سيد جعيتم
28-10-2006, 09:58 AM
القاهرة مدينة الألف مئذنة القاهرة الفاطمية قاهرة المعز القاهرة الركن المتين لٌسلام قل ما شئت عن القاهرة وعن أثارها الكثيرة التي تمثلت فيها الحضارات المتعاقبة منذ الفتح الإسلامي والمساجد القديمة بالقاهرة كانت تعتبر جامعات ومدارس لتلقى العلوم الشرعية حيث كان الشيخ يجلس فى رواقه أو بجوار عموده ليلقن الطلبة علوم الدين أو يختم معهم القرآن أو يختم البخارى ومسلم كعادة أهل هذه الأيام . كما أعتبرت هذه الآثار تعتبر معاهد تربى فيها المهندس والفنان والصانع ويأتي على رأس أثار القاهرة فى رأى مسجد ومدرسة السلطان حسن.
فمن هو السلطان حسن ؟
هو الملك الناصر أبو المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد أبن الملك المنصور قلاوون وهو التاسع عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والسابع من أبناء الملك الناصر محمد بن قلاوون ولد في 735 هـ 1334 م وقد ولى ملك مصر فى 14 رمضان سنة 748 هـ ( ديسمبر سنة 1347م ) وكان اليوم ثلاثاء وبويع بعد مقتل أخيه السلطان حاجى ( القتل كان مصير الكثير من سلاطين المماليك على يد مماليكهم ) وكان عمره وقتها ثلاث عشر سنة وكان اسمه قبل أن يتسلطن سيدي قمارى فقد كان حسن الطلعة جميل المحيا وغير اسمه من قمارى لسيدي حسن وكان نائب السلطنة المكلف بشئون البلاد لصغر سن السلطان هو الأمير يلبغا أروس .
فى عهد السلطان حسن حوادث كثيرة اشهرها وباء الطاعون الذى حصد الأرواح سنة 1749 م حيث أنتشر فى الديار المصرية وكان عدة من مات بالطاعون تسعمائة ألف إنسان حسب ما أورد ابن إياس المؤرخ فى كتابه .
ولما بلغ السلطان سن الرشد ثبته القضاة الأربعة فقد كان تثبيت السلطان يحتاج لمباركة القضاة الأربعة ( المالكية – الشافعية – الحنبلية – الحنيفة ) باشر السلطان شئون دولته وكان لا بد له حتى يستتب حكمه التخلص من نائب السلطنة الذي أصر على أن يقاسمه السلطة فقبض عليه وعلى أعوانه وكعادة المماليك فى الغدر بالسلطان وفى يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة وثب الأمراء على السلطان ولبسوا له الة الحرب وطلعوا للرميلة ووقفوا بسوق الخيل ( ميدان صلاح الدين حالياً ) وقبضوا على السلطان وحبسوه داخل دور الحريم وقد كان سعيد الحظ حيث لم يقتلوه كسابقه فكانت مدة سلطنته ثلاث سنوات وتسعة اشهر وهى مدة سلطنته الأولى وتم تعيين أخيه الملك الصالح صالح بدلاً منه وقد كان صالحاً بالفعل حتى خلعه الأمراء.
وبعد انقلاب الأمراء على الملك الصالح صالح أعيد الناصر حسن للملك فى يوم الاثنين ثاني شوال سنة 755 هـ فعمل على إبعاد الأمراء الذين تأمروا عليه وقرب أخرين وأكثر من شراء المماليك وكان حازماً شجاعاً منزهاً عن نقائص المماليك وكان يقرب أبناء الأسر المصرية ويعينهم فى حاشيته مما أوغر صدور المماليك فتصدى له الأمير يلبغا الخاصكى فى جمادى الأول عام 762هـ 1361م وهرب السلطان فقبض عليه الأعراب وسلموه ليلبغا وقيل انه مات مخنوقاً وتم إلقاء جثته فى البحر ولم يعرف له قبر حتى الآن . وكانت مدة سلطنته الثانية ست سنين وتسعة اشهر
جامع ومدرسة السلطان حسن
بداء السلطان فى عمارة مدرسته عام 1356 م وكان المكان يسمى وقتها سوق الخيل وكان بالسوق قصر بيبغا اليحياوى نائب الشام فهدمه السلطان وبنى مكانه مدرسته وقيل أن ايوانها بنى على قدر إيوان كسرى أنو شروان فى الطول والعرض . وقيل ان السلطان لما حفر أساس الأرض وجد فى الأرض مالاً صرفه على البناء وقيل وجدوا هناك مرساة مراكب وقيل ان البحر كان هناك .
