إسلام شمس الدين
25-02-2003, 10:17 AM
مصر التي لا نحبها
( أقصوصات في حب مصر )
1
آه يا مصر . . لو تعلمين كم أحبك
2
- ( لماذا لا تحب مصر ؟ )
أفزعني سؤاله أكثر مما أفزعتني مفاجأة وجوده بمكتبي
كان السؤال أخطر من السكوت عليه ، أو حتى الاكتفاء بمجرد الإجابة . .
انتابتني ثورة عارمة ، فمجرد السؤال في حد ذاته خطيئة لا تُغتفر . .
- ماذا ؟ . .
هل تحدثني أنا عن حب مصر ؟
أنا ؟
أنا الذي يعتبرني الجميع رمزاً حياً للوطنية
أنا الذي يتعلم الجميع مني حب مصر
ماذا تعرف أنت عن حب مصر لتحدثني عنه ؟
هل تحب أنت مصر مثلما أحبها أنا ؟
هل لا تتنفس إلا عبقها ، لا ترى إلا صورتها ، لا تسمع إلا صوتها ، لا تردد إلا كلماتها ، لا تتغنى إلا باسمها ، لا يرويك إلا نيلها ، لا تعشق إلا ترابها
ماذا تعرف أنت عن العشق لمصر و اسمها و أرضها وترابها ونيلها و شمسها و ليلها و نسيمها و حتى ازدحامها و ضوضائها ؟. .
أنا أكثر من يعرف هذا . . أنا أكثر من يشعر بهذا
لم أكن أتصور أن يصل بأحد الجنون و الحماقة إلى الدرجة التي يتهمني أنا فيها بعدم الحب مصر
أو أن تصل به الجرأة إلى حد مواجهتي علناً بهذا الاتهام
و هل في كل هذه الدنيا من يحب مصر مثلي ؟
هل عرفت مصر قبلي من يحبها قدر حبي ؟
لقد أخطأت العنوان يا هذا . .
فلست أنا من تجرؤ على التشكيك في حبه لمصر . .
لست أنا من يمكنك التحدث معه عن حب مصر . .
فإذا كان هناك من له الحق في الحديث عن حب مصر . . فبالتأكيد أنا فقط من يملك هذا الحق
هل تعرف لماذا ؟
لأنني أنا مصر يا هذا . .
أنا الصورة التي تجسدت فيها روح مصر
عندما تريد أن تنظر إلى مصر . .
عندما تريد أن تراها بعينيك . .
فانظر إليّ . .
فأنا مصر . .
أنا مصر يا هذا . .
أنا مصر
قابل ثورتي و غضبي و كل انفعالاتي بابتسامة هادئة . .
أخرج من جيبه و رقة صغيرة وضعها أمامي . . ثم استدار خارجاً من المكتب بخطواتٍ واثقة .
قرأت الورقة . .
عناية السيد / ..........
تحية طيبة
نأسف لعدم توفر المنتجات التي طلبتموها بسبب وقف استيرادها مؤقتاً . .
ولعلمنا مسبقاً بعدم رغبة سيادتكم في شراء بديلاتها المصرية . .
فإننا نعتذر لعدم تمكننا من تلبية طلبكم في الوقت الحالي
و تفضلوا بقبول وافر التحية
مدير المبيعات
.................
3
طالعت الصحيفة سريعاً كعادتي . .
لم يعد فيها ما يثير الانتباه . . لقد بدأت منذ فترة أفقد رغبتي و حماسي في مطالعة الصحف ، حتى أنني بدأت أتعود مطالعتها في آخر النهار و ليس بمجرد استيقاظي صباحاً كما كنت دائماً .
فتحت صفحات السياسة الخارجية . .
الأخبار كلها يجمعها قاسم مشترك واحد و لا حديث إلا عن البلطجة الأمريكية العالمية ، بالإضافة إلى بعض الأخبار المتناثرة عن الصراعات في مناطق مختلفة من العالم . .
- أعتقد أنني قرأت هذه الأخبار أمس !
انتقلت إلى صفحات الشئون الداخلية . .
لا جديد في التصريحات الحكومية الوردية عن نجاحات الحكومة المتتالية و النهضة التي تمر بها مصر في ظل سياسة الحكومة الرشيدة . .
- نفس التصريحات أقرأها منذ ابتلاني الله في صغري بتلك العادة السيئة التي تجعلني أطالع الصحف كل يوم . .
