محسن يونس
14-04-2006, 05:46 PM
دائما نراها ( موجة )
محسن يونس
أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. من أنزلهم يابسة جزيرتنا ديامو ؟! أكانوا موجودين أصلا ، ولا نعرف ؟! هكذا نعيش على جزيرة شحيحة مقترة ، لا تعطى لنا سرا إلا في غفلة منا ، وعلى سهوة كل عشر سنين تزيد أو تقصر ، طيبة أم شقية ، قحط أم رخية .. المهم أن تأتى حبكتها ، وعقدتها في صرة مكر يزدرى بمكرنا ، ويسفه خبثنا .. لا تسأل سؤالا لا إجابة له، فهو يا ابن الدنيا – السؤال الذى لا إجابة له – سؤال شؤم .. المهم أربعة عشر جميلا .. ثمان وعشرون عينا ، لكل عين جوهرة في حجم البيضة .. كانوا ينظرون إلينا .. الحصان أقيمت بسرجه ممالك .. الحصان أطيح بسنابكه ممالك .. الحصان مخلوق مغامر نبيل المرح ، حسن المزاج ، لجسمه رشاقة .. كانوا ينظرون إلينا .. الأربعة عشر جميلا .. أربعة عشر حصانا في مقابل أوادم جزيرة ، مرت بخاطرهم طرفة ركوب الأحصنة مثل القوارب ، تسبح في البحر ذاهبة بهم إلى بلاد ومدن ، لناسها الأحلام توازن الخيبات ، وتتعادل الأفراح مع الأطراح .. أربعة عشر حصانا جميلا .. كلمات أربع تعبر عن حضور لم نألفه من قبل .. أضفنا إليها كلمات جديدة : أربعة عشر حصانا جميلا بلا صاحب أو راع ، خلقت هكذا على أرض جزيرة ، قالت امرأة : " أمسكوا " بفرسة " لها ضرع بالضرع لبن " كانت تريده يشفى الولد من الخرس المباغت ، أصابه في وقوع الحجر المتداعى ، لمس كتفه ، وسحق كلبه تماما في لحظة .
كان الولد يقف ناظرا لجدار الحجارة ، وهو في كامل الضياع ، ساقط في الذهول عندما عثرنـا عليه ، وقد ذهب لسانه ، والحجر القاتل يقابل الشمس بسطح ملون بألوان ، إذا ملت تميل معك ، تتحرك قوادم حصان تضرب الهواء ، وتسمع حمحمة غاضبة ، كان المرسوم مربوطا بوتد وهو في سبيله لخلعه من الأرض ، في لحظة اقترابنا للتأمل تقلقل الحجر .. ربما .. كان الحصان مستعدا للانطلاق ، خلفه سحائب بيض رمادية تهيم في سماء عميقة الاتساع ، تحسسنا سطح الحجر ، كان الذى وقع بأزميله ، ولون بفرشاته كثير الخيال، لم ينس الذيل المعكوف على غضب استعدادا للمروق من أسر ضائق ويغيظ ، أخذنا إلى الجدار في موضع خلع الحجر كانت تواجهنا الأحصنة .. أربعة عشر جميلا في أوضاع ، قلنا : " علينا بها " لكل حجر وضع .. عين واحدة جاحظة بنيران بأس ، شيالة لهوس إزاحة الغير ، العين الثانية أطمسها من جعل من الحجر هذا الحضور .. قدم أمامية تدق وتهشم ، ولا راد لطلوعها ونزولها ، والأقدام الثلاثة ترتكز في اتزان، تحمل جسد الراكب – أمن الفراعين أم البطالمة؟! .. عرب أم جراكـسة ؟! – يصوب حربة أكيدة العزم .. خمسة رجال يرفعون الأذرع استغاثة و مذلة ، وهم يرتمون على الأرض في عار من اندحر ، والفحل يقبل على دعسهم مدفوعا بحمية فارسه ..