وقد تكلف إنشاء المسجد الكثير من الأموال حتى أن السلطان كان يبدوا عاجزاً عن أتمام بناءه ونسب الطواشي مقبل الشامي إلى السلطان حسن أنه قال: (( لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن أتمام بناء لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه ))
والمدرسة والمسجد واحد من حيث إقامة الشعائر الدينية وإقامة الخطبة.ويقول الدكتور / على جمعة ((لله تعالى في الأرض بيوت مجدها وكرمها وأعلى شأنها , وجعلها سبحانه مكانا لإعلان العبودية له وحده لا شريك له , وهذه البيوت ما كان لها أن تقام , ولا ترفع ويذكر فيها اسمه بغير إذنه سبحانه وتعالى , فهي بإذن الله شرعًا حيث أمر بذلك , قال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال)[ النور 36] الله سبحانه وتعالى أمر أن لا يدعى في أي من المساجد إلا الله ولا يعبد إلا هو فقال سبحانه وتعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)[ الجن 18]. فالمساجد مملوكة لله وتقوم بوظائفها التي أمر الله بها.))
يقع مسجد السلطان حسن في ميدان صلاح الدين بالقاهرة، ويعتبر من أعظم وأفخم الآثار الإسلامية.. وكان الغرض من إنشائه تدريس المذاهب الأربعة.. فقام السلطان بتعيين المدرسين والمراقبين، وعين لهم المرتبات وألحق بالمدرسة سكنا للطلبة المغتربين. تبلغ مساحة المسجد 7906ممربع أى ما يقرب من فدانين، وطوله 150م، وعرضه 68م، و ارتفاعه 37.70م و للمسجد مئذنتان رشيقتان ( منارتان ) اٌقدمهما القبلية ويبلغ أرتفاعها عن صحن الجامع 81.60 متراً وبحرية وقد سقطت سنة 1070هـ 1659 م وجددت فى عمارة الوزير إبراهيم باشا سنة 1082 هـ 1671م وقد كان من المقرر إنشاء أربع مآذن للمسجد إلا أنه سقطت الثالثة، ولم يشرع في بناء الرابعة..
وقد وضع تصميم المسجد المهندس/محمد بن بليك المحسنى ويقول المقريزى أنه لا يعرف فى بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكى هذا الجامع وقبته.
ويقول المؤرخ ابن تغرى بردى إن هذه المدرسة ومئذنتها من عجائب الدنيا.
ولن تكتشف عظمة المكان إلا بعد زيارتك له فإذا كنت تحب العمارة فأمامك فن العمارة بكل حرفية الصنعة وإذا كنت محب للتاريخ فستستنشق العبق التاريخي لفترة حكم المماليك لمصرنا المحروسة.
أول ما يقابلك بمدخل المسجد واجهة مصنوعة من الفسيفساء بأشكال هندسية إسلامية بديعة يعقبها ممر طويل يفضى إلى صحن المسجد وهو لوحة فى غاية الروعة والجمال ويثبت أن بنائين مصر امتداد دائم لعصر الفراعين والصحن و مربع الشكل تقريبا يبلغ طوله34.60 مترا, وهو مفروش بالرخام. وهو مفروش بالرخام وتتوسطه فسقية للوضوء ( الميضة ) تعلوها قبة خشبية تقوم على ثمانية أعمدة من الرخام وهذه القبة حادثة ولم تكن موجودة من مائة وخمسين سنة ماضية.
وحول الصحن من جهاته الأربع إيوانات المدرسة , أكبرها إيوان القبلة وهو محاط بإطار من أعلى كُتب عليه بالخط الكوفي سورة الفتح وتبلغ فتحته19.20 مترا , وعمقه28 مترا , ويتوسط الإيوان دكة المبلغ وهي من الرخام ويوجد في صدر الإيوان محراب كبير مغطي بالرخام الملون والمحلى بزخارف مورقة تتخللها عناقيد العنب , ويجاور المحراب منبر من الرخام له باب من النحاس المفرغ وقد بلغت فخامة هذا الإيوان أن قيل إنه أكبر من إيوان "كسرى" الموجود بالمدائن بالعراق.
