معاذ رياض
21-04-2006, 10:48 AM
رَأيتُ فِيما يَرى النَّائمُ أني وآخرينَ بداخلِ أَحدِ الفنادقِ المطلةِ على خليجِ نعمة. كانَ واضحاً أننا جِئنا إِلى الفندقِ لسببٍ آخر غيرَ السياحةِ، رُبما كَانتْ ندوة حَضرناها في قاعةٍ مِن قاعاتِه ثمَّ سُمح لنا أن نتجولَ فيه بَعدها.
تَفرقنا فِي اتجاهاتٍ مختلفةٍ نَستكشفُ الفندقَ المليء بالسيَاحِ الأجانبِ والمطل عَلى أَجملِ شَاطئٍ شَاهدته أعينُنا. بَعد لحظاتٍ كنتُ أقفُ وحيداً أحاولُ أن أقنعَ نفسي أنني لا أحلمُ. لا أدري أين ذهبَ الباقون، لكنهم بالتأكيدِ لمْ يُغادروا الفندقَ قبلَ أن يستكشِفوه. الحمقى فقط هم مَن يتركونَ فرصةً كَهذِه إلا إنْ كانَ لديهم عذراً مقبولاً.
هواءُ البحرِ النقي والأَشجَارُ المنسَّقةُ والنظَافةُ المُبهرةُ أذهبتْ عقلي الذي لم يَعتدْ هذه الأشياء. ووقعتُ أسيراً لرغبةٍ قويةٍ في ابتلاعِ أكبرِ قدرٍ منها. إن وجودَنا في هذا الفندقِ الفخمِ نِعمةٌ لا تتكررُ كثيراً. نعمةٌ جاءَتْ بغير تَرتيبٍ مُسبقٍ، ما كَان في نيةِ أحدٍ مِن الذين جَاءوا للندوةِ أنه سيُسمحُ لهم بقضاءِ بَعضِ الوَقتِ في نفسِ المكانِ معَ رُوادِ الفندقِ.
أَجدُ نفَسي الآنَ –مازلتُ أحلمُ– أمامَ اختيارين، إما أنْ أسيرَ ناحيةَ الشرقِ، هُناكَ حَديقةٌ مغطاة وسياحٌ جالسون وعَددٌ مِن زُملائي في النَّدوةِ سَبقوني إِلى هناك أراهم يَتجولون بينَ ممراتِ الحديقةِ. والاختيارُ الثاني أنْ أتابعَ السيرَ إلى اليمينِ، هناك رمالٌ بيضاء جميلة، لعلها تَنتهي عِند البحرِ. وأعرفُ أنها أَيضاً حدودُ الفندقِ التي تفصلُه عَن الأسواقِ المنتشرةِ في خليجِ نعمة. لكني لا أَرى أحداً في هذه النَّاحية.
إذن الحديقةُ أكثرُ متعةً وصخباً، ومنطقةُ الرمالِ هادئةٌ وساكنةٌ. قررتُ أنْ استكشفَ منطقةَ الرمالِ أولاً، فهي خاليةٌ تقريباً ولن تأخذَ وقتاً طويلاً، ثمَّ أعود لأستمتعَ بالجنةِ الخضراءِ حتَّى ينتهي النهارُ. هل كَان اختياري خاطئاً؟ ماذا لو طُلب منَّا مغادرةُ الفندقِ قبلَ أنْ أنتهي مِن ناحيةِ الرمالِ وقبلَ أن أبدأَ في استكشافِ الناحيةِ الأجمل؟
كانَ يجبُ أن أسألَ نفسي هذا السؤال، ثم أتبعه بسؤالٍ أهم: هل سيظنُ زملائي وروادُ الفندقِ والمسئولون عنه أني أحبُّ رمالَ البحرِ الساكنةِ أكثرَ مِن حُبي لحديقتِهم الغارقةِ في الحركةِ والحياة؟
لم أكنْ أبالي بهذهِ الأمورِ عندما اخترتُ ناحيةَ الرمالِ الساحرةِ، بعد قليلٍ سأكونُ أمامَ البحرِ الأحمرِ الهادئِ الثائر. ألم يبتلعْ هذا البحرُ ألفاً من البشرِ منذُ أيامٍ قليلةٍ، فلماذا اخترتُ أن أذهبَ ناحيتَه؟ ببساطةٍ أنا أُحبه مهما فَعل، ثم إن غرقَهم لم يكُن خطأه أساساً. وأنا أعرفُ أني إن دخلتُ الحديقةَ سأقضي بها كلَ الوقتِ ولن أرَى هذا الجانب.