صهيل ملتاع .. سمعناه .. ربما .. و عينان متسعتان ، بحر رعب .. بحر لا شواطىء له .. رأيناه .. ربما .. كان السهم نافذا في نحره العريض العضل ، والحجر يمتلئ بنزيف دم .. أعطني أحصنة .. أعطيك يابسة .. هل قال الحجر ؟! ضحك عجوز ، وقـال : " كان زمان .. تفرجوا .. " قالت أم الولد : " حجارة و رسوم .. هاتوا لبن الفرسة أهم .. " كانت تجذبنا من الملابس .. الشاب حمدين التابعى إللى كان يعشق البنت أمال ، وإللى كان مريضا بمرض المنجلية ، كان الشاب يريد إثبات شجاعته ، ومروءته ، لعل أبا البنت يرضى عنه ، صاح : " أنا لها " أعطته المرأة وعاء ، ونزل إلى حيث الأربعة عشر ، و الجميل للجميل يا جميل .. صفر بشفتيه ، انتبهت الأحصنة إليه ، ثم تشاغلت عنه، قال لنفسه : " أعرف الآن حكايتها .. من أراد غزو ديامو تركها على الجزيرة .. ولكنها كيف عاشت عشرات السنين ؟! "
الشاب لم يتعب نفسه في البحث عن إجابة ، هى هذه الفرسة الصهباء لها ضرع ، والضرع مملوء باللبن ، وخلفها مهر .. بالطبطبة يبعده عن أمه ، فلا يزاحم ، أقعى واضعا الوعاء بين ركبتيه ، مد يديه ، ولمس لمسة سريعة حنونة حلمات الضرع ، كوم بعدها يديه حولـها ، وقبض ، في هذه اللحظة أبعدت الفرسة الصهباء ذات الضرع المملوء باللبن خلفيتيها ، وقوست جذعها ، ثم هدر شلال سيال من بولها نازلا يطرطش على رأس الشاب حمدين التابعى الشجاع ، صاحب المروءة ، الذى جمد على وضعه حتى ارتاحت الفرسة من امتلاء مثانتها ، ومضت تلحق بالأحصنة المتوجهة إلى الوسعاية أمام جدار الحجارة .
أطلقنا عليه : " أبو شخة " وكنا نضحك .
أربعة عشر جميلا أمام أعيننا.. يمتلك الإنسان .. كل ما على الأرض ملكه ، و الملكوت لله .. أربعة عشر جميلا يا ناس ، رأيناهم اليوم .. رأينا عجيبة ، نسمع عن الحصان ، نراه في الأفلام مركوبا من الأشرار ، ومركوبا من الأخيار على حد سواء ، ونراه في بعض البلاد حين نذهب لشراء المؤنة ، وكسوة الشتاء ، وكسوة الصيف ، يجر العربة أو الحنطور كل من جاء مصر ، جاءها على حصان .. كان زمان .. وأيه يعنى .. عندنا على جزيرتنا أربعة
عشر حصانا جميلا ، وجدار حجارة دخلوا إليه ، وسكنوا حجارته . .الأربعة عشر ملكا لنـا.. إنهم على أرضنا ..