ويكتنف المحراب بابان يوصلان إلى القبة التي تقع خلف المحرابأحدهما قبلي مغشي بالنحاس المكفت بالذهب وعليه أسم السلطان حسن والآخر فقدت كسوته والقبة مربعة طول كل ضلع 21 متر وارتفاعها 48 متر وبها محراب رخامي محلى بزخارف دقيقة وبالجانب القبلي الشرقي المنارتان العظيمتان , ويبلغ ارتفاع كبراهما81.50 مترا .
وجدير بالذكر أن غطاء القبة الحالي ليس هو القديم فقد كانت القبة خشبية مكسوة من الخارج بالرصاص وقد وصف القبة الرحالة بترودى لا فالليه سنة 1616م وقال انها تعتبر كطراز القباب السمرقندية وذكر الرحالة بريس دفين أن القبة سقطت سنة 1661م وكانت أعظم ارتفاع من القبة الحالية وباطنها كان حافل بالنقوش . وقد جدد القبلة الوزير إبراهيم باشا سنة 1671م والقبة الأصلية تم إنشاءها سنة 786هـ 1384م برسم السلطان حسن
وقد أفاد أحد موظفي الآثار الموجودين بالمسجد أنه قد تم نقل واجهة ثلاثة من الإيوانات وهى على شكل المشكوات المكفنة بالذهب والفضة، وحُفظت في المتحف الإسلامي بالقاهرة
أما عن المحراب رخاميا مزينا بقطع من النقوش الذهبية، وعلى يمين المحراب تجد المنبر الرخامي الأبيض وله باب من الخشب المصفح بالنحاس المضلع ألنجمي.
ويحيط بالصحن أربع مدارس للمذاهب الأربعة تعد مساجد صغيرة محدقة بالجامع الكبير , وتتكون كل مدرسة من إيوان وصحن تتوسطه فسقية , وتحتوي كل مدرسة على ثلاثة طوابق تشتمل على غرف الطلبة والدرس , ويطل بعضها على صحن المدرسة وبعضها الآخر يطل على الواجهات الخارجية , وتعد المدرسة الحنفية كبرى المدارس , إذ تبلغ مساحتها898 مترا.
وقد حليت أعتاب شبابيك القبة بمقرنسات وعقود جميلة وطعمت بأشرطة من القيشاني وحليت نواصيها بعمد من الحجر بها كتابات كوفية.
ودورة المياه أو الميضة تقع أسفل القبة القبلية وغربها الساقية التي كانت توصل المياه إلى المدارس والمسجد بواسطة مجراة على كوابيل .
والباب العمومي تحفة أثرية حيث أنه شاهق الارتفاع حلى من الجانبين بالزخارف الممتدة لأعلى وأعلى الباب مجموعة كبيرة من المقرنسات .
وبالمسجد فسقية رائعة الجمال يصعد إليها بسلم خمس درجات يؤدى لدهليز ينتهي لصحن مفروش بالرخام الملون مساحته 34.60متر يتوسطه قبة الفسقية وقد أجريت بها عمارة فى سنة 1088هـ 1677 م
نظام التدريس: قرر السلطان حسن لكل مذهب من المذاهب الأربعة شيخا ومائة طالب, في كل فرقة خمسة وعشرون متقدمون, وثلاثة معيدون, وحدد لكل منهم راتبا حسب وظيفته, وعين مدرسا لتفسير القرآن, وعين معه ثلاثين طالبا, عهد إلى بعضهم أن يقوموا بعمل الملاحظة, وعين مدرسا للحديث النبوي, وخصص له راتبا قدره300 درهم, وهو ما يساوي6000 جنيه مصري الآن ورتب له قارئا للحديث.
وعين بإيوان مدرسة الشافعية شيخا مفتيا, ورتب معه قارئا, يحضر أربعة أيام من كل أسبوع, منها يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة, ويقرأ القارئ ما تيسر من القرآن والحديث النبوي, كما عين مدرسا حافظا لكتاب الله عالما بالقراءات السبع, يجلس كل يوم ما بين صلاة الصبح والزوال بإيوان الشافعية, وجعل معه قارئا يحفظ من يحضر عنده من الناس.
ولضمان انتظام العمل بالمدرسة عين السلطان حسن اثنين لمراقبة الحضور والغياب, أحدهم بالليل والآخر بالنهار, وأعد مكتبة وعين لها أمينا, وألحق بالمدرسة مكتبين لتعليم الأيتام القرآن والخط, وقرر لهم الكسوة والطعام; فكان إذا أتم اليتيم القرآن حفظا يعطى50 درهما, وهو ما يساوي1000 جنيه مصري الآن ويمنح مؤدبه مثلها مكافأة له والمسجد به أكثر من270 غرفة كان الطلاب يسكنون بها.