مازلتُ أسيرُ على الرمالِ الناعمةِ ولا رفيقَ معي، لكني سألحقُ بالرفاقِ بعدما أنتهي مِن هذه الناحية. وسأتميزُ عنهم بأني رأيتُ ما لم يَروا. هناكَ رمالٌ طبعاً في نهايةِ الحديقةِ من الناحيةِ الأُخرى لكنها رمالٌ صناعيةٌ، رمالٌ جاءوا بها من الشاطئِ إلى هناك لكي يكتملْ الديكور ولكي لا يضطر منْ في الحديقةِ لمغادرتها إنْ اشتاقَ للحظةِ سكونٍ.
الآن أمامي منحدر من الرمالِ والصخور. أنا أقتربُ من البحرِ بالتأكيد. أعرفُ أن النزولَ لأسفلٍ في الحلمِ ليست له تأويلاتٌ جيدةٌ لكني اخترتُ هذا الطريق ولابد أن أنتهي منه. نَزلتُ –وليتني مَا نزلتُ– فقد وجدتُ نفسي في منطقةِ الأسواق!
لقد خرجتُ من الفندقِ تماماً، ولم تعد العودةُ ممكنةٌ مِن على المنحدرِ الرملي. سيبدو الأمرُ كما لو أن هناكَ من يتسللُ للفندقِ ذي الخمسة نجوم وهو ليس من النزلاءِ. التفتُ حولي فوجدتُ محلاً يبيعُ العصيرَ وأنا يكادُ يقتلني الظمأُ بسببِ سَيري على الرمالِ الجافةِ فترة طويلة. شربتُ ما تيسرَ لي وأخذتُ أتخيلُ الرفاقَ يشربون -على غيرِ ظمأ– في الحديقة.
"لكنك نَزلتَ"، قالها بائعُ العصيرِ، "ما كانَ يجب أنْ تنزلَ. أنتَ في حُلمٍ يا عزيزي. لماذا تنسى هذا؟ النزولُ في الحلم فألٌ سيئ!".
"ألم تدركْ أن مجردَ المقارنةِ بينَ الحديقةِ وبينَ الرمالِ فيها إهانةٌ للحديقةِ مما جعلكَ غيرَ مؤهلٍ لها؟".
"وكانَ اختيارُك للسقوطِ عندنا هو الخطأ الثاني الذي لا يمكن التراجعُ عنه، قبلَ أن تنزلَ كانت لديك الفرصةُ لتعودَ للفندق".
"إن انفتحَ لك بابٌ من الخيرِ والنعمةِ، فلا تتركه فقد لا يَعود. هذه الحكمةُ أقولها لكلِ مَنْ يأتي إليَّ مِنْ ناحيةِ الرمال".
ثمَّ تركني أشربُ العصيرَ وجلسَ يتابعُ شاشةَ تليفزيون أبيض وأسود. انتبهتُ إلى أن هذا المحل يبيعُ العصيرَ الرخيصَ في أرقى مناطقِ شرمِ الشيخ التجاريةِ، لكنه في طرفِ الأسواق. لماذا لا يبيع التحفَ الفرعونيةَ المقلدة مثلَ باقي المحلات؟ هل هو هنا ليساعدَ مَن أخذته أحلامُه إلى أسفل؟ يساعده بالعصيرِ والحكمةِ. لو كنتُ جئتُ للأسواقِ زائراً ما كنتُ سأُحب هذا الرجل ولما تقبلتُ وجودَه الذي يعكرُ الجوَ الراقي للسوقِ. أما الآن وقد فهمتُ دورَهُ ووظيفَته فإني أتمنى لو كنتُ جلستُ بين يديه أسمعُ حكمتَه قبلَ أن أختارَ النزول.