البهلوان عطية النكات إللى يضحك طوب الأرض ، مفجر النكات ومبتدعها ، قد سبق تعرفكم عليه تخلف إلى بقعة عتماء ، قرفص ، وتلفت .. هل سمع أحد صوت ضراطه ؟ كان الحصان ينخر ، وهو يمد منخاريه برقبته الطويلة في صدر البهلوان ، والبهلوان يحل لفة الحبل حول وسطه ، يعقد عقدة على الرقبـة ، ويعقد عقدة أخرى على قدمه حتى ينتهى ، صـاح : " أمسكته .. هو ملكى "
لم يعرف البهلوان أبدا تغطية عريه ، كيف يغطى عريه والحصان لا يعطيه فرصة ، وحاله يقول : جئت تصيده صادك يا حلو .. الحصان يخب في الأرض الخراب أمام الجدار ، والسروال معلق بالقدمين ، لا تطوله اليد ، قلنا : " خلص القدم يا مغفل "
حينما توقف الحصان أخذ يهش بذيله فوق مؤخرة البهلوان العارية ، هتف شاب يرتكن إلى الجدار بيننا : " بيضاء .. و مدورة .. " شتمه البهلوان ، الذى ظل على وضعه يخاف أن ينقلب على وجهه ، فتظهر سوءته ، أسرع ، ونزل إليه يخرجه من ورطته بأن فك عقدة الحبل حول القدم ، وأتى بفعلة غريبة ، ضرب الحصان على كفله ، فوجئ الحصان ، واضطرب جسده كله ، ولما استوعب رمح بعيدا ، ينضم إلى قبيلته ، قلنا : " ها هو .. " اللهاث بعد المطاردة يظهر ، يعطيه الرسم بلا أى ستر ، الفحل يناوش " الفرسة " ثم يعتليها .. عضة القواطع تمسك بخط العرف .. استكانة غاوية ، يقابلها همة وقصد صدوق .. حمحمة الارتواء أيقظت النشوى في بهيمة الجزيرة و أوادمها ، فالحمير نزت في تعاريشها ، والبقر تجاوب نعيره أرجاء الجزيرة ، والكلاب تهارشت تحت شجرات النبق الثلاث ، وتنهدت النساء والرجال يسمعهن عذب الكلام ، بما لا يصح إلا في خلوة ..
الحاج درويش صاحب المال و البنين ، وإللى مر خبره ، كان يجلس أمام بيته الأبهة ، وحوله ناس مما ينافقون ويمسحون الجوخ لأمثاله ، عندما هل عليهم حصان آية في الحسن رشاقة ونبالة ، تطلع إليه الحاج درويش ، وقال : " آه لو أمتلكه ؟! " قال بعضهم : " إنه ركوبة ذلول للملوك يا حاج " انتفخ الحاج ، والحصان يأتى إلى حجره ، صاح أحدهم : " إنه يحبك يا حاج "
كانت في حجر الحاج خستان خضراوان ريانتان ، يستعد ليستمتع بأكل أوراقهما ، لأنه يحب كل ما هو أخضر، هكذا قال للجميع ، إلا أن الحصان مد رقبته ، وفتح أشفاره ، والحاج يقول للناس من حوله : " انتهت .. الحصان لى .. أكيد "
صرخ الحاج رافعا ذراعيه يولول موقعا بهما ، فالحصان التهم الخستين ، ومعهما عضو رجولته ، نفر الحصان مغادرا المكان ، وهو يرفس الهواء حتى اختفى خلف العلاية ، والحاج درويش أغمى عليه ، ولما أفاق بعد رش الماء على وجهه ، وتدليك صدغيه ، كان يوحوح ، ويصيح : " إصبعي الوسطى " بعض المتاعيس كانوا يفتشون في أصابع يديه ، وهو في أزمة يصرخ : " يا أغبياء إصبعي الوسطى .. إصبعي الوسطى .. ألا تفهمون ؟! " يقوم و يقعد ، وينحنى ، ولا يستقر على حال ، قال : " سأقتله .. "
صاح صائح : " ماهى إلا رسوم ماتت في الحجر من فعل أقوام سبقت .. انتبهوا لأفعالكم "
قلنا : " إن بها سحر .. الماضى جميل يا عم !! "
نطقنا بها .. سبقنا اللسان ، وخرجت ، ولن تعود ..
مع أن الزمان له وجه ، وللوجه ظهر ، وتقلبنا في حيرة بين الوجه والظهر.
أين نقف بالضبط ؟!
هذه الرسوم ليست لأجدادنا .
هذه الأحصنة ليست لنا .