الجديد في التصريحات فقط هو اختلاف الصياغة ، ويبدو أن الحكومة تضع خطة تطوير التصريحات على قائمة أولوياتها !.
استوقفني تصريح لوزير التربية و التعليم عن زيادة حجم ما ينفقه الشعب المصري مقابل الدروس الخصوصية إلى أربعة عشر مليار جنيهاً سنوياً .
في نفس الصفحة مقالٌ لأحد الخبراء الاقتصاديين عن خطورة تأثير الدروس الخصوصية و آثارها السلبية على الاقتصاد المصري . .
- دراسة موضوعية و وافية حقاً . . يجب أن أسجل إعجابي بهذا الكاتب .
واصلت مطالعة الصحيفة في ملل . .
- كم أرجو لو يخلصني الله من هذه العادة اللعينة .
استجاب الله لي في نفس اللحظة . .
قاطعني ابني الصغير فرحاً :
- أبي . . لقد تم تسجيل اسمي اليوم في لوحة الشرف المدرسية لإعجاب المدرس بموضوع التعبير الذي ساعدتني في كتابته عن حب مصر .
- مبروك . . و لكن يجب أن تعتاد كتابة موضوعاتك بنفسك .
- سأحاول يا أبي مسترشداً بأسلوب كتابتك الجميل .
تركني و غادر الغرفة بعد أن أثار في نفسي شيئاً من الإعجاب بذاتي . .
- هذا الولد يعرف دائماً كيف يرضي غروري لينال رضائي عنه . .
و لكنه لم يحد كثيراً عن الحقيقة . . فأنا بالفعل أملك أسلوباً رائعاً في الكتابة . .
لا أدري لماذا سجنت موهبتي داخل جدران الوظيفة ؟ . . ربما كنت اليوم كاتباً محترفاً .
استعدت تذكر تلك العبارات الرائعة و الألفاظ الرنانة التي استخدمتها في كتابة موضوعه عن حب مصر . .
بالفعل كان موضوعاً يستحق الإعجاب . .
و بالفعل مصر تستحق أن نبدع في وصف حبها . .
قاطع أفكاري مرة أخرى . .
- أبي لا تنسى أن تدفع اليوم للمدرس أجر الدروس الخصوصية ! !
4
لا أدري لماذا يحرص الجميع على تسجيلنا لأرقام هواتفهم إذا كنا كلما اتصلنا بهم وجدنا الهاتف مشغولاً ؟
أكثر من ساعة و أنا أحاول الاتصال به دون جدوى . .
لولا احتياجي له لما كررت المحاولة أكثر من مرة أو مرتين على الأكثر .
- أخيراً أنهيت مكالمتك
- أهلا أستاذنا و مفكرنا الكبير
- أحاول الاتصال بك منذ أكثر من ساعة
- أنا آسف
- أنا لا أستطيع تصور كيف تأتي بموضوعاتٍ لتتحدث عنها كل هذه المدة .
- لم تكن مكالمة واحدة . . بل عدة مكالمات متتالية
- إلى هذه الدرجة أصبحت مشغولاً ؟
- أنت تعلم التجارة و مشاغلها
- أعانك الله
- شكراً لك
- عموماً أنا لن اخرج بك عن مجال التجارة
- أنا تحت أمرك
- و صلني اليوم مبلغ بالدولار و أريد تحويله . . كم وصل سعر الدولار اليوم ؟
- أعلى من البنك و مكاتب الصرافة بقروش قليلة .
- فقط ؟
- للأسف الجميع في انتظار و ترقب بعد قرار تحرير سعر الصرف في البنوك لمعرفة ما ستؤول إليه الأوضاع ، و خشية أن يكون هناك قرارات أخرى لضرب السوق السوداء .
- هل تأثر دخلك بهذا القرار ؟
- بالطبع . . انخفضت تجارة السوق السوداء إلى حدٍ ما . . و لكنني لا أفهم لماذا هذا القرار و في هذا التوقيت ؟
- كما قلت أنت . . لضرب السوق السوداء و إغراء الناس بالتحويل من خلال البنوك . فهذا سيزيد احتياطي النقد الأجنبي لدى الدولة . . و سيؤدي إلى استقرار سعر الجنيه .
- و لكنهم حاولوا أكثر من مرة و فشلوا
- طالما لا زال الجميع يلجأ للسوق السوداء فبالتأكيد ستفشل كل محاولات الحكومة .
