جورج جريس فرح
15-09-2006, 08:37 AM
تقام يوم الثلاثاء 19/9/2006 الساعة الخامسة مساء في مركز تراث البادية في عسفيا - فلسطين 48 ندوة حول ديواني "همسات في العاصفة" الصادر مؤخرًا، وسيتحدث عن الكتاب الدكتور بطرس دلة الذي تفضل مشكورًا بإبداء انطباعاته الأولية ضمن رسالته الشخصية التالية التي أتشرف بإطلاعكم على مضمونها بعد استئذانه:حضرة الأستاذ الشاعر
جورج جريس فرح المحترم
تحية عطرة،
منذ استلامي ديوانك "همسات في العاصفة" وأنا أقرأ كل يوم بعض القصائد، أراجعها أكثر من مرّة، متمعنًا بلغتك الجميلة على بساطتها وشفافيتها، وعلى محافظتك على دقة قواعد اللغة والأوزان العروضية. فأنت تنتقل من الشعر الحديث إلى الشعر العمودي الكلاسيكي، شاعرًا مطبوعًا في هذين اللونين من الشعر، فتثبت في كل قصيدة أنك إنسان واسع الاطلاع، صاحب مبدأ وإيمان راسخ في قِيَمٍ لا تحيد عنها في جميع الظروف. والأهم من كل ذلك، هو كونك إنسانًا متجذّرًا في أرض الوطن، كما يتجذّر الزيتون في الصخور، بحيث لا يستطيع باغٍ اقتلاعك منها. فأنت توأم الأرض والطبيعة ، لا تحتقرها، بل يزداد احترامك لها يومًا بعد يوم.
وطالما أنت مجنون زيتونك وكرمك، إذن أنت تستكفي بالنـزر اليسير، تمامًا كما يفعل المتصوّفون. كما أن ذلك يمنحك شعورًا حقيقيًا بالانتماء إلى هوية شمولية. فأنت أيها الصديق، نصير الأشقياء، وحليف كل معذّب في الأرض . حرٌّ لا ترضى أن تقيَّدَ حريتك، لا تقبل الذلّ ولا الهوان، تحب كلَّ الناس وتفرش دروبهم بالياسمين.
وفوق ذلك، فأنت تكتب الأسطورة التي لم يسبقك إليها أحد، مثل قصيدة "نسر أم حمامة"، والتي فيها تبحث عن "بِيضُ الحمائم" والسلام المفقود، وهذه دعوة إنسانية عالمية كلاسيكية، لأنها تصلح لكل زمان ولكل مكان.
وفي قصيدتك "هناك عند المنعطف" تبدو إنسانًا مرهف الحزن على صديق انقطع معه التواصل، ثم لم تعد قادرًا على رؤيته لأنه أصبح في رحمة الله...فأنت حزين، وحزنك يا عزيزي عبقري!
أما حديثك عن "هنّ" ففي تصويرك صدق، وفيه الكثير من التسامح وخفة الظل... أذكر شيخًا جليلاً صديقًا لوالدي، كان يقول: "من لا يطيع زوجته ليس رجلاً!" سألته ذات مرّة: وكيف ذلك: أجاب: لأنه لو كانت لديه ثقة بنفسه لما رفض لها طلبًا.. يوافقها علنًا، ويخالفها فيما بعد...! تمشيًا مع الحكمة القائلة: شاوروهنَّ وخالفوهنّ!
أما حبّك الجديد ففيه كثير من المنطق لولا أنك تقف في موقف رثاء الذات التي مرّت عليها السنون، بحيث تكسوك أتربة الزمان، ويقفر المكان من الحب الذي هو شعلة الحياة وبدونها لا نستطيع العيش! ثم إن الإنسان، إذا ما تقدّمت به السن، واهتدى إلى حب جديد، أضاع رشده، كما قال شوقي في مسرحية كليوبترا: وما كهوى الشيوخِ إذا أحبّوا!
مع ذلك فقد يصبح الإنسان أبًا بعد الثامنة عشرة أو العشرين... فهل يدفن قلبه وحبه ويمنعهما عن رؤية الجمال؟
ثم تعود يا عزيزي إلى قصيدة "إذا كان اللقاء" فتنقض حبك الجديد لتـزدان بحب "لم يـزُر من قبل قلبًا آدميّا" فما هذا التناقض؟!! كذلك في القصائد التي تليها.
