سافر إلي أمريكا ! _._._ تجربة لدعم المنتدى _._._ الديك الرومي ؟؟ القصة الكاملة ليوم الشكر _._._ هل ترغب بالسفر إلي تركيا
إسلاميات - معرض الصور - عيلة النجعاويه - سفر وسياحة - إنفلونزا الطيور - مدونات - الموبايل - المجلة - هريدي اورج - المصدر التعليمي - بريد مجاني - ألعاب فلاشية - قس سرعة النت - أركيد الألعاب - بحث



المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دائما نراها ( موجة )


محسن يونس
14-04-2006, 05:46 PM
دائما نراها ( موجة )
محسن يونس
أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. من أنزلهم يابسة جزيرتنا ديامو ؟! أكانوا موجودين أصلا ، ولا نعرف ؟! هكذا نعيش على جزيرة شحيحة مقترة ، لا تعطى لنا سرا إلا في غفلة منا ، وعلى سهوة كل عشر سنين تزيد أو تقصر ، طيبة أم شقية ، قحط أم رخية .. المهم أن تأتى حبكتها ، وعقدتها في صرة مكر يزدرى بمكرنا ، ويسفه خبثنا .. لا تسأل سؤالا لا إجابة له، فهو يا ابن الدنيا – السؤال الذى لا إجابة له – سؤال شؤم .. المهم أربعة عشر جميلا .. ثمان وعشرون عينا ، لكل عين جوهرة في حجم البيضة .. كانوا ينظرون إلينا .. الحصان أقيمت بسرجه ممالك .. الحصان أطيح بسنابكه ممالك .. الحصان مخلوق مغامر نبيل المرح ، حسن المزاج ، لجسمه رشاقة .. كانوا ينظرون إلينا .. الأربعة عشر جميلا .. أربعة عشر حصانا في مقابل أوادم جزيرة ، مرت بخاطرهم طرفة ركوب الأحصنة مثل القوارب ، تسبح في البحر ذاهبة بهم إلى بلاد ومدن ، لناسها الأحلام توازن الخيبات ، وتتعادل الأفراح مع الأطراح .. أربعة عشر حصانا جميلا .. كلمات أربع تعبر عن حضور لم نألفه من قبل .. أضفنا إليها كلمات جديدة : أربعة عشر حصانا جميلا بلا صاحب أو راع ، خلقت هكذا على أرض جزيرة ، قالت امرأة : " أمسكوا " بفرسة " لها ضرع بالضرع لبن " كانت تريده يشفى الولد من الخرس المباغت ، أصابه في وقوع الحجر المتداعى ، لمس كتفه ، وسحق كلبه تماما في لحظة .
كان الولد يقف ناظرا لجدار الحجارة ، وهو في كامل الضياع ، ساقط في الذهول عندما عثرنـا عليه ، وقد ذهب لسانه ، والحجر القاتل يقابل الشمس بسطح ملون بألوان ، إذا ملت تميل معك ، تتحرك قوادم حصان تضرب الهواء ، وتسمع حمحمة غاضبة ، كان المرسوم مربوطا بوتد وهو في سبيله لخلعه من الأرض ، في لحظة اقترابنا للتأمل تقلقل الحجر .. ربما .. كان الحصان مستعدا للانطلاق ، خلفه سحائب بيض رمادية تهيم في سماء عميقة الاتساع ، تحسسنا سطح الحجر ، كان الذى وقع بأزميله ، ولون بفرشاته كثير الخيال، لم ينس الذيل المعكوف على غضب استعدادا للمروق من أسر ضائق ويغيظ ، أخذنا إلى الجدار في موضع خلع الحجر كانت تواجهنا الأحصنة .. أربعة عشر جميلا في أوضاع ، قلنا : " علينا بها " لكل حجر وضع .. عين واحدة جاحظة بنيران بأس ، شيالة لهوس إزاحة الغير ، العين الثانية أطمسها من جعل من الحجر هذا الحضور .. قدم أمامية تدق وتهشم ، ولا راد لطلوعها ونزولها ، والأقدام الثلاثة ترتكز في اتزان، تحمل جسد الراكب – أمن الفراعين أم البطالمة؟! .. عرب أم جراكـسة ؟! – يصوب حربة أكيدة العزم .. خمسة رجال يرفعون الأذرع استغاثة و مذلة ، وهم يرتمون على الأرض في عار من اندحر ، والفحل يقبل على دعسهم مدفوعا بحمية فارسه ..