- و ما الضرر في هذا ؟ إنها تجارة كأي تجارة
- هذه التجارة تعتبرها الحكومة تجارة غير مشروعة لأنها أهم أسباب الارتفاع الجنوني المستمر في سعر الدولار أمام سعر الجنيه ، كما أنها تحرم الدولة من النقد الأجنبي و تجعله محتكراً في أيدي بعض الأفراد الذين يستطيعون التحكم في تحديد سعره لحسابهم الخاص . .
و هذا يضر بالاقتصاد المصري سواء على مستوى الدولة أو حتى على مستوى المواطن البسيط
- المواطن البسيط يبحث عن أعلى سعر وهذا حقه
- هذه مقولة خاطئة ، لأن ارتفاع سعر الدولار يؤدي إلى ارتفاع أسعار معظم الخدمات والسلع إن لم يكن كلها . .
فالجنيهات القليلة التي يكسبها من خلال تحويل العملة عن طريق السوق السوداء . . يخسرها أضعافاً مضاعفة كل يوم . .
كل هذا بسبب نظرته الضيقة و تفضيله للمصلحة الفردية المؤقتة على المصلحة العامة الدائمة .
- أصبحنا نحن إذن سبب انهيار الاقتصاد المصري ؟
- بالطبع ليس هذا السبب الوحيد . .
لكنني أتحدث فقط بالنسبة لصرف النقد الأجنبي
- عموما نحن في انتظار ما سيسفر عنه هذا القرار ، و أرجو ألا تحرمني من معلوماتك عما يستجد من تطورات .
- إن شاء الله
- هل انتظرك اليوم لتحويل المبلغ ؟
- لا . . فأنا اليوم مشغول بالتحضير لإلقاء كلمة بأحد المؤتمرات الشعبية عن دور المواطن في نمو الاقتصاد المصري !!
5
همست لي بنبرة حزنٍ لا تخلو من عتاب :
- ألم تعد تحبني ؟
- كيف و أنا لم أعرف معنى الحب لإنسانٍ إلا معكِ ؟
- فلماذا تحكم على هذا الحب بالموت ؟
- حتى لا يموت حبي لمصر
- و لكني لم أمنعك عن حب مصر
- حبي لكِ فعل
- لا أفهم ما علاقة حبك لي بحبك لمصر
- كل نبضة أشعر معها بحبي لكِ هي خيانة لحبي لمصر . . كل لحظة أحبك فيها أختلسها من حبي لمصر . . كل همسة أهمس بها لكِ تحرمني من الهمس باسم مصر .
- و لكن من يحب يكن محباً للوجود كله
- مصر بالنسبة لي هي الوجود كله
- و لكنك تحبني
- حبي لكِ خيانة يجب أن أتوب عنها
- أنت تبالغ كثيراً في حبك لمصر
- و يا ليتني أستطيع الوفاء بحقها في الحب
- و لكن مصر لا تطلب منا أن نحبها هكذا
- و لكنها تستحق أن نحبها هكذا
- و هل الحب لمصر يعني ألا تحب و ألا تتزوج ؟
- لقد أحببتها هي و تزوجتها هي
- هذا جنون
- حب مصر أكبر من أن تدركه عقولنا
- يجب أن تلجأ إلى طبيب نفساني
- لماذا ؟ هل ترينني مريض ؟
- ألا تشعر أنت بهذا ؟
- و هل حب مصر عندك مرض ؟
- أنت لا تحب مصر . . صدقني هذا ليس حباً . . أنت بالفعل مريض
- إن كان حبي لمصر مرضاً ، فأنا أسأل الله ألا يشفيني منه
- إذن فأنت تتخلى عني ؟
- لا يمكن أن أتخلى عنكِ أبداً
- فلماذا طلبت أن يكون هذا هو آخر لقاء بيننا ؟
- لست أنا من طلبت . .
بل هي . .
فهي وحدها التي لها الحق في تقرير من أحب و من لا أحب
- أنت لست طبيعياً . . أنت مجنون . . كم أنا نادمةٌ على كل لحظة أحببتك فيها
- ربما تجدين يوماً إنساناً عاقلاً يستحق حبك
- من فضلك أريد الذهاب حالاً
- أنا آسف لن أستطيع مرافقتك إلى البيت
- لماذا ؟
- لدي موعد هام
- مع من ؟
- رجل أعمال سيساعدني في الحصول على الجنسية الأمريكية ! !