وعين السلطان طبيبين: أحدهما باطني والآخر للعيون, يحضر كل منهما كل يوم بالمسجد لعلاج من يحتاج من الموظفين والطلبة.
وقد احتفل السلطان حسن بافتتاح مدرسته قبل إجراء باقي الأعمال التكميلية, وصلى بها الجمعة, وأنعم على البنائين والمهندسين, وقد ظل اسم المهندس الفنان الذي أبدع هذا العمل مجهولا قرونا طويلة حتى كشف عنه الأستاذ' حسن عبد الوهاب', وتوصل إليه وهو' محمد بن بيليك المحسني' من خلال الكتابة الجصية الموجودة في المدرسة الحنفية.
ونعود لقول الدكتور على جمعة وهو يحكى أن شيخه الذي حفظ القرآن على يديه بالمسجد أخبره بغريبة من الغرائب التي أخبرني أنها لم يحل لغزها الى اليوم, وهو أن الحجارة التي بأعلى الباب الموصل الى رواق الحنفية فيه تشابك من الوجه ومن الأسفل بحيث يستحيل أن يتم ذلك عمليا, وأخبرني أن العلامة كريزول قد حاول فك هذا اللغز وأنه كسر جزءا من الحجر للتأكد من أن هذا ليس من قبيل الألوان او التركيب ولكنه لم يصل الى شيء وما زال الكسر موجودا في الرواق الآخر, وهذا التعشيق لا يوجد إلا في رواقين فقط, ولقد سألت مجموعة من أساتذة الآثار والفنانين والصناع فلم يتوصل أحد الى حقيقة هذا الوضع الغريب, وأرجو من عنده علم في ذلك أن يخبرني به فهو دال على كل حال على إبداع الفنان المسلم في الحضارة الإنسانية.
والمسجد فيه مجموعه تحفة نادرة في العمارة الإسلامية لكثرة ما فيه من دلايات منحوتة في الحجر . يصف العلامة "فاييت" المسجد قائلاً: "انه أبدع أثار القاهرة وأكثرها تجانساً وتماسكاً وكمالاً ووحدة وأجدرها إن يقوم بجانب تلك الآثار الرائعة التي خلفتها مدينة الفراعنة".
يسار المحراب بالقبة الضريح المدفون به ابن السلطان حسن "الشهاب أحمد أو سيدى أحمد "المتوفى فى 14 جمادى الاخر سنة 788هـ 1389م وسيدى إسماعيل المنوفى سنة 799هـ 1396م ... يعلو الضريح قبة عالية تحفها المقرنسات –نقوش بارزة تشبه خلايا النحل توحي للناظر بالارتفاع، يكسو جدران الضريح الرخام الفاخر، وبه مكتبتان كانتا تضمان أمهات كتب المذاهب الأربعة، وبه أيضًا حامل للمصحف الشريف مصنوع من خشب الصندل، ومكسو بالصدف.
وبذلك بدت مدرسة ومسجد "السلطان حسن" أضخم وأعلى وأفخم المباني الأثرية بالقاهرة وأجمعها لمحاسن العمارة. وقد قال عنها الأستاذ "جاستون فييت" –المدير السابق للمتحف الإسلامي بالقاهرة-: "إنه لأبدع آثار القاهرة وأكثرها تجانسا وتماسكًا وكمالا، وأجدرها بأن يقوم بجانب تلك الآثار المدهشة التي خلفتها مدينة الفراعنة".
من الجدير بالذكر أن المسجد تم ترميمه وإصلاحه من قبل لجنة حفظ الآثار المصرية عام 1915م.
ولوقوع المدرسة أمام قلعة الجبل فقد كان المماليك يتخذونها حصناً يصعدون اليها ويضربون القلعة عند حدوث فتنة مما أضطر الملك الظاهر برقوق لسد الباب الكبير سنة 793 هـ 1391 م إلى أن أعيد فتحه سنة 825هـ 1422م
والآن أدعو الجميع لزيارة هذا الصرح العملاق وياليت وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة ووزارة السياحة تتكاتف لجعل هذا المسجد الجامع وغيره فى أبهى صوره وأن يجد الزوار من المصريين نفس الاهتمام الذي يلقاه الزوار الأجانب فنحن أحوج بأن نتعرف على تاريخنا .