أربعة عشر فارسا ، لكل فارس مهابة ، وقدرة وشطارة .. أربعة عشر مهيبا .. ثمان وعشرون عينا زرقاء ، تنبسط خارطة ديامو تحت أقدامهم .. هذا بحرنا .. هذا جدارنا .. هذه بيوتنا ، ومراكبنا ، بهائمنا ، ورائحتنا ترف في المكان ، تنغرس في الخارطة حربة عليها عـلم ، في العلم بلطة ناصعة النصل تفلق رأس أسد مهول اللبدة لنصفين .. أربعة عشر فارسا مهيبا وجسيما ، يرتدون عدة الحرب ، لباس حديدى يغطى الجسد ، أربعة عشر جسدا حديديا يقفون في الحجر ، يخلع كل فارس خوذة رأسه الحديدية بها ثقبان للعينين ، يسندها بقلاطة إلى ذراع حديدى، ينثني على أسفل الصدر ، للذراع كف يد يختفى داخل قفاز مشغول بفتل ناعمة من الخيوط الحديدية .. أربعة عشر فارسا حديديا وديامو جزيرة مكشوفة الصدر والبطن .. من يطرق الأبواب ؟ لماذا نخاف ؟! هكسوس ؟!... من يطرق الأبواب ؟! .. إنجلوساكسون ؟! .. يونان ؟! .. فرنسيس ؟! .. رومان ؟! .. من يطرق الأبواب ؟! .. رعاة أم زارعون ؟! .. صيادون أم تجار ؟! .. أصحاب علم أم جهال؟! مال وبنون ؟ أم فقر و احتياج ؟! وفرة أم سلفة وديون ؟! لماذا نخاف ؟!.. ديامو ؟! .... سكانها؟ .. أربعة عشر فارسا حديديا مهيبا أولاد كلاب .. قال العجوز : أحيانا يخسر الإنسان بدون أسباب .. صحنا : أحيانا تخسر البلاد بدون أسـباب!! طأطأ العجوز برأسه وقال : " فعلا .. هؤلاء القدماء جبابرة .. لا رحمة .. ولا شفقة .." قلنا له : " غيرك يا عجوز يقول عنهم عظماء أفضل منا "
" البنت بنوت" ، و إللى كانت مأخوذة ، تهتك ستر مكنونها بقولها العلنى : " أنا لك ، وأنت لى .. حبيبة لمراد .. ومراد لحبيبة " حاولت قصف الساق ، أغمضت عينيها ، وارتجفت شفتاها كأن جسدها لامسته كف ذكرها المحبوب.
زغدت بأيدينا في صدرها ، وأبعدت للخلف ، وقيل لها : " جواك براك يا خائبة .. علمي نفسك الحكمة والكذب "
كنا ننظر للوردة تنبت بين حجرين .. وردة أينعت بين حجرين .. هنا جراح ظالمة ، وهنا بتر ودم ، لم نرغب في تصديق ذلك !!
صرخ العجوز فجأة : " الأعداء .. الأعداء "
كانت الأرض ترتجف ، ست وخمسون قدما للموت تدكها .. ست وخمسون قدما للموت تسعى نحونا .. ست وخمسون قدما لأربعة عشر حصانا لكل منهم غضبة تختلف ، إلا أنهم جميعا شر يتقدم ، الولد المصاب بالخرس نطق ساعتها ، ظل يجرى يمينا وشمالا ، وأمه تحاول مسك يده .. ست وخمسون قدما للموت ، خلفنا جدار الحجارة ، وأمامنا أربعة عشر شرا يهجم، في الحجر أربعة عشر فارسا فوق أربعة عشر حصانا ، يلوحون بالسيوف ، ثم يتوقفون عن التلويح بها ، ويثبتونها في وضع مستقيم مشيرة إلى قلوبنا ، كانوا يرطنون بلغة آمرة ، لم نتعرف إلا على تلك الكلمة الوحيدة : " استسلموا .. "
خر البهلوان عطية على ركبتيه صائحا : " أنا أستسلم بالعشرة " .. صرخنا في وجهه : " اثبت يا حمار .. هم في الحجر ، وهؤلاء بقايا غزوة قديمة " .