إذن، هل محبة الأبناء تمنع القلب الكبير عن الحب الحقيقي للجنس الآخر؟!
كيف تفسّر إذن أنك "نسيت صلاتك وصومك" بقرب الكنيسة؟!
ومعظم القصائد الأخيرة في الديوان هي وجدانيات وغـزليات لمن تحب. فيها بوح عفوي صريح وجميل.
جميلة هي شروط حبيبتك تلك التي تريد أن تصل الليل بالنهار حبًا ووصلاً. فلماذا تثمل من غير خمرة؟!
قالت لي إحدى صديقاتي، وهي الشاعرة المقدسية أنيسة درويش: "
إن كنتُ أعني للرجالِ نبيذَهُم هيهاتِ يصحو مَن تذوَّقَ كاسي!
فاشرب نبيذها أولاً، وعاقر خمرتها، واثمل بعد ذاك على هواك.
وأخيرًا، أنت ما زلت تعيش في حيرة لمن تهدي قلبك (قصيدة: لمن أهديك). أعتقد أن الأيام تداهمك، كما يقول عمر الخيام، غناء أم كلثوم:
سمعتُ صوتًا هاتفًا في السحرِ نادى منَ الحانِ غُفاةَ البشرِ
هبّوا املأوا كأسَ الطلى قبل أن تفعم كاسَ العمرِ كفُّ القدَرِ...!
الله ما أروع هذه الدعوة، فلا تتردّد، لأن كف القدر تسبقنا!
بعد مراجعة الديوان للمرة الثالثة، أيقنتُ أني أطالع شعرًا حقيقيًا، يخاطب شغاف القلوب، فيه عذوبة وبساطة، خالٍ من التعقيد والإبهام، يحيلُ إلى شعر الحداثة، ويعود مُمسِكًا ببحور الخليل بن أحمد. وكما تعرف، فإن شعر الحداثة يميل إلى الإبهام وتغطية المعاني بالكلمات التي تحمل أكثر من تأويل واحد.
هذه ملاحظات عابرة استقيتها من مراجعة "همسات في العاصفة"... لكني وجدت الهمسات ولم أجد العاصفة!
هنيئًا لك ما أبدعتَ وما جدَّدتَ، وليبقَ يراعك مشعل نورٍ وإبداعُك مَعينًا لا ينضب، واسلم شاعرًا مرهفًا معطاءً، طويلَ الأناة، طويل العُمر..!
باحترام
د. بطرس دلة
كفر ياسيف، 9/9/2006
جورج جريس فرح المحترم
تحية عطرة،
منذ استلامي ديوانك "همسات في العاصفة" وأنا أقرأ كل يوم بعض القصائد، أراجعها أكثر من مرّة، متمعنًا بلغتك الجميلة على بساطتها وشفافيتها، وعلى محافظتك على دقة قواعد اللغة والأوزان العروضية. فأنت تنتقل من الشعر الحديث إلى الشعر العمودي الكلاسيكي، شاعرًا مطبوعًا في هذين اللونين من الشعر، فتثبت في كل قصيدة أنك إنسان واسع الاطلاع، صاحب مبدأ وإيمان راسخ في قِيَمٍ لا تحيد عنها في جميع الظروف. والأهم من كل ذلك، هو كونك إنسانًا متجذّرًا في أرض الوطن، كما يتجذّر الزيتون في الصخور، بحيث لا يستطيع باغٍ اقتلاعك منها. فأنت توأم الأرض والطبيعة ، لا تحتقرها، بل يزداد احترامك لها يومًا بعد يوم.
وطالما أنت مجنون زيتونك وكرمك، إذن أنت تستكفي بالنـزر اليسير، تمامًا كما يفعل المتصوّفون. كما أن ذلك يمنحك شعورًا حقيقيًا بالانتماء إلى هوية شمولية. فأنت أيها الصديق، نصير الأشقياء، وحليف كل معذّب في الأرض . حرٌّ لا ترضى أن تقيَّدَ حريتك، لا تقبل الذلّ ولا الهوان، تحب كلَّ الناس وتفرش دروبهم بالياسمين.
وفوق ذلك، فأنت تكتب الأسطورة التي لم يسبقك إليها أحد، مثل قصيدة "نسر أم حمامة"، والتي فيها تبحث عن "بِيضُ الحمائم" والسلام المفقود، وهذه دعوة إنسانية عالمية كلاسيكية، لأنها تصلح لكل زمان ولكل مكان.