أغادرُ السوقَ وقلبي يلتفتُ في اتجاه الفندقِ الفاخر. إنني أشدُّ حماقةً مِن الذينَ غادروا الفندقَ بعدَ الندوةِ مباشرةٍ، فأنا لم آخذْ مِنه إلا الجفاف والعطش. أعرفُ أني سأعودُ إليه مرةً أخرى ومعي بعض النقودِ. سأعودُ لأحجزَ غرفةً هذه المرة وأستمتعَ بكاملِ حقوقِ النزيل. سيكونُ هذا في حلمٍ آخرٍ طبعاً.
http://boswtol.com/nabadat/meenyehb_89_01.html
تَفرقنا فِي اتجاهاتٍ مختلفةٍ نَستكشفُ الفندقَ المليء بالسيَاحِ الأجانبِ والمطل عَلى أَجملِ شَاطئٍ شَاهدته أعينُنا. بَعد لحظاتٍ كنتُ أقفُ وحيداً أحاولُ أن أقنعَ نفسي أنني لا أحلمُ. لا أدري أين ذهبَ الباقون، لكنهم بالتأكيدِ لمْ يُغادروا الفندقَ قبلَ أن يستكشِفوه. الحمقى فقط هم مَن يتركونَ فرصةً كَهذِه إلا إنْ كانَ لديهم عذراً مقبولاً.
هواءُ البحرِ النقي والأَشجَارُ المنسَّقةُ والنظَافةُ المُبهرةُ أذهبتْ عقلي الذي لم يَعتدْ هذه الأشياء. ووقعتُ أسيراً لرغبةٍ قويةٍ في ابتلاعِ أكبرِ قدرٍ منها. إن وجودَنا في هذا الفندقِ الفخمِ نِعمةٌ لا تتكررُ كثيراً. نعمةٌ جاءَتْ بغير تَرتيبٍ مُسبقٍ، ما كَان في نيةِ أحدٍ مِن الذين جَاءوا للندوةِ أنه سيُسمحُ لهم بقضاءِ بَعضِ الوَقتِ في نفسِ المكانِ معَ رُوادِ الفندقِ.
أَجدُ نفَسي الآنَ –مازلتُ أحلمُ– أمامَ اختيارين، إما أنْ أسيرَ ناحيةَ الشرقِ، هُناكَ حَديقةٌ مغطاة وسياحٌ جالسون وعَددٌ مِن زُملائي في النَّدوةِ سَبقوني إِلى هناك أراهم يَتجولون بينَ ممراتِ الحديقةِ. والاختيارُ الثاني أنْ أتابعَ السيرَ إلى اليمينِ، هناك رمالٌ بيضاء جميلة، لعلها تَنتهي عِند البحرِ. وأعرفُ أنها أَيضاً حدودُ الفندقِ التي تفصلُه عَن الأسواقِ المنتشرةِ في خليجِ نعمة. لكني لا أَرى أحداً في هذه النَّاحية.
إذن الحديقةُ أكثرُ متعةً وصخباً، ومنطقةُ الرمالِ هادئةٌ وساكنةٌ. قررتُ أنْ استكشفَ منطقةَ الرمالِ أولاً، فهي خاليةٌ تقريباً ولن تأخذَ وقتاً طويلاً، ثمَّ أعود لأستمتعَ بالجنةِ الخضراءِ حتَّى ينتهي النهارُ. هل كَان اختياري خاطئاً؟ ماذا لو طُلب منَّا مغادرةُ الفندقِ قبلَ أنْ أنتهي مِن ناحيةِ الرمالِ وقبلَ أن أبدأَ في استكشافِ الناحيةِ الأجمل؟
كانَ يجبُ أن أسألَ نفسي هذا السؤال، ثم أتبعه بسؤالٍ أهم: هل سيظنُ زملائي وروادُ الفندقِ والمسئولون عنه أني أحبُّ رمالَ البحرِ الساكنةِ أكثرَ مِن حُبي لحديقتِهم الغارقةِ في الحركةِ والحياة؟
لم أكنْ أبالي بهذهِ الأمورِ عندما اخترتُ ناحيةَ الرمالِ الساحرةِ، بعد قليلٍ سأكونُ أمامَ البحرِ الأحمرِ الهادئِ الثائر. ألم يبتلعْ هذا البحرُ ألفاً من البشرِ منذُ أيامٍ قليلةٍ، فلماذا اخترتُ أن أذهبَ ناحيتَه؟ ببساطةٍ أنا أُحبه مهما فَعل، ثم إن غرقَهم لم يكُن خطأه أساساً. وأنا أعرفُ أني إن دخلتُ الحديقةَ سأقضي بها كلَ الوقتِ ولن أرَى هذا الجانب.
