ابن مصر
30-08-2002, 11:44 AM
"بنت الشاطئ" تقول:
المرأة المتفرِّغة للأُمومة ليست بلا عمل!
علي محمد الغريب
"إنّا لله وإنَّا إليه راجعون" .. بهذه الآية الكريمة مهّرت صدر الطبعة الثانية من تحقيقها الرائع "في علوم الحديث ومصطلحه" كإهداء إلى أحبَّتها الذين رحلوا عن الدُّنيا.
نشأت في بيت علم ودين، ووالدها من علماء الأزهر الشريف الأجلاء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد كان لهذه التنشئة الصالحة أثرٌ بالغٌ في مسار حياة "بنت الشاطئ" فيما بعد، حيث دأبت منذ صغرها على التحصيل العلمي المتواصل، وجهادها من أجل خدمة دينها.
وُلدت عائشة بنت محمّد علي عبدالرحمن الملقّبة بـ "بنت الشاطئ" في السادس من نوفمبر عام 1913م بمحافظة دمياط بدلتا مصر. حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929م، والليسانس في اللغة العربية عام 1939م، ثم الماجستير عام 1941م، وحصلت على الدكتوراه عام 1950م، تدرّجت في المناصب الجامعية من معيدة بقسم اللغة العربية في آداب القاهرة حتى أصبحت أستاذة للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة في جامعة القرويين بالمغرب. حصلت على عدة جوائز وأوسمة، أهمّها: جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام لعام 1994م، كما نالت جائزة الدولة التقديرية مِنْ مصر، وجائزة التقدُّم العلمي من الكويت، إضافة إلى وسام رفيع من المغرب.
زواجها
تزوّجت بنت الشاطئ عندما كانت في عامها الثاني من دراستها الجامعية بأستاذها الشيخ "أمين الخولي"، وانتهجت نهجه فعمدت إلى البحث في ميدان الدراسات اللغوية القرآنية، وممَّا قاله الشيخ الخولي عن زوجته بنت الشاطئ :"إنّها تستطيع أن تكتب وتأتي بجديد من كل قديم تمرُّ عينها عليه". وعندما رحل الخولي ـ رحمه الله ـ أخذت على عاتقها مهمّة التفسير البياني للقرآن الكريم، وقالت عنه في كتابها "الجسر بين الموت والحياة": "إلى أن يحين الأجل سأبقى محكوماً عليّ بهذه الوقفة بين حياة وموت أنتظر دوري في اجتياز الشوط الباقي في إثر الراحل المتيَّم. عليك سلام الله.. إن تكن عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر".
ثمّ حملت بنت الشاطئ لواء الدفاع عن الدين وعلومه لأكثر من نصف قرن حتى أصبحت لا يستغني عن علمها أحد من أقرانها، بالإضافة إلى من هم دونها.
كما قدّمت للمكتبة الإسلامية أكثر من أربعين كتاباً، منها: نساء في بيت النبي، من الإعجاز البياني في القرآن الكريم، لغتنا والحياة، تراثنا بين الماضي والحاضر، الخنساء الشاعرة العربية الأولى، الإسرائيليات في الغزو الفكري، أرض المعجزات ولقاء مع التاريخ (وهو رحلة في جزيرة العرب). كما جمعت "الأهرام" مقالاتها حتى بداية التسعينيات في ستّة مجلّدات.
وكانت الراحلة مدرسة خرّجت صفوة من الناجحين الذين وجَّهتهم وأشرفت على أبحاثهم ورسائلهم الجامعية، وكان من نهجها العلمي إقرارها البيان القرآني أصلاً للدرس البلاغي، والدلالات القرآنية أصلاً للدرس اللغوي.
المرأة عندها
وصفها الكاتب الصحفي "محمَّد حسنين هيكل" بأنّها الوجه الإسلامي لمصر، وكان ذلك في المقالات المطوّلة التي كتبها هيكل للتعريف بدار الأهرام الجديدة، بعد أن انتقلت إليها الجريدة في أواسط الستينيات، فحين خصّص هيكل إحدى هذه المقالات للتعريف برجالات الأدب والفكر في مصر، وصف "لويس عوض" بأنّه الوجه الفرعوني لمصر، فيما وصف بنت الشاطئ بأنَّها الوجه الإسلامي، وأيَّاً كان المقصود بهذا التوصيف فقد استطاعت بنت الشاطئ أن تؤكد أنَّ مصر صاحبة وجه إسلامي أصيل، وذلك من خلال بيانها المشرق وفكرها الملتزم.