المصادر :
نشرات وزارة الثقافة المصرية
بدائع الزهور فى وقائع الأمور لأبن أياس الجزء الثانى
جامع السلطان حسن وما حوله للأستاذ/ حسن عبد الوهاب مارس 1962
معلومات من المرشدين السياحيين
مشاهدات شخصية
فمن هو السلطان حسن ؟
هو الملك الناصر أبو المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد أبن الملك المنصور قلاوون وهو التاسع عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والسابع من أبناء الملك الناصر محمد بن قلاوون ولد في 735 هـ 1334 م وقد ولى ملك مصر فى 14 رمضان سنة 748 هـ ( ديسمبر سنة 1347م ) وكان اليوم ثلاثاء وبويع بعد مقتل أخيه السلطان حاجى ( القتل كان مصير الكثير من سلاطين المماليك على يد مماليكهم ) وكان عمره وقتها ثلاث عشر سنة وكان اسمه قبل أن يتسلطن سيدي قمارى فقد كان حسن الطلعة جميل المحيا وغير اسمه من قمارى لسيدي حسن وكان نائب السلطنة المكلف بشئون البلاد لصغر سن السلطان هو الأمير يلبغا أروس .
فى عهد السلطان حسن حوادث كثيرة اشهرها وباء الطاعون الذى حصد الأرواح سنة 1749 م حيث أنتشر فى الديار المصرية وكان عدة من مات بالطاعون تسعمائة ألف إنسان حسب ما أورد ابن إياس المؤرخ فى كتابه .
ولما بلغ السلطان سن الرشد ثبته القضاة الأربعة فقد كان تثبيت السلطان يحتاج لمباركة القضاة الأربعة ( المالكية – الشافعية – الحنبلية – الحنيفة ) باشر السلطان شئون دولته وكان لا بد له حتى يستتب حكمه التخلص من نائب السلطنة الذي أصر على أن يقاسمه السلطة فقبض عليه وعلى أعوانه وكعادة المماليك فى الغدر بالسلطان وفى يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة وثب الأمراء على السلطان ولبسوا له الة الحرب وطلعوا للرميلة ووقفوا بسوق الخيل ( ميدان صلاح الدين حالياً ) وقبضوا على السلطان وحبسوه داخل دور الحريم وقد كان سعيد الحظ حيث لم يقتلوه كسابقه فكانت مدة سلطنته ثلاث سنوات وتسعة اشهر وهى مدة سلطنته الأولى وتم تعيين أخيه الملك الصالح صالح بدلاً منه وقد كان صالحاً بالفعل حتى خلعه الأمراء.
وبعد انقلاب الأمراء على الملك الصالح صالح أعيد الناصر حسن للملك فى يوم الاثنين ثاني شوال سنة 755 هـ فعمل على إبعاد الأمراء الذين تأمروا عليه وقرب أخرين وأكثر من شراء المماليك وكان حازماً شجاعاً منزهاً عن نقائص المماليك وكان يقرب أبناء الأسر المصرية ويعينهم فى حاشيته مما أوغر صدور المماليك فتصدى له الأمير يلبغا الخاصكى فى جمادى الأول عام 762هـ 1361م وهرب السلطان فقبض عليه الأعراب وسلموه ليلبغا وقيل انه مات مخنوقاً وتم إلقاء جثته فى البحر ولم يعرف له قبر حتى الآن . وكانت مدة سلطنته الثانية ست سنين وتسعة اشهر
جامع ومدرسة السلطان حسن
بداء السلطان فى عمارة مدرسته عام 1356 م وكان المكان يسمى وقتها سوق الخيل وكان بالسوق قصر بيبغا اليحياوى نائب الشام فهدمه السلطان وبنى مكانه مدرسته وقيل أن ايوانها بنى على قدر إيوان كسرى أنو شروان فى الطول والعرض . وقيل ان السلطان لما حفر أساس الأرض وجد فى الأرض مالاً صرفه على البناء وقيل وجدوا هناك مرساة مراكب وقيل ان البحر كان هناك .