ضحك ، وقال ساخرا : " الآن فهمتم النكتة . "
محسن يونس
أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. من أنزلهم يابسة جزيرتنا ديامو ؟! أكانوا موجودين أصلا ، ولا نعرف ؟! هكذا نعيش على جزيرة شحيحة مقترة ، لا تعطى لنا سرا إلا في غفلة منا ، وعلى سهوة كل عشر سنين تزيد أو تقصر ، طيبة أم شقية ، قحط أم رخية .. المهم أن تأتى حبكتها ، وعقدتها في صرة مكر يزدرى بمكرنا ، ويسفه خبثنا .. لا تسأل سؤالا لا إجابة له، فهو يا ابن الدنيا – السؤال الذى لا إجابة له – سؤال شؤم .. المهم أربعة عشر جميلا .. ثمان وعشرون عينا ، لكل عين جوهرة في حجم البيضة .. كانوا ينظرون إلينا .. الحصان أقيمت بسرجه ممالك .. الحصان أطيح بسنابكه ممالك .. الحصان مخلوق مغامر نبيل المرح ، حسن المزاج ، لجسمه رشاقة .. كانوا ينظرون إلينا .. الأربعة عشر جميلا .. أربعة عشر حصانا في مقابل أوادم جزيرة ، مرت بخاطرهم طرفة ركوب الأحصنة مثل القوارب ، تسبح في البحر ذاهبة بهم إلى بلاد ومدن ، لناسها الأحلام توازن الخيبات ، وتتعادل الأفراح مع الأطراح .. أربعة عشر حصانا جميلا .. كلمات أربع تعبر عن حضور لم نألفه من قبل .. أضفنا إليها كلمات جديدة : أربعة عشر حصانا جميلا بلا صاحب أو راع ، خلقت هكذا على أرض جزيرة ، قالت امرأة : " أمسكوا " بفرسة " لها ضرع بالضرع لبن " كانت تريده يشفى الولد من الخرس المباغت ، أصابه في وقوع الحجر المتداعى ، لمس كتفه ، وسحق كلبه تماما في لحظة .
كان الولد يقف ناظرا لجدار الحجارة ، وهو في كامل الضياع ، ساقط في الذهول عندما عثرنـا عليه ، وقد ذهب لسانه ، والحجر القاتل يقابل الشمس بسطح ملون بألوان ، إذا ملت تميل معك ، تتحرك قوادم حصان تضرب الهواء ، وتسمع حمحمة غاضبة ، كان المرسوم مربوطا بوتد وهو في سبيله لخلعه من الأرض ، في لحظة اقترابنا للتأمل تقلقل الحجر .. ربما .. كان الحصان مستعدا للانطلاق ، خلفه سحائب بيض رمادية تهيم في سماء عميقة الاتساع ، تحسسنا سطح الحجر ، كان الذى وقع بأزميله ، ولون بفرشاته كثير الخيال، لم ينس الذيل المعكوف على غضب استعدادا للمروق من أسر ضائق ويغيظ ، أخذنا إلى الجدار في موضع خلع الحجر كانت تواجهنا الأحصنة .. أربعة عشر جميلا في أوضاع ، قلنا : " علينا بها " لكل حجر وضع .. عين واحدة جاحظة بنيران بأس ، شيالة لهوس إزاحة الغير ، العين الثانية أطمسها من جعل من الحجر هذا الحضور .. قدم أمامية تدق وتهشم ، ولا راد لطلوعها ونزولها ، والأقدام الثلاثة ترتكز في اتزان، تحمل جسد الراكب – أمن الفراعين أم البطالمة؟! .. عرب أم جراكـسة ؟! – يصوب حربة أكيدة العزم .. خمسة رجال يرفعون الأذرع استغاثة و مذلة ، وهم يرتمون على الأرض في عار من اندحر ، والفحل يقبل على دعسهم مدفوعا بحمية فارسه ..