6
آه يا مصر . . لو تعلمين كم لا أحبك
إسلام شمس الدين
( أقصوصات في حب مصر )
1
آه يا مصر . . لو تعلمين كم أحبك
2
- ( لماذا لا تحب مصر ؟ )
أفزعني سؤاله أكثر مما أفزعتني مفاجأة وجوده بمكتبي
كان السؤال أخطر من السكوت عليه ، أو حتى الاكتفاء بمجرد الإجابة . .
انتابتني ثورة عارمة ، فمجرد السؤال في حد ذاته خطيئة لا تُغتفر . .
- ماذا ؟ . .
هل تحدثني أنا عن حب مصر ؟
أنا ؟
أنا الذي يعتبرني الجميع رمزاً حياً للوطنية
أنا الذي يتعلم الجميع مني حب مصر
ماذا تعرف أنت عن حب مصر لتحدثني عنه ؟
هل تحب أنت مصر مثلما أحبها أنا ؟
هل لا تتنفس إلا عبقها ، لا ترى إلا صورتها ، لا تسمع إلا صوتها ، لا تردد إلا كلماتها ، لا تتغنى إلا باسمها ، لا يرويك إلا نيلها ، لا تعشق إلا ترابها
ماذا تعرف أنت عن العشق لمصر و اسمها و أرضها وترابها ونيلها و شمسها و ليلها و نسيمها و حتى ازدحامها و ضوضائها ؟. .
أنا أكثر من يعرف هذا . . أنا أكثر من يشعر بهذا
لم أكن أتصور أن يصل بأحد الجنون و الحماقة إلى الدرجة التي يتهمني أنا فيها بعدم الحب مصر
أو أن تصل به الجرأة إلى حد مواجهتي علناً بهذا الاتهام
و هل في كل هذه الدنيا من يحب مصر مثلي ؟
هل عرفت مصر قبلي من يحبها قدر حبي ؟
لقد أخطأت العنوان يا هذا . .
فلست أنا من تجرؤ على التشكيك في حبه لمصر . .
لست أنا من يمكنك التحدث معه عن حب مصر . .
فإذا كان هناك من له الحق في الحديث عن حب مصر . . فبالتأكيد أنا فقط من يملك هذا الحق
هل تعرف لماذا ؟
لأنني أنا مصر يا هذا . .
أنا الصورة التي تجسدت فيها روح مصر
عندما تريد أن تنظر إلى مصر . .
عندما تريد أن تراها بعينيك . .
فانظر إليّ . .
فأنا مصر . .
أنا مصر يا هذا . .
أنا مصر
قابل ثورتي و غضبي و كل انفعالاتي بابتسامة هادئة . .
أخرج من جيبه و رقة صغيرة وضعها أمامي . . ثم استدار خارجاً من المكتب بخطواتٍ واثقة .
قرأت الورقة . .
عناية السيد / ..........
تحية طيبة
نأسف لعدم توفر المنتجات التي طلبتموها بسبب وقف استيرادها مؤقتاً . .
ولعلمنا مسبقاً بعدم رغبة سيادتكم في شراء بديلاتها المصرية . .
فإننا نعتذر لعدم تمكننا من تلبية طلبكم في الوقت الحالي
و تفضلوا بقبول وافر التحية
مدير المبيعات
.................
3
طالعت الصحيفة سريعاً كعادتي . .
لم يعد فيها ما يثير الانتباه . . لقد بدأت منذ فترة أفقد رغبتي و حماسي في مطالعة الصحف ، حتى أنني بدأت أتعود مطالعتها في آخر النهار و ليس بمجرد استيقاظي صباحاً كما كنت دائماً .
فتحت صفحات السياسة الخارجية . .
الأخبار كلها يجمعها قاسم مشترك واحد و لا حديث إلا عن البلطجة الأمريكية العالمية ، بالإضافة إلى بعض الأخبار المتناثرة عن الصراعات في مناطق مختلفة من العالم . .
- أعتقد أنني قرأت هذه الأخبار أمس !
انتقلت إلى صفحات الشئون الداخلية . .
لا جديد في التصريحات الحكومية الوردية عن نجاحات الحكومة المتتالية و النهضة التي تمر بها مصر في ظل سياسة الحكومة الرشيدة . .
- نفس التصريحات أقرأها منذ ابتلاني الله في صغري بتلك العادة السيئة التي تجعلني أطالع الصحف كل يوم . .