وفي قصيدتك "هناك عند المنعطف" تبدو إنسانًا مرهف الحزن على صديق انقطع معه التواصل، ثم لم تعد قادرًا على رؤيته لأنه أصبح في رحمة الله...فأنت حزين، وحزنك يا عزيزي عبقري!
أما حديثك عن "هنّ" ففي تصويرك صدق، وفيه الكثير من التسامح وخفة الظل... أذكر شيخًا جليلاً صديقًا لوالدي، كان يقول: "من لا يطيع زوجته ليس رجلاً!" سألته ذات مرّة: وكيف ذلك: أجاب: لأنه لو كانت لديه ثقة بنفسه لما رفض لها طلبًا.. يوافقها علنًا، ويخالفها فيما بعد...! تمشيًا مع الحكمة القائلة: شاوروهنَّ وخالفوهنّ!
أما حبّك الجديد ففيه كثير من المنطق لولا أنك تقف في موقف رثاء الذات التي مرّت عليها السنون، بحيث تكسوك أتربة الزمان، ويقفر المكان من الحب الذي هو شعلة الحياة وبدونها لا نستطيع العيش! ثم إن الإنسان، إذا ما تقدّمت به السن، واهتدى إلى حب جديد، أضاع رشده، كما قال شوقي في مسرحية كليوبترا: وما كهوى الشيوخِ إذا أحبّوا!
مع ذلك فقد يصبح الإنسان أبًا بعد الثامنة عشرة أو العشرين... فهل يدفن قلبه وحبه ويمنعهما عن رؤية الجمال؟
ثم تعود يا عزيزي إلى قصيدة "إذا كان اللقاء" فتنقض حبك الجديد لتـزدان بحب "لم يـزُر من قبل قلبًا آدميّا" فما هذا التناقض؟!! كذلك في القصائد التي تليها.
إذن، هل محبة الأبناء تمنع القلب الكبير عن الحب الحقيقي للجنس الآخر؟!
كيف تفسّر إذن أنك "نسيت صلاتك وصومك" بقرب الكنيسة؟!
ومعظم القصائد الأخيرة في الديوان هي وجدانيات وغـزليات لمن تحب. فيها بوح عفوي صريح وجميل.
جميلة هي شروط حبيبتك تلك التي تريد أن تصل الليل بالنهار حبًا ووصلاً. فلماذا تثمل من غير خمرة؟!
قالت لي إحدى صديقاتي، وهي الشاعرة المقدسية أنيسة درويش: "
إن كنتُ أعني للرجالِ نبيذَهُم هيهاتِ يصحو مَن تذوَّقَ كاسي!
فاشرب نبيذها أولاً، وعاقر خمرتها، واثمل بعد ذاك على هواك.
وأخيرًا، أنت ما زلت تعيش في حيرة لمن تهدي قلبك (قصيدة: لمن أهديك). أعتقد أن الأيام تداهمك، كما يقول عمر الخيام، غناء أم كلثوم:
سمعتُ صوتًا هاتفًا في السحرِ نادى منَ الحانِ غُفاةَ البشرِ
هبّوا املأوا كأسَ الطلى قبل أن تفعم كاسَ العمرِ كفُّ القدَرِ...!
الله ما أروع هذه الدعوة، فلا تتردّد، لأن كف القدر تسبقنا!
بعد مراجعة الديوان للمرة الثالثة، أيقنتُ أني أطالع شعرًا حقيقيًا، يخاطب شغاف القلوب، فيه عذوبة وبساطة، خالٍ من التعقيد والإبهام، يحيلُ إلى شعر الحداثة، ويعود مُمسِكًا ببحور الخليل بن أحمد. وكما تعرف، فإن شعر الحداثة يميل إلى الإبهام وتغطية المعاني بالكلمات التي تحمل أكثر من تأويل واحد.
هذه ملاحظات عابرة استقيتها من مراجعة "همسات في العاصفة"... لكني وجدت الهمسات ولم أجد العاصفة!
هنيئًا لك ما أبدعتَ وما جدَّدتَ، وليبقَ يراعك مشعل نورٍ وإبداعُك مَعينًا لا ينضب، واسلم شاعرًا مرهفًا معطاءً، طويلَ الأناة، طويل العُمر..!
باحترام
د. بطرس دلة
كفر ياسيف، 9/9/2006