صهيل ملتاع .. سمعناه .. ربما .. و عينان متسعتان ، بحر رعب .. بحر لا شواطىء له .. رأيناه .. ربما .. كان السهم نافذا في نحره العريض العضل ، والحجر يمتلئ بنزيف دم .. أعطني أحصنة .. أعطيك يابسة .. هل قال الحجر ؟! ضحك عجوز ، وقـال : " كان زمان .. تفرجوا .. " قالت أم الولد : " حجارة و رسوم .. هاتوا لبن الفرسة أهم .. " كانت تجذبنا من الملابس .. الشاب حمدين التابعى إللى كان يعشق البنت أمال ، وإللى كان مريضا بمرض المنجلية ، كان الشاب يريد إثبات شجاعته ، ومروءته ، لعل أبا البنت يرضى عنه ، صاح : " أنا لها " أعطته المرأة وعاء ، ونزل إلى حيث الأربعة عشر ، و الجميل للجميل يا جميل .. صفر بشفتيه ، انتبهت الأحصنة إليه ، ثم تشاغلت عنه، قال لنفسه : " أعرف الآن حكايتها .. من أراد غزو ديامو تركها على الجزيرة .. ولكنها كيف عاشت عشرات السنين ؟! "
الشاب لم يتعب نفسه في البحث عن إجابة ، هى هذه الفرسة الصهباء لها ضرع ، والضرع مملوء باللبن ، وخلفها مهر .. بالطبطبة يبعده عن أمه ، فلا يزاحم ، أقعى واضعا الوعاء بين ركبتيه ، مد يديه ، ولمس لمسة سريعة حنونة حلمات الضرع ، كوم بعدها يديه حولـها ، وقبض ، في هذه اللحظة أبعدت الفرسة الصهباء ذات الضرع المملوء باللبن خلفيتيها ، وقوست جذعها ، ثم هدر شلال سيال من بولها نازلا يطرطش على رأس الشاب حمدين التابعى الشجاع ، صاحب المروءة ، الذى جمد على وضعه حتى ارتاحت الفرسة من امتلاء مثانتها ، ومضت تلحق بالأحصنة المتوجهة إلى الوسعاية أمام جدار الحجارة .
أطلقنا عليه : " أبو شخة " وكنا نضحك .
أربعة عشر جميلا أمام أعيننا.. يمتلك الإنسان .. كل ما على الأرض ملكه ، و الملكوت لله .. أربعة عشر جميلا يا ناس ، رأيناهم اليوم .. رأينا عجيبة ، نسمع عن الحصان ، نراه في الأفلام مركوبا من الأشرار ، ومركوبا من الأخيار على حد سواء ، ونراه في بعض البلاد حين نذهب لشراء المؤنة ، وكسوة الشتاء ، وكسوة الصيف ، يجر العربة أو الحنطور كل من جاء مصر ، جاءها على حصان .. كان زمان .. وأيه يعنى .. عندنا على جزيرتنا أربعة
عشر حصانا جميلا ، وجدار حجارة دخلوا إليه ، وسكنوا حجارته . .الأربعة عشر ملكا لنـا.. إنهم على أرضنا ..
البهلوان عطية النكات إللى يضحك طوب الأرض ، مفجر النكات ومبتدعها ، قد سبق تعرفكم عليه تخلف إلى بقعة عتماء ، قرفص ، وتلفت .. هل سمع أحد صوت ضراطه ؟ كان الحصان ينخر ، وهو يمد منخاريه برقبته الطويلة في صدر البهلوان ، والبهلوان يحل لفة الحبل حول وسطه ، يعقد عقدة على الرقبـة ، ويعقد عقدة أخرى على قدمه حتى ينتهى ، صـاح : " أمسكته .. هو ملكى "
لم يعرف البهلوان أبدا تغطية عريه ، كيف يغطى عريه والحصان لا يعطيه فرصة ، وحاله يقول : جئت تصيده صادك يا حلو .. الحصان يخب في الأرض الخراب أمام الجدار ، والسروال معلق بالقدمين ، لا تطوله اليد ، قلنا : " خلص القدم يا مغفل "