كما كانت تتألم كثيراً لوصف الإسلام بالعنف وهضم حقوق المرأة من قبل أعدائه وأبنائه معاً، فكانت تقول: "تشغلني قضايا، أهمّها: تلبُّس الإسلام بالعنف والإجرام، واستمرار اللغو في قضايا المرأة وموضعها في الإسلام. وعن نفسي طوَّفت في الآفاق لأسال عمَّا أعطاني الإسلام، وتأكدتُ أنّ الإسلام أعطاني ما لو ظللتُ أكدح إليه العمر كلّه ما بلغته، وأحتاج لإعادة النظر في قضية المرأة والإسلام، وأخشى أن تكون الحركة النسائية المعاصرة أوقعت النساء في خصومة مع الرجل، مع أنّ ما بيننا وبينهم ليس تنافساً أو سباقاً، لكننا رفاق رحلة عمر لا نستغني عنهم ولا يستغنون عنّا، ومن غير المتصوّر أن تقوم الحياة على الرجل وحده؛ لأنّ هذا ضد الفطرة والدين، إضافة إلى أن تأثير المرأة أخطر بجانب الرجل الذي تحمله جنيناً وترعاه رضيعاً وصبياً، فهل ممكن أن نقول إن نصف رئة المجتمع معطّلة؟ وهل تكون المرأة بلا عمل لو تفرّغت للأمومة؟".
معاركها!
كذلك كان للفقيدة ـ رحمها الله ـ معارك مع الإسرائيليات في التفسير وفي حياتنا الفكرية، وعن ذلك يقول الدكتور "عدنان زرزور": "ولسوف يُذكر للدكتورة عائشة عبدالرحمن أنَّها قاومت أثر الإسرائيليات في التفسير، وفي حياتنا الفكرية المعاصرة، وأنّها تنبّهت للكثير من أغلاط المستشرقين ثمَّ قامت بمقاومتها، والتنبيه إليها، وما أزال أذكر المقدّمة التي صدرت بها الترجمة العربية لكتاب المستعرب الروسي الأستاذ "اغناطيوس كراتشكوفسكي": "الأدب الجغرافي عند العرب" وهو كتاب موسوعي قامت بترجمته الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ثمَّ طلبت من الدكتورة أن تكتب له مقدِّمة فذكرت مزايا الكتاب وطرفاً من حسنات الاستشراق، ثمّ أكّدت البلبلة في دراسات المستشرقين أو الأخطاء الشنيعة التي تُصيب هذه الدراسات وتقصر بها عن الوصول إلى وجه الحقِّ والصواب، كعدم تسليمهم بنبوة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولطالما أبدت عجبها من جرأة "جولد تسيهر" في البهتان تعقيباً على سمومه التي بثَّها في كتابه "تاريخ العقيدة والشريعة في الإسلام" قبل أن تتولّى الردّ عليه بحقائق المنطق ووقائع التاريخ وعشرات النصوص من القرآن الكريم، وحين تحدّثت في بعض كتبها عن "مبادئ الإسلام العليا في التسامح واحترام عقائد الآخرين وحسن الجوار" قالت :" لقد بلغ من قوّة الواقع التاريخي لهذه المبادئ أن فرض الإقرار به على اليهوي المجري" جولد تسيهر" المعروف بحقده الأسود وتعصّبه الأعمى، فكتب شهادته قائلاً : "لا يمكن إنكار أن الأوامر التي وضعت للمسلمين الفاتحين إزاء أهل الكتاب الخاضعين لهم، كانت قائمة على روح التسامح وعدم التعصُّب".