وقد تكلف إنشاء المسجد الكثير من الأموال حتى أن السلطان كان يبدوا عاجزاً عن أتمام بناءه ونسب الطواشي مقبل الشامي إلى السلطان حسن أنه قال: (( لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن أتمام بناء لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه ))
والمدرسة والمسجد واحد من حيث إقامة الشعائر الدينية وإقامة الخطبة.ويقول الدكتور / على جمعة ((لله تعالى في الأرض بيوت مجدها وكرمها وأعلى شأنها , وجعلها سبحانه مكانا لإعلان العبودية له وحده لا شريك له , وهذه البيوت ما كان لها أن تقام , ولا ترفع ويذكر فيها اسمه بغير إذنه سبحانه وتعالى , فهي بإذن الله شرعًا حيث أمر بذلك , قال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال)[ النور 36] الله سبحانه وتعالى أمر أن لا يدعى في أي من المساجد إلا الله ولا يعبد إلا هو فقال سبحانه وتعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)[ الجن 18]. فالمساجد مملوكة لله وتقوم بوظائفها التي أمر الله بها.))
يقع مسجد السلطان حسن في ميدان صلاح الدين بالقاهرة، ويعتبر من أعظم وأفخم الآثار الإسلامية.. وكان الغرض من إنشائه تدريس المذاهب الأربعة.. فقام السلطان بتعيين المدرسين والمراقبين، وعين لهم المرتبات وألحق بالمدرسة سكنا للطلبة المغتربين. تبلغ مساحة المسجد 7906ممربع أى ما يقرب من فدانين، وطوله 150م، وعرضه 68م، و ارتفاعه 37.70م و للمسجد مئذنتان رشيقتان ( منارتان ) اٌقدمهما القبلية ويبلغ أرتفاعها عن صحن الجامع 81.60 متراً وبحرية وقد سقطت سنة 1070هـ 1659 م وجددت فى عمارة الوزير إبراهيم باشا سنة 1082 هـ 1671م وقد كان من المقرر إنشاء أربع مآذن للمسجد إلا أنه سقطت الثالثة، ولم يشرع في بناء الرابعة..
وقد وضع تصميم المسجد المهندس/محمد بن بليك المحسنى ويقول المقريزى أنه لا يعرف فى بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكى هذا الجامع وقبته.
ويقول المؤرخ ابن تغرى بردى إن هذه المدرسة ومئذنتها من عجائب الدنيا.
ولن تكتشف عظمة المكان إلا بعد زيارتك له فإذا كنت تحب العمارة فأمامك فن العمارة بكل حرفية الصنعة وإذا كنت محب للتاريخ فستستنشق العبق التاريخي لفترة حكم المماليك لمصرنا المحروسة.
أول ما يقابلك بمدخل المسجد واجهة مصنوعة من الفسيفساء بأشكال هندسية إسلامية بديعة يعقبها ممر طويل يفضى إلى صحن المسجد وهو لوحة فى غاية الروعة والجمال ويثبت أن بنائين مصر امتداد دائم لعصر الفراعين والصحن و مربع الشكل تقريبا يبلغ طوله34.60 مترا, وهو مفروش بالرخام. وهو مفروش بالرخام وتتوسطه فسقية للوضوء ( الميضة ) تعلوها قبة خشبية تقوم على ثمانية أعمدة من الرخام وهذه القبة حادثة ولم تكن موجودة من مائة وخمسين سنة ماضية.
وحول الصحن من جهاته الأربع إيوانات المدرسة , أكبرها إيوان القبلة وهو محاط بإطار من أعلى كُتب عليه بالخط الكوفي سورة الفتح وتبلغ فتحته19.20 مترا , وعمقه28 مترا , ويتوسط الإيوان دكة المبلغ وهي من الرخام ويوجد في صدر الإيوان محراب كبير مغطي بالرخام الملون والمحلى بزخارف مورقة تتخللها عناقيد العنب , ويجاور المحراب منبر من الرخام له باب من النحاس المفرغ وقد بلغت فخامة هذا الإيوان أن قيل إنه أكبر من إيوان "كسرى" الموجود بالمدائن بالعراق.
ويكتنف المحراب بابان يوصلان إلى القبة التي تقع خلف المحرابأحدهما قبلي مغشي بالنحاس المكفت بالذهب وعليه أسم السلطان حسن والآخر فقدت كسوته والقبة مربعة طول كل ضلع 21 متر وارتفاعها 48 متر وبها محراب رخامي محلى بزخارف دقيقة وبالجانب القبلي الشرقي المنارتان العظيمتان , ويبلغ ارتفاع كبراهما81.50 مترا .