مازلتُ أسيرُ على الرمالِ الناعمةِ ولا رفيقَ معي، لكني سألحقُ بالرفاقِ بعدما أنتهي مِن هذه الناحية. وسأتميزُ عنهم بأني رأيتُ ما لم يَروا. هناكَ رمالٌ طبعاً في نهايةِ الحديقةِ من الناحيةِ الأُخرى لكنها رمالٌ صناعيةٌ، رمالٌ جاءوا بها من الشاطئِ إلى هناك لكي يكتملْ الديكور ولكي لا يضطر منْ في الحديقةِ لمغادرتها إنْ اشتاقَ للحظةِ سكونٍ.
الآن أمامي منحدر من الرمالِ والصخور. أنا أقتربُ من البحرِ بالتأكيد. أعرفُ أن النزولَ لأسفلٍ في الحلمِ ليست له تأويلاتٌ جيدةٌ لكني اخترتُ هذا الطريق ولابد أن أنتهي منه. نَزلتُ –وليتني مَا نزلتُ– فقد وجدتُ نفسي في منطقةِ الأسواق!
لقد خرجتُ من الفندقِ تماماً، ولم تعد العودةُ ممكنةٌ مِن على المنحدرِ الرملي. سيبدو الأمرُ كما لو أن هناكَ من يتسللُ للفندقِ ذي الخمسة نجوم وهو ليس من النزلاءِ. التفتُ حولي فوجدتُ محلاً يبيعُ العصيرَ وأنا يكادُ يقتلني الظمأُ بسببِ سَيري على الرمالِ الجافةِ فترة طويلة. شربتُ ما تيسرَ لي وأخذتُ أتخيلُ الرفاقَ يشربون -على غيرِ ظمأ– في الحديقة.
"لكنك نَزلتَ"، قالها بائعُ العصيرِ، "ما كانَ يجب أنْ تنزلَ. أنتَ في حُلمٍ يا عزيزي. لماذا تنسى هذا؟ النزولُ في الحلم فألٌ سيئ!".
"ألم تدركْ أن مجردَ المقارنةِ بينَ الحديقةِ وبينَ الرمالِ فيها إهانةٌ للحديقةِ مما جعلكَ غيرَ مؤهلٍ لها؟".
"وكانَ اختيارُك للسقوطِ عندنا هو الخطأ الثاني الذي لا يمكن التراجعُ عنه، قبلَ أن تنزلَ كانت لديك الفرصةُ لتعودَ للفندق".
"إن انفتحَ لك بابٌ من الخيرِ والنعمةِ، فلا تتركه فقد لا يَعود. هذه الحكمةُ أقولها لكلِ مَنْ يأتي إليَّ مِنْ ناحيةِ الرمال".
ثمَّ تركني أشربُ العصيرَ وجلسَ يتابعُ شاشةَ تليفزيون أبيض وأسود. انتبهتُ إلى أن هذا المحل يبيعُ العصيرَ الرخيصَ في أرقى مناطقِ شرمِ الشيخ التجاريةِ، لكنه في طرفِ الأسواق. لماذا لا يبيع التحفَ الفرعونيةَ المقلدة مثلَ باقي المحلات؟ هل هو هنا ليساعدَ مَن أخذته أحلامُه إلى أسفل؟ يساعده بالعصيرِ والحكمةِ. لو كنتُ جئتُ للأسواقِ زائراً ما كنتُ سأُحب هذا الرجل ولما تقبلتُ وجودَه الذي يعكرُ الجوَ الراقي للسوقِ. أما الآن وقد فهمتُ دورَهُ ووظيفَته فإني أتمنى لو كنتُ جلستُ بين يديه أسمعُ حكمتَه قبلَ أن أختارَ النزول.
أغادرُ السوقَ وقلبي يلتفتُ في اتجاه الفندقِ الفاخر. إنني أشدُّ حماقةً مِن الذينَ غادروا الفندقَ بعدَ الندوةِ مباشرةٍ، فأنا لم آخذْ مِنه إلا الجفاف والعطش. أعرفُ أني سأعودُ إليه مرةً أخرى ومعي بعض النقودِ. سأعودُ لأحجزَ غرفةً هذه المرة وأستمتعَ بكاملِ حقوقِ النزيل. سيكونُ هذا في حلمٍ آخرٍ طبعاً.
http://boswtol.com/nabadat/meenyehb_89_01.html