على الجسر
وسجّلت بنت الشاطئ جزءاً من مذكِّراتها في كتابها "على الجسر" الذي ضمّنته قصّة حياتها وعلاقتها بزوجها الراحل حتى نهاية الستينات، لكنّها توقّفت عندما مات ابنها الأكبر "أكمَل" وتوفيت ابنتها "أمينة" في أعقاب عملية جراحية، وهاجرت ابنتها الثالثة مع زوجها، الأمر الذي جعل هذه الأستاذة الجليلة تعاني الوحدة، والجحود، سواء على المستوى العلمي أو على المستوي الإنساني، وفي هذا يقول الدكتور "محمّد سليم العوا": "عانت بنت الشاطئ بين قومها من جحود علمي لم تذكره بحرف لأحد، ولكن أحسّ به وتألَّم له تلامذتها وأهل الوفاء من المتابعين لمسيرتها العلمية والفكرية، ولم تعش بنت الشاطئ على هذا الجحود العلمي وحده، وإنَّما عاشت جحوداً إنسانياً أقسى منه وأشد، ورأت من نكران الجميل حيث توقعت العرفان، ومن فقدان الوفاء حيث انتظرته، ما تخرّ له الجبال الرواسي، ولكنّها كانت تستصغر الدُّنيا، فلم تبك على شيء منها قط، وإنّما بكت على فقد الأحبة، ولا سيما إبنتها "أمينة" وابنها "أكمَل"، رحمهما الله ورحمها. وأشهد عن قرب منها يزيد على ثلاثين عاماً أنّها كانت من كبريات الزاهدات في الدُّنيا كلَّها، مالاً وجاهاً، ومظهراً ومطعماً وملبساً، وكان زهدها ممارسة عملية، لا عبارات تطلقها تجذب انتباه السامعين، ويكذِّبها العمل".
وفي يوم 12 شعبان 1419هـ أسلمت بنت الشاطئ الروح لبارئها بعد كفاح في مختلف ميادين الدعوة استهلك حياتها، فقد كانت صاحبة رسالة، علمت حقيقة الدُّنيا، وأنّها على ثغرة من ثغور الأمة، فنشهد لها أنَّها بذلت بسخاء، وفاقت في ذلك الكثير من رجال جيلها، لتؤكد أنَّ الرجولة صفة وسلوك، فقد كانت فارسة ـ في زمن عزَّ فيه الفرسان ـ من فارسات الذود عن حياض الدين، وأمّاً عظيمة قدّمت للحياة العلمية والعملية الكثير.
بنت الشاطئ .. أَمَا وقد عبرتِ إلى شاطئ الحياة الأخرى.. فهذا دورنا لنقول لك كما قلتِ من قبل: "عليك سلام الله. إن تكوني عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر".
منقول من لها اون لاين
المرأة المتفرِّغة للأُمومة ليست بلا عمل!
علي محمد الغريب
"إنّا لله وإنَّا إليه راجعون" .. بهذه الآية الكريمة مهّرت صدر الطبعة الثانية من تحقيقها الرائع "في علوم الحديث ومصطلحه" كإهداء إلى أحبَّتها الذين رحلوا عن الدُّنيا.
نشأت في بيت علم ودين، ووالدها من علماء الأزهر الشريف الأجلاء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد كان لهذه التنشئة الصالحة أثرٌ بالغٌ في مسار حياة "بنت الشاطئ" فيما بعد، حيث دأبت منذ صغرها على التحصيل العلمي المتواصل، وجهادها من أجل خدمة دينها.
وُلدت عائشة بنت محمّد علي عبدالرحمن الملقّبة بـ "بنت الشاطئ" في السادس من نوفمبر عام 1913م بمحافظة دمياط بدلتا مصر. حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929م، والليسانس في اللغة العربية عام 1939م، ثم الماجستير عام 1941م، وحصلت على الدكتوراه عام 1950م، تدرّجت في المناصب الجامعية من معيدة بقسم اللغة العربية في آداب القاهرة حتى أصبحت أستاذة للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة في جامعة القرويين بالمغرب. حصلت على عدة جوائز وأوسمة، أهمّها: جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام لعام 1994م، كما نالت جائزة الدولة التقديرية مِنْ مصر، وجائزة التقدُّم العلمي من الكويت، إضافة إلى وسام رفيع من المغرب.
زواجها
تزوّجت بنت الشاطئ عندما كانت في عامها الثاني من دراستها الجامعية بأستاذها الشيخ "أمين الخولي"، وانتهجت نهجه فعمدت إلى البحث في ميدان الدراسات اللغوية القرآنية، وممَّا قاله الشيخ الخولي عن زوجته بنت الشاطئ :"إنّها تستطيع أن تكتب وتأتي بجديد من كل قديم تمرُّ عينها عليه". وعندما رحل الخولي ـ رحمه الله ـ أخذت على عاتقها مهمّة التفسير البياني للقرآن الكريم، وقالت عنه في كتابها "الجسر بين الموت والحياة": "إلى أن يحين الأجل سأبقى محكوماً عليّ بهذه الوقفة بين حياة وموت أنتظر دوري في اجتياز الشوط الباقي في إثر الراحل المتيَّم. عليك سلام الله.. إن تكن عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر".