وجدير بالذكر أن غطاء القبة الحالي ليس هو القديم فقد كانت القبة خشبية مكسوة من الخارج بالرصاص وقد وصف القبة الرحالة بترودى لا فالليه سنة 1616م وقال انها تعتبر كطراز القباب السمرقندية وذكر الرحالة بريس دفين أن القبة سقطت سنة 1661م وكانت أعظم ارتفاع من القبة الحالية وباطنها كان حافل بالنقوش . وقد جدد القبلة الوزير إبراهيم باشا سنة 1671م والقبة الأصلية تم إنشاءها سنة 786هـ 1384م برسم السلطان حسن
وقد أفاد أحد موظفي الآثار الموجودين بالمسجد أنه قد تم نقل واجهة ثلاثة من الإيوانات وهى على شكل المشكوات المكفنة بالذهب والفضة، وحُفظت في المتحف الإسلامي بالقاهرة
أما عن المحراب رخاميا مزينا بقطع من النقوش الذهبية، وعلى يمين المحراب تجد المنبر الرخامي الأبيض وله باب من الخشب المصفح بالنحاس المضلع ألنجمي.
ويحيط بالصحن أربع مدارس للمذاهب الأربعة تعد مساجد صغيرة محدقة بالجامع الكبير , وتتكون كل مدرسة من إيوان وصحن تتوسطه فسقية , وتحتوي كل مدرسة على ثلاثة طوابق تشتمل على غرف الطلبة والدرس , ويطل بعضها على صحن المدرسة وبعضها الآخر يطل على الواجهات الخارجية , وتعد المدرسة الحنفية كبرى المدارس , إذ تبلغ مساحتها898 مترا.
وقد حليت أعتاب شبابيك القبة بمقرنسات وعقود جميلة وطعمت بأشرطة من القيشاني وحليت نواصيها بعمد من الحجر بها كتابات كوفية.
ودورة المياه أو الميضة تقع أسفل القبة القبلية وغربها الساقية التي كانت توصل المياه إلى المدارس والمسجد بواسطة مجراة على كوابيل .
والباب العمومي تحفة أثرية حيث أنه شاهق الارتفاع حلى من الجانبين بالزخارف الممتدة لأعلى وأعلى الباب مجموعة كبيرة من المقرنسات .
وبالمسجد فسقية رائعة الجمال يصعد إليها بسلم خمس درجات يؤدى لدهليز ينتهي لصحن مفروش بالرخام الملون مساحته 34.60متر يتوسطه قبة الفسقية وقد أجريت بها عمارة فى سنة 1088هـ 1677 م
نظام التدريس: قرر السلطان حسن لكل مذهب من المذاهب الأربعة شيخا ومائة طالب, في كل فرقة خمسة وعشرون متقدمون, وثلاثة معيدون, وحدد لكل منهم راتبا حسب وظيفته, وعين مدرسا لتفسير القرآن, وعين معه ثلاثين طالبا, عهد إلى بعضهم أن يقوموا بعمل الملاحظة, وعين مدرسا للحديث النبوي, وخصص له راتبا قدره300 درهم, وهو ما يساوي6000 جنيه مصري الآن ورتب له قارئا للحديث.
وعين بإيوان مدرسة الشافعية شيخا مفتيا, ورتب معه قارئا, يحضر أربعة أيام من كل أسبوع, منها يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة, ويقرأ القارئ ما تيسر من القرآن والحديث النبوي, كما عين مدرسا حافظا لكتاب الله عالما بالقراءات السبع, يجلس كل يوم ما بين صلاة الصبح والزوال بإيوان الشافعية, وجعل معه قارئا يحفظ من يحضر عنده من الناس.
ولضمان انتظام العمل بالمدرسة عين السلطان حسن اثنين لمراقبة الحضور والغياب, أحدهم بالليل والآخر بالنهار, وأعد مكتبة وعين لها أمينا, وألحق بالمدرسة مكتبين لتعليم الأيتام القرآن والخط, وقرر لهم الكسوة والطعام; فكان إذا أتم اليتيم القرآن حفظا يعطى50 درهما, وهو ما يساوي1000 جنيه مصري الآن ويمنح مؤدبه مثلها مكافأة له والمسجد به أكثر من270 غرفة كان الطلاب يسكنون بها.
وعين السلطان طبيبين: أحدهما باطني والآخر للعيون, يحضر كل منهما كل يوم بالمسجد لعلاج من يحتاج من الموظفين والطلبة.