صهيل ملتاع .. سمعناه .. ربما .. و عينان متسعتان ، بحر رعب .. بحر لا شواطىء له .. رأيناه .. ربما .. كان السهم نافذا في نحره العريض العضل ، والحجر يمتلئ بنزيف دم .. أعطني أحصنة .. أعطيك يابسة .. هل قال الحجر ؟! ضحك عجوز ، وقـال : " كان زمان .. تفرجوا .. " قالت أم الولد : " حجارة و رسوم .. هاتوا لبن الفرسة أهم .. " كانت تجذبنا من الملابس .. الشاب حمدين التابعى إللى كان يعشق البنت أمال ، وإللى كان مريضا بمرض المنجلية ، كان الشاب يريد إثبات شجاعته ، ومروءته ، لعل أبا البنت يرضى عنه ، صاح : " أنا لها " أعطته المرأة وعاء ، ونزل إلى حيث الأربعة عشر ، و الجميل للجميل يا جميل .. صفر بشفتيه ، انتبهت الأحصنة إليه ، ثم تشاغلت عنه، قال لنفسه : " أعرف الآن حكايتها .. من أراد غزو ديامو تركها على الجزيرة .. ولكنها كيف عاشت عشرات السنين ؟! "
الشاب لم يتعب نفسه في البحث عن إجابة ، هى هذه الفرسة الصهباء لها ضرع ، والضرع مملوء باللبن ، وخلفها مهر .. بالطبطبة يبعده عن أمه ، فلا يزاحم ، أقعى واضعا الوعاء بين ركبتيه ، مد يديه ، ولمس لمسة سريعة حنونة حلمات الضرع ، كوم بعدها يديه حولـها ، وقبض ، في هذه اللحظة أبعدت الفرسة الصهباء ذات الضرع المملوء باللبن خلفيتيها ، وقوست جذعها ، ثم هدر شلال سيال من بولها نازلا يطرطش على رأس الشاب حمدين التابعى الشجاع ، صاحب المروءة ، الذى جمد على وضعه حتى ارتاحت الفرسة من امتلاء مثانتها ، ومضت تلحق بالأحصنة المتوجهة إلى الوسعاية أمام جدار الحجارة .
أطلقنا عليه : " أبو شخة " وكنا نضحك .
أربعة عشر جميلا أمام أعيننا.. يمتلك الإنسان .. كل ما على الأرض ملكه ، و الملكوت لله .. أربعة عشر جميلا يا ناس ، رأيناهم اليوم .. رأينا عجيبة ، نسمع عن الحصان ، نراه في الأفلام مركوبا من الأشرار ، ومركوبا من الأخيار على حد سواء ، ونراه في بعض البلاد حين نذهب لشراء المؤنة ، وكسوة الشتاء ، وكسوة الصيف ، يجر العربة أو الحنطور كل من جاء مصر ، جاءها على حصان .. كان زمان .. وأيه يعنى .. عندنا على جزيرتنا أربعة
عشر حصانا جميلا ، وجدار حجارة دخلوا إليه ، وسكنوا حجارته . .الأربعة عشر ملكا لنـا.. إنهم على أرضنا ..