ثمّ حملت بنت الشاطئ لواء الدفاع عن الدين وعلومه لأكثر من نصف قرن حتى أصبحت لا يستغني عن علمها أحد من أقرانها، بالإضافة إلى من هم دونها.
كما قدّمت للمكتبة الإسلامية أكثر من أربعين كتاباً، منها: نساء في بيت النبي، من الإعجاز البياني في القرآن الكريم، لغتنا والحياة، تراثنا بين الماضي والحاضر، الخنساء الشاعرة العربية الأولى، الإسرائيليات في الغزو الفكري، أرض المعجزات ولقاء مع التاريخ (وهو رحلة في جزيرة العرب). كما جمعت "الأهرام" مقالاتها حتى بداية التسعينيات في ستّة مجلّدات.
وكانت الراحلة مدرسة خرّجت صفوة من الناجحين الذين وجَّهتهم وأشرفت على أبحاثهم ورسائلهم الجامعية، وكان من نهجها العلمي إقرارها البيان القرآني أصلاً للدرس البلاغي، والدلالات القرآنية أصلاً للدرس اللغوي.
المرأة عندها
وصفها الكاتب الصحفي "محمَّد حسنين هيكل" بأنّها الوجه الإسلامي لمصر، وكان ذلك في المقالات المطوّلة التي كتبها هيكل للتعريف بدار الأهرام الجديدة، بعد أن انتقلت إليها الجريدة في أواسط الستينيات، فحين خصّص هيكل إحدى هذه المقالات للتعريف برجالات الأدب والفكر في مصر، وصف "لويس عوض" بأنّه الوجه الفرعوني لمصر، فيما وصف بنت الشاطئ بأنَّها الوجه الإسلامي، وأيَّاً كان المقصود بهذا التوصيف فقد استطاعت بنت الشاطئ أن تؤكد أنَّ مصر صاحبة وجه إسلامي أصيل، وذلك من خلال بيانها المشرق وفكرها الملتزم.
كما كانت تتألم كثيراً لوصف الإسلام بالعنف وهضم حقوق المرأة من قبل أعدائه وأبنائه معاً، فكانت تقول: "تشغلني قضايا، أهمّها: تلبُّس الإسلام بالعنف والإجرام، واستمرار اللغو في قضايا المرأة وموضعها في الإسلام. وعن نفسي طوَّفت في الآفاق لأسال عمَّا أعطاني الإسلام، وتأكدتُ أنّ الإسلام أعطاني ما لو ظللتُ أكدح إليه العمر كلّه ما بلغته، وأحتاج لإعادة النظر في قضية المرأة والإسلام، وأخشى أن تكون الحركة النسائية المعاصرة أوقعت النساء في خصومة مع الرجل، مع أنّ ما بيننا وبينهم ليس تنافساً أو سباقاً، لكننا رفاق رحلة عمر لا نستغني عنهم ولا يستغنون عنّا، ومن غير المتصوّر أن تقوم الحياة على الرجل وحده؛ لأنّ هذا ضد الفطرة والدين، إضافة إلى أن تأثير المرأة أخطر بجانب الرجل الذي تحمله جنيناً وترعاه رضيعاً وصبياً، فهل ممكن أن نقول إن نصف رئة المجتمع معطّلة؟ وهل تكون المرأة بلا عمل لو تفرّغت للأمومة؟".
معاركها!