الجديد في التصريحات فقط هو اختلاف الصياغة ، ويبدو أن الحكومة تضع خطة تطوير التصريحات على قائمة أولوياتها !.
استوقفني تصريح لوزير التربية و التعليم عن زيادة حجم ما ينفقه الشعب المصري مقابل الدروس الخصوصية إلى أربعة عشر مليار جنيهاً سنوياً .
في نفس الصفحة مقالٌ لأحد الخبراء الاقتصاديين عن خطورة تأثير الدروس الخصوصية و آثارها السلبية على الاقتصاد المصري . .
- دراسة موضوعية و وافية حقاً . . يجب أن أسجل إعجابي بهذا الكاتب .
واصلت مطالعة الصحيفة في ملل . .
- كم أرجو لو يخلصني الله من هذه العادة اللعينة .
استجاب الله لي في نفس اللحظة . .
قاطعني ابني الصغير فرحاً :
- أبي . . لقد تم تسجيل اسمي اليوم في لوحة الشرف المدرسية لإعجاب المدرس بموضوع التعبير الذي ساعدتني في كتابته عن حب مصر .
- مبروك . . و لكن يجب أن تعتاد كتابة موضوعاتك بنفسك .
- سأحاول يا أبي مسترشداً بأسلوب كتابتك الجميل .
تركني و غادر الغرفة بعد أن أثار في نفسي شيئاً من الإعجاب بذاتي . .
- هذا الولد يعرف دائماً كيف يرضي غروري لينال رضائي عنه . .
و لكنه لم يحد كثيراً عن الحقيقة . . فأنا بالفعل أملك أسلوباً رائعاً في الكتابة . .
لا أدري لماذا سجنت موهبتي داخل جدران الوظيفة ؟ . . ربما كنت اليوم كاتباً محترفاً .
استعدت تذكر تلك العبارات الرائعة و الألفاظ الرنانة التي استخدمتها في كتابة موضوعه عن حب مصر . .
بالفعل كان موضوعاً يستحق الإعجاب . .
و بالفعل مصر تستحق أن نبدع في وصف حبها . .
قاطع أفكاري مرة أخرى . .
- أبي لا تنسى أن تدفع اليوم للمدرس أجر الدروس الخصوصية ! !
4
لا أدري لماذا يحرص الجميع على تسجيلنا لأرقام هواتفهم إذا كنا كلما اتصلنا بهم وجدنا الهاتف مشغولاً ؟
أكثر من ساعة و أنا أحاول الاتصال به دون جدوى . .
لولا احتياجي له لما كررت المحاولة أكثر من مرة أو مرتين على الأكثر .
- أخيراً أنهيت مكالمتك
- أهلا أستاذنا و مفكرنا الكبير
- أحاول الاتصال بك منذ أكثر من ساعة
- أنا آسف
- أنا لا أستطيع تصور كيف تأتي بموضوعاتٍ لتتحدث عنها كل هذه المدة .
- لم تكن مكالمة واحدة . . بل عدة مكالمات متتالية
- إلى هذه الدرجة أصبحت مشغولاً ؟
- أنت تعلم التجارة و مشاغلها
- أعانك الله
- شكراً لك
- عموماً أنا لن اخرج بك عن مجال التجارة
- أنا تحت أمرك
- و صلني اليوم مبلغ بالدولار و أريد تحويله . . كم وصل سعر الدولار اليوم ؟
- أعلى من البنك و مكاتب الصرافة بقروش قليلة .
- فقط ؟
- للأسف الجميع في انتظار و ترقب بعد قرار تحرير سعر الصرف في البنوك لمعرفة ما ستؤول إليه الأوضاع ، و خشية أن يكون هناك قرارات أخرى لضرب السوق السوداء .
- هل تأثر دخلك بهذا القرار ؟
- بالطبع . . انخفضت تجارة السوق السوداء إلى حدٍ ما . . و لكنني لا أفهم لماذا هذا القرار و في هذا التوقيت ؟
- كما قلت أنت . . لضرب السوق السوداء و إغراء الناس بالتحويل من خلال البنوك . فهذا سيزيد احتياطي النقد الأجنبي لدى الدولة . . و سيؤدي إلى استقرار سعر الجنيه .
- و لكنهم حاولوا أكثر من مرة و فشلوا
- طالما لا زال الجميع يلجأ للسوق السوداء فبالتأكيد ستفشل كل محاولات الحكومة .