البهلوان عطية النكات إللى يضحك طوب الأرض ، مفجر النكات ومبتدعها ، قد سبق تعرفكم عليه تخلف إلى بقعة عتماء ، قرفص ، وتلفت .. هل سمع أحد صوت ضراطه ؟ كان الحصان ينخر ، وهو يمد منخاريه برقبته الطويلة في صدر البهلوان ، والبهلوان يحل لفة الحبل حول وسطه ، يعقد عقدة على الرقبـة ، ويعقد عقدة أخرى على قدمه حتى ينتهى ، صـاح : " أمسكته .. هو ملكى "
لم يعرف البهلوان أبدا تغطية عريه ، كيف يغطى عريه والحصان لا يعطيه فرصة ، وحاله يقول : جئت تصيده صادك يا حلو .. الحصان يخب في الأرض الخراب أمام الجدار ، والسروال معلق بالقدمين ، لا تطوله اليد ، قلنا : " خلص القدم يا مغفل "
حينما توقف الحصان أخذ يهش بذيله فوق مؤخرة البهلوان العارية ، هتف شاب يرتكن إلى الجدار بيننا : " بيضاء .. و مدورة .. " شتمه البهلوان ، الذى ظل على وضعه يخاف أن ينقلب على وجهه ، فتظهر سوءته ، أسرع ، ونزل إليه يخرجه من ورطته بأن فك عقدة الحبل حول القدم ، وأتى بفعلة غريبة ، ضرب الحصان على كفله ، فوجئ الحصان ، واضطرب جسده كله ، ولما استوعب رمح بعيدا ، ينضم إلى قبيلته ، قلنا : " ها هو .. " اللهاث بعد المطاردة يظهر ، يعطيه الرسم بلا أى ستر ، الفحل يناوش " الفرسة " ثم يعتليها .. عضة القواطع تمسك بخط العرف .. استكانة غاوية ، يقابلها همة وقصد صدوق .. حمحمة الارتواء أيقظت النشوى في بهيمة الجزيرة و أوادمها ، فالحمير نزت في تعاريشها ، والبقر تجاوب نعيره أرجاء الجزيرة ، والكلاب تهارشت تحت شجرات النبق الثلاث ، وتنهدت النساء والرجال يسمعهن عذب الكلام ، بما لا يصح إلا في خلوة ..
الحاج درويش صاحب المال و البنين ، وإللى مر خبره ، كان يجلس أمام بيته الأبهة ، وحوله ناس مما ينافقون ويمسحون الجوخ لأمثاله ، عندما هل عليهم حصان آية في الحسن رشاقة ونبالة ، تطلع إليه الحاج درويش ، وقال : " آه لو أمتلكه ؟! " قال بعضهم : " إنه ركوبة ذلول للملوك يا حاج " انتفخ الحاج ، والحصان يأتى إلى حجره ، صاح أحدهم : " إنه يحبك يا حاج "
كانت في حجر الحاج خستان خضراوان ريانتان ، يستعد ليستمتع بأكل أوراقهما ، لأنه يحب كل ما هو أخضر، هكذا قال للجميع ، إلا أن الحصان مد رقبته ، وفتح أشفاره ، والحاج يقول للناس من حوله : " انتهت .. الحصان لى .. أكيد "
صرخ الحاج رافعا ذراعيه يولول موقعا بهما ، فالحصان التهم الخستين ، ومعهما عضو رجولته ، نفر الحصان مغادرا المكان ، وهو يرفس الهواء حتى اختفى خلف العلاية ، والحاج درويش أغمى عليه ، ولما أفاق بعد رش الماء على وجهه ، وتدليك صدغيه ، كان يوحوح ، ويصيح : " إصبعي الوسطى " بعض المتاعيس كانوا يفتشون في أصابع يديه ، وهو في أزمة يصرخ : " يا أغبياء إصبعي الوسطى .. إصبعي الوسطى .. ألا تفهمون ؟! " يقوم و يقعد ، وينحنى ، ولا يستقر على حال ، قال : " سأقتله .. "
صاح صائح : " ماهى إلا رسوم ماتت في الحجر من فعل أقوام سبقت .. انتبهوا لأفعالكم "
قلنا : " إن بها سحر .. الماضى جميل يا عم !! "
نطقنا بها .. سبقنا اللسان ، وخرجت ، ولن تعود ..
مع أن الزمان له وجه ، وللوجه ظهر ، وتقلبنا في حيرة بين الوجه والظهر.
أين نقف بالضبط ؟!
هذه الرسوم ليست لأجدادنا .
هذه الأحصنة ليست لنا .
