لتكوين سابق، ولا يمكن للشعر أن يسبق ذلك، لا يمكن دفع اللغة غضباً لبناء الشعر، ولا يصح سوق الشعر ودفعه إلى التجنيد الإجباري، المناسبة يحييها الشعر... نعم، ولكنه يموت قبل الولادة إذا اتكأ على المناسبة، لقد اجمع النقاد أن الشعر يغيب إذا غابت الصورة واختفى الرمز وتلاشت موسيقاي الكلمات الداخلية، الشعر يضع المتلقي والقارئ في حالة تأمل لا تنتهي بسكوت الشاعر أو إغلاق دفتي الكتاب، الوزن والقافية ركنان أساسيان، ولكنهما لا يقيمان شعراً بذاتهما.
لا نطالب أحدا بأكثر مما يستطيع، فهذا ظلم لا نريده، بل نرجو ونتوقع أن الكتابات وفي مستقبل قريب، ستخلو من عناصر الضعف التي أوردناها، ويتحقق الأمر بطريقة واحدة القراءة ثم القراءة...
الانصراف إلى تراثنا الشعري قديماًً وحديثاً، فيه إثراء للمخيلة وصقل للتجربة، وتمعيناً للغة، وارتقاء بالصورة الشعرية إلي المستوى المطلوب. لأننا نريد لكم الخوض في محيطات الشعر بدلاً عن التلهي برمال الشاطئ .