- و ما الضرر في هذا ؟ إنها تجارة كأي تجارة
- هذه التجارة تعتبرها الحكومة تجارة غير مشروعة لأنها أهم أسباب الارتفاع الجنوني المستمر في سعر الدولار أمام سعر الجنيه ، كما أنها تحرم الدولة من النقد الأجنبي و تجعله محتكراً في أيدي بعض الأفراد الذين يستطيعون التحكم في تحديد سعره لحسابهم الخاص . .
و هذا يضر بالاقتصاد المصري سواء على مستوى الدولة أو حتى على مستوى المواطن البسيط
- المواطن البسيط يبحث عن أعلى سعر وهذا حقه
- هذه مقولة خاطئة ، لأن ارتفاع سعر الدولار يؤدي إلى ارتفاع أسعار معظم الخدمات والسلع إن لم يكن كلها . .
فالجنيهات القليلة التي يكسبها من خلال تحويل العملة عن طريق السوق السوداء . . يخسرها أضعافاً مضاعفة كل يوم . .
كل هذا بسبب نظرته الضيقة و تفضيله للمصلحة الفردية المؤقتة على المصلحة العامة الدائمة .
- أصبحنا نحن إذن سبب انهيار الاقتصاد المصري ؟
- بالطبع ليس هذا السبب الوحيد . .
لكنني أتحدث فقط بالنسبة لصرف النقد الأجنبي
- عموما نحن في انتظار ما سيسفر عنه هذا القرار ، و أرجو ألا تحرمني من معلوماتك عما يستجد من تطورات .
- إن شاء الله
- هل انتظرك اليوم لتحويل المبلغ ؟
- لا . . فأنا اليوم مشغول بالتحضير لإلقاء كلمة بأحد المؤتمرات الشعبية عن دور المواطن في نمو الاقتصاد المصري !!
5
همست لي بنبرة حزنٍ لا تخلو من عتاب :
- ألم تعد تحبني ؟
- كيف و أنا لم أعرف معنى الحب لإنسانٍ إلا معكِ ؟
- فلماذا تحكم على هذا الحب بالموت ؟
- حتى لا يموت حبي لمصر
- و لكني لم أمنعك عن حب مصر
- حبي لكِ فعل
- لا أفهم ما علاقة حبك لي بحبك لمصر
- كل نبضة أشعر معها بحبي لكِ هي خيانة لحبي لمصر . . كل لحظة أحبك فيها أختلسها من حبي لمصر . . كل همسة أهمس بها لكِ تحرمني من الهمس باسم مصر .
- و لكن من يحب يكن محباً للوجود كله
- مصر بالنسبة لي هي الوجود كله
- و لكنك تحبني
- حبي لكِ خيانة يجب أن أتوب عنها
- أنت تبالغ كثيراً في حبك لمصر
- و يا ليتني أستطيع الوفاء بحقها في الحب
- و لكن مصر لا تطلب منا أن نحبها هكذا
- و لكنها تستحق أن نحبها هكذا
- و هل الحب لمصر يعني ألا تحب و ألا تتزوج ؟
- لقد أحببتها هي و تزوجتها هي
- هذا جنون
- حب مصر أكبر من أن تدركه عقولنا
- يجب أن تلجأ إلى طبيب نفساني
- لماذا ؟ هل ترينني مريض ؟
- ألا تشعر أنت بهذا ؟
- و هل حب مصر عندك مرض ؟
- أنت لا تحب مصر . . صدقني هذا ليس حباً . . أنت بالفعل مريض
- إن كان حبي لمصر مرضاً ، فأنا أسأل الله ألا يشفيني منه
- إذن فأنت تتخلى عني ؟
- لا يمكن أن أتخلى عنكِ أبداً
- فلماذا طلبت أن يكون هذا هو آخر لقاء بيننا ؟
- لست أنا من طلبت . .
بل هي . .
فهي وحدها التي لها الحق في تقرير من أحب و من لا أحب
- أنت لست طبيعياً . . أنت مجنون . . كم أنا نادمةٌ على كل لحظة أحببتك فيها
- ربما تجدين يوماً إنساناً عاقلاً يستحق حبك
- من فضلك أريد الذهاب حالاً
- أنا آسف لن أستطيع مرافقتك إلى البيت
- لماذا ؟
- لدي موعد هام
- مع من ؟
- رجل أعمال سيساعدني في الحصول على الجنسية الأمريكية ! !
6
آه يا مصر . . لو تعلمين كم لا أحبك
إسلام شمس الدين