كذلك كان للفقيدة ـ رحمها الله ـ معارك مع الإسرائيليات في التفسير وفي حياتنا الفكرية، وعن ذلك يقول الدكتور "عدنان زرزور": "ولسوف يُذكر للدكتورة عائشة عبدالرحمن أنَّها قاومت أثر الإسرائيليات في التفسير، وفي حياتنا الفكرية المعاصرة، وأنّها تنبّهت للكثير من أغلاط المستشرقين ثمَّ قامت بمقاومتها، والتنبيه إليها، وما أزال أذكر المقدّمة التي صدرت بها الترجمة العربية لكتاب المستعرب الروسي الأستاذ "اغناطيوس كراتشكوفسكي": "الأدب الجغرافي عند العرب" وهو كتاب موسوعي قامت بترجمته الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، ثمَّ طلبت من الدكتورة أن تكتب له مقدِّمة فذكرت مزايا الكتاب وطرفاً من حسنات الاستشراق، ثمّ أكّدت البلبلة في دراسات المستشرقين أو الأخطاء الشنيعة التي تُصيب هذه الدراسات وتقصر بها عن الوصول إلى وجه الحقِّ والصواب، كعدم تسليمهم بنبوة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولطالما أبدت عجبها من جرأة "جولد تسيهر" في البهتان تعقيباً على سمومه التي بثَّها في كتابه "تاريخ العقيدة والشريعة في الإسلام" قبل أن تتولّى الردّ عليه بحقائق المنطق ووقائع التاريخ وعشرات النصوص من القرآن الكريم، وحين تحدّثت في بعض كتبها عن "مبادئ الإسلام العليا في التسامح واحترام عقائد الآخرين وحسن الجوار" قالت :" لقد بلغ من قوّة الواقع التاريخي لهذه المبادئ أن فرض الإقرار به على اليهوي المجري" جولد تسيهر" المعروف بحقده الأسود وتعصّبه الأعمى، فكتب شهادته قائلاً : "لا يمكن إنكار أن الأوامر التي وضعت للمسلمين الفاتحين إزاء أهل الكتاب الخاضعين لهم، كانت قائمة على روح التسامح وعدم التعصُّب".
على الجسر
وسجّلت بنت الشاطئ جزءاً من مذكِّراتها في كتابها "على الجسر" الذي ضمّنته قصّة حياتها وعلاقتها بزوجها الراحل حتى نهاية الستينات، لكنّها توقّفت عندما مات ابنها الأكبر "أكمَل" وتوفيت ابنتها "أمينة" في أعقاب عملية جراحية، وهاجرت ابنتها الثالثة مع زوجها، الأمر الذي جعل هذه الأستاذة الجليلة تعاني الوحدة، والجحود، سواء على المستوى العلمي أو على المستوي الإنساني، وفي هذا يقول الدكتور "محمّد سليم العوا": "عانت بنت الشاطئ بين قومها من جحود علمي لم تذكره بحرف لأحد، ولكن أحسّ به وتألَّم له تلامذتها وأهل الوفاء من المتابعين لمسيرتها العلمية والفكرية، ولم تعش بنت الشاطئ على هذا الجحود العلمي وحده، وإنَّما عاشت جحوداً إنسانياً أقسى منه وأشد، ورأت من نكران الجميل حيث توقعت العرفان، ومن فقدان الوفاء حيث انتظرته، ما تخرّ له الجبال الرواسي، ولكنّها كانت تستصغر الدُّنيا، فلم تبك على شيء منها قط، وإنّما بكت على فقد الأحبة، ولا سيما إبنتها "أمينة" وابنها "أكمَل"، رحمهما الله ورحمها. وأشهد عن قرب منها يزيد على ثلاثين عاماً أنّها كانت من كبريات الزاهدات في الدُّنيا كلَّها، مالاً وجاهاً، ومظهراً ومطعماً وملبساً، وكان زهدها ممارسة عملية، لا عبارات تطلقها تجذب انتباه السامعين، ويكذِّبها العمل".
وفي يوم 12 شعبان 1419هـ أسلمت بنت الشاطئ الروح لبارئها بعد كفاح في مختلف ميادين الدعوة استهلك حياتها، فقد كانت صاحبة رسالة، علمت حقيقة الدُّنيا، وأنّها على ثغرة من ثغور الأمة، فنشهد لها أنَّها بذلت بسخاء، وفاقت في ذلك الكثير من رجال جيلها، لتؤكد أنَّ الرجولة صفة وسلوك، فقد كانت فارسة ـ في زمن عزَّ فيه الفرسان ـ من فارسات الذود عن حياض الدين، وأمّاً عظيمة قدّمت للحياة العلمية والعملية الكثير.
بنت الشاطئ .. أَمَا وقد عبرتِ إلى شاطئ الحياة الأخرى.. فهذا دورنا لنقول لك كما قلتِ من قبل: "عليك سلام الله. إن تكوني عبرت إلى الأخرى فنحن على الجسر".
منقول من لها اون لاين