أربعة عشر فارسا ، لكل فارس مهابة ، وقدرة وشطارة .. أربعة عشر مهيبا .. ثمان وعشرون عينا زرقاء ، تنبسط خارطة ديامو تحت أقدامهم .. هذا بحرنا .. هذا جدارنا .. هذه بيوتنا ، ومراكبنا ، بهائمنا ، ورائحتنا ترف في المكان ، تنغرس في الخارطة حربة عليها عـلم ، في العلم بلطة ناصعة النصل تفلق رأس أسد مهول اللبدة لنصفين .. أربعة عشر فارسا مهيبا وجسيما ، يرتدون عدة الحرب ، لباس حديدى يغطى الجسد ، أربعة عشر جسدا حديديا يقفون في الحجر ، يخلع كل فارس خوذة رأسه الحديدية بها ثقبان للعينين ، يسندها بقلاطة إلى ذراع حديدى، ينثني على أسفل الصدر ، للذراع كف يد يختفى داخل قفاز مشغول بفتل ناعمة من الخيوط الحديدية .. أربعة عشر فارسا حديديا وديامو جزيرة مكشوفة الصدر والبطن .. من يطرق الأبواب ؟ لماذا نخاف ؟! هكسوس ؟!... من يطرق الأبواب ؟! .. إنجلوساكسون ؟! .. يونان ؟! .. فرنسيس ؟! .. رومان ؟! .. من يطرق الأبواب ؟! .. رعاة أم زارعون ؟! .. صيادون أم تجار ؟! .. أصحاب علم أم جهال؟! مال وبنون ؟ أم فقر و احتياج ؟! وفرة أم سلفة وديون ؟! لماذا نخاف ؟!.. ديامو ؟! .... سكانها؟ .. أربعة عشر فارسا حديديا مهيبا أولاد كلاب .. قال العجوز : أحيانا يخسر الإنسان بدون أسباب .. صحنا : أحيانا تخسر البلاد بدون أسـباب!! طأطأ العجوز برأسه وقال : " فعلا .. هؤلاء القدماء جبابرة .. لا رحمة .. ولا شفقة .." قلنا له : " غيرك يا عجوز يقول عنهم عظماء أفضل منا "
" البنت بنوت" ، و إللى كانت مأخوذة ، تهتك ستر مكنونها بقولها العلنى : " أنا لك ، وأنت لى .. حبيبة لمراد .. ومراد لحبيبة " حاولت قصف الساق ، أغمضت عينيها ، وارتجفت شفتاها كأن جسدها لامسته كف ذكرها المحبوب.
زغدت بأيدينا في صدرها ، وأبعدت للخلف ، وقيل لها : " جواك براك يا خائبة .. علمي نفسك الحكمة والكذب "
كنا ننظر للوردة تنبت بين حجرين .. وردة أينعت بين حجرين .. هنا جراح ظالمة ، وهنا بتر ودم ، لم نرغب في تصديق ذلك !!
صرخ العجوز فجأة : " الأعداء .. الأعداء "
كانت الأرض ترتجف ، ست وخمسون قدما للموت تدكها .. ست وخمسون قدما للموت تسعى نحونا .. ست وخمسون قدما لأربعة عشر حصانا لكل منهم غضبة تختلف ، إلا أنهم جميعا شر يتقدم ، الولد المصاب بالخرس نطق ساعتها ، ظل يجرى يمينا وشمالا ، وأمه تحاول مسك يده .. ست وخمسون قدما للموت ، خلفنا جدار الحجارة ، وأمامنا أربعة عشر شرا يهجم، في الحجر أربعة عشر فارسا فوق أربعة عشر حصانا ، يلوحون بالسيوف ، ثم يتوقفون عن التلويح بها ، ويثبتونها في وضع مستقيم مشيرة إلى قلوبنا ، كانوا يرطنون بلغة آمرة ، لم نتعرف إلا على تلك الكلمة الوحيدة : " استسلموا .. "
خر البهلوان عطية على ركبتيه صائحا : " أنا أستسلم بالعشرة " .. صرخنا في وجهه : " اثبت يا حمار .. هم في الحجر ، وهؤلاء بقايا غزوة قديمة " .
ضحك ، وقال ساخرا : " الآن فهمتم النكتة . "