وقد احتفل السلطان حسن بافتتاح مدرسته قبل إجراء باقي الأعمال التكميلية, وصلى بها الجمعة, وأنعم على البنائين والمهندسين, وقد ظل اسم المهندس الفنان الذي أبدع هذا العمل مجهولا قرونا طويلة حتى كشف عنه الأستاذ' حسن عبد الوهاب', وتوصل إليه وهو' محمد بن بيليك المحسني' من خلال الكتابة الجصية الموجودة في المدرسة الحنفية.
ونعود لقول الدكتور على جمعة وهو يحكى أن شيخه الذي حفظ القرآن على يديه بالمسجد أخبره بغريبة من الغرائب التي أخبرني أنها لم يحل لغزها الى اليوم, وهو أن الحجارة التي بأعلى الباب الموصل الى رواق الحنفية فيه تشابك من الوجه ومن الأسفل بحيث يستحيل أن يتم ذلك عمليا, وأخبرني أن العلامة كريزول قد حاول فك هذا اللغز وأنه كسر جزءا من الحجر للتأكد من أن هذا ليس من قبيل الألوان او التركيب ولكنه لم يصل الى شيء وما زال الكسر موجودا في الرواق الآخر, وهذا التعشيق لا يوجد إلا في رواقين فقط, ولقد سألت مجموعة من أساتذة الآثار والفنانين والصناع فلم يتوصل أحد الى حقيقة هذا الوضع الغريب, وأرجو من عنده علم في ذلك أن يخبرني به فهو دال على كل حال على إبداع الفنان المسلم في الحضارة الإنسانية.
والمسجد فيه مجموعه تحفة نادرة في العمارة الإسلامية لكثرة ما فيه من دلايات منحوتة في الحجر . يصف العلامة "فاييت" المسجد قائلاً: "انه أبدع أثار القاهرة وأكثرها تجانساً وتماسكاً وكمالاً ووحدة وأجدرها إن يقوم بجانب تلك الآثار الرائعة التي خلفتها مدينة الفراعنة".
يسار المحراب بالقبة الضريح المدفون به ابن السلطان حسن "الشهاب أحمد أو سيدى أحمد "المتوفى فى 14 جمادى الاخر سنة 788هـ 1389م وسيدى إسماعيل المنوفى سنة 799هـ 1396م ... يعلو الضريح قبة عالية تحفها المقرنسات –نقوش بارزة تشبه خلايا النحل توحي للناظر بالارتفاع، يكسو جدران الضريح الرخام الفاخر، وبه مكتبتان كانتا تضمان أمهات كتب المذاهب الأربعة، وبه أيضًا حامل للمصحف الشريف مصنوع من خشب الصندل، ومكسو بالصدف.
وبذلك بدت مدرسة ومسجد "السلطان حسن" أضخم وأعلى وأفخم المباني الأثرية بالقاهرة وأجمعها لمحاسن العمارة. وقد قال عنها الأستاذ "جاستون فييت" –المدير السابق للمتحف الإسلامي بالقاهرة-: "إنه لأبدع آثار القاهرة وأكثرها تجانسا وتماسكًا وكمالا، وأجدرها بأن يقوم بجانب تلك الآثار المدهشة التي خلفتها مدينة الفراعنة".
من الجدير بالذكر أن المسجد تم ترميمه وإصلاحه من قبل لجنة حفظ الآثار المصرية عام 1915م.
ولوقوع المدرسة أمام قلعة الجبل فقد كان المماليك يتخذونها حصناً يصعدون اليها ويضربون القلعة عند حدوث فتنة مما أضطر الملك الظاهر برقوق لسد الباب الكبير سنة 793 هـ 1391 م إلى أن أعيد فتحه سنة 825هـ 1422م
والآن أدعو الجميع لزيارة هذا الصرح العملاق وياليت وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة ووزارة السياحة تتكاتف لجعل هذا المسجد الجامع وغيره فى أبهى صوره وأن يجد الزوار من المصريين نفس الاهتمام الذي يلقاه الزوار الأجانب فنحن أحوج بأن نتعرف على تاريخنا .
المصادر :
نشرات وزارة الثقافة المصرية
بدائع الزهور فى وقائع الأمور لأبن أياس الجزء الثانى
جامع السلطان حسن وما حوله للأستاذ/ حسن عبد الوهاب مارس 1962
معلومات من المرشدين السياحيين
مشاهدات شخصية