حينما توقف الحصان أخذ يهش بذيله فوق مؤخرة البهلوان العارية ، هتف شاب يرتكن إلى الجدار بيننا : " بيضاء .. و مدورة .. " شتمه البهلوان ، الذى ظل على وضعه يخاف أن ينقلب على وجهه ، فتظهر سوءته ، أسرع ، ونزل إليه يخرجه من ورطته بأن فك عقدة الحبل حول القدم ، وأتى بفعلة غريبة ، ضرب الحصان على كفله ، فوجئ الحصان ، واضطرب جسده كله ، ولما استوعب رمح بعيدا ، ينضم إلى قبيلته ، قلنا : " ها هو .. " اللهاث بعد المطاردة يظهر ، يعطيه الرسم بلا أى ستر ، الفحل يناوش " الفرسة " ثم يعتليها .. عضة القواطع تمسك بخط العرف .. استكانة غاوية ، يقابلها همة وقصد صدوق .. حمحمة الارتواء أيقظت النشوى في بهيمة الجزيرة و أوادمها ، فالحمير نزت في تعاريشها ، والبقر تجاوب نعيره أرجاء الجزيرة ، والكلاب تهارشت تحت شجرات النبق الثلاث ، وتنهدت النساء والرجال يسمعهن عذب الكلام ، بما لا يصح إلا في خلوة ..
الحاج درويش صاحب المال و البنين ، وإللى مر خبره ، كان يجلس أمام بيته الأبهة ، وحوله ناس مما ينافقون ويمسحون الجوخ لأمثاله ، عندما هل عليهم حصان آية في الحسن رشاقة ونبالة ، تطلع إليه الحاج درويش ، وقال : " آه لو أمتلكه ؟! " قال بعضهم : " إنه ركوبة ذلول للملوك يا حاج " انتفخ الحاج ، والحصان يأتى إلى حجره ، صاح أحدهم : " إنه يحبك يا حاج "
كانت في حجر الحاج خستان خضراوان ريانتان ، يستعد ليستمتع بأكل أوراقهما ، لأنه يحب كل ما هو أخضر، هكذا قال للجميع ، إلا أن الحصان مد رقبته ، وفتح أشفاره ، والحاج يقول للناس من حوله : " انتهت .. الحصان لى .. أكيد "
صرخ الحاج رافعا ذراعيه يولول موقعا بهما ، فالحصان التهم الخستين ، ومعهما عضو رجولته ، نفر الحصان مغادرا المكان ، وهو يرفس الهواء حتى اختفى خلف العلاية ، والحاج درويش أغمى عليه ، ولما أفاق بعد رش الماء على وجهه ، وتدليك صدغيه ، كان يوحوح ، ويصيح : " إصبعي الوسطى " بعض المتاعيس كانوا يفتشون في أصابع يديه ، وهو في أزمة يصرخ : " يا أغبياء إصبعي الوسطى .. إصبعي الوسطى .. ألا تفهمون ؟! " يقوم و يقعد ، وينحنى ، ولا يستقر على حال ، قال : " سأقتله .. "
صاح صائح : " ماهى إلا رسوم ماتت في الحجر من فعل أقوام سبقت .. انتبهوا لأفعالكم "
قلنا : " إن بها سحر .. الماضى جميل يا عم !! "
نطقنا بها .. سبقنا اللسان ، وخرجت ، ولن تعود ..
مع أن الزمان له وجه ، وللوجه ظهر ، وتقلبنا في حيرة بين الوجه والظهر.
أين نقف بالضبط ؟!
هذه الرسوم ليست لأجدادنا .
هذه الأحصنة ليست لنا .
أربعة عشر فارسا ، لكل فارس مهابة ، وقدرة وشطارة .. أربعة عشر مهيبا .. ثمان وعشرون عينا زرقاء ، تنبسط خارطة ديامو تحت أقدامهم .. هذا بحرنا .. هذا جدارنا .. هذه بيوتنا ، ومراكبنا ، بهائمنا ، ورائحتنا ترف في المكان ، تنغرس في الخارطة حربة عليها عـلم ، في العلم بلطة ناصعة النصل تفلق رأس أسد مهول اللبدة لنصفين .. أربعة عشر فارسا مهيبا وجسيما ، يرتدون عدة الحرب ، لباس حديدى يغطى الجسد ، أربعة عشر جسدا حديديا يقفون في الحجر ، يخلع كل فارس خوذة رأسه الحديدية بها ثقبان للعينين ، يسندها بقلاطة إلى ذراع حديدى، ينثني على أسفل الصدر ، للذراع كف يد يختفى داخل قفاز مشغول بفتل ناعمة من الخيوط الحديدية .. أربعة عشر فارسا حديديا وديامو جزيرة مكشوفة الصدر والبطن .. من يطرق الأبواب ؟ لماذا نخاف ؟! هكسوس ؟!... من يطرق الأبواب ؟! .. إنجلوساكسون ؟! .. يونان ؟! .. فرنسيس ؟! .. رومان ؟! .. من يطرق الأبواب ؟! .. رعاة أم زارعون ؟! .. صيادون أم تجار ؟! .. أصحاب علم أم جهال؟! مال وبنون ؟ أم فقر و احتياج ؟! وفرة أم سلفة وديون ؟! لماذا نخاف ؟!.. ديامو ؟! .... سكانها؟ .. أربعة عشر فارسا حديديا مهيبا أولاد كلاب .. قال العجوز : أحيانا يخسر الإنسان بدون أسباب .. صحنا : أحيانا تخسر البلاد بدون أسـباب!! طأطأ العجوز برأسه وقال : " فعلا .. هؤلاء القدماء جبابرة .. لا رحمة .. ولا شفقة .." قلنا له : " غيرك يا عجوز يقول عنهم عظماء أفضل منا "
" البنت بنوت" ، و إللى كانت مأخوذة ، تهتك ستر مكنونها بقولها العلنى : " أنا لك ، وأنت لى .. حبيبة لمراد .. ومراد لحبيبة " حاولت قصف الساق ، أغمضت عينيها ، وارتجفت شفتاها كأن جسدها لامسته كف ذكرها المحبوب.
زغدت بأيدينا في صدرها ، وأبعدت للخلف ، وقيل لها : " جواك براك يا خائبة .. علمي نفسك الحكمة والكذب "
كنا ننظر للوردة تنبت بين حجرين .. وردة أينعت بين حجرين .. هنا جراح ظالمة ، وهنا بتر ودم ، لم نرغب في تصديق ذلك !!
صرخ العجوز فجأة : " الأعداء .. الأعداء "
كانت الأرض ترتجف ، ست وخمسون قدما للموت تدكها .. ست وخمسون قدما للموت تسعى نحونا .. ست وخمسون قدما لأربعة عشر حصانا لكل منهم غضبة تختلف ، إلا أنهم جميعا شر يتقدم ، الولد المصاب بالخرس نطق ساعتها ، ظل يجرى يمينا وشمالا ، وأمه تحاول مسك يده .. ست وخمسون قدما للموت ، خلفنا جدار الحجارة ، وأمامنا أربعة عشر شرا يهجم، في الحجر أربعة عشر فارسا فوق أربعة عشر حصانا ، يلوحون بالسيوف ، ثم يتوقفون عن التلويح بها ، ويثبتونها في وضع مستقيم مشيرة إلى قلوبنا ، كانوا يرطنون بلغة آمرة ، لم نتعرف إلا على تلك الكلمة الوحيدة : " استسلموا .. "
خر البهلوان عطية على ركبتيه صائحا : " أنا أستسلم بالعشرة " .. صرخنا في وجهه : " اثبت يا حمار .. هم في الحجر ، وهؤلاء بقايا غزوة قديمة " .
ضحك ، وقال ساخرا : " الآن فهمتم النكتة . "

بنت مصر
20-04-2006, 01:23 AM
استاذ محسن يونس الغالي
أسجل تقديري وشكري على هذه القصة الرائعة
التى جمعت بين الرقي والحرفية والمهارة الادبية

شكرا لك مشرفنا واستاذنا العزيز


بسنت

محسن يونس
26-04-2006, 08:07 PM
بسنت النبيلة
بنت مصر العظيمة
تحياتى
أشكرك جدا فرأيك يدفعنى لأن أكون عند حسن ظنك بى ، لأقدم الجميل والمفيد .. وأن أكون جديرا بانتسابى لمنتدى أبناء مصر المحروسة ..
تقديرة واحترامى

محسن يونس
25-05-2006, 05:02 PM
بسنت
بنت مصر العظيمة ..
ومع ذلك لم يشاركك أحد التعليق عليها ..
أشعر أنها لم تنل حقها ..
أرجو أن يقرأها الأصدقاء ..

محمد سنجر
04-06-2006, 07:07 PM
الله الله الله
جميل هو ماكتبت أستاذنا الفاضل
لا أدري لماذا القصة لم تأخذ حقها من الردود
أرجو من الإخوة الأعزاء
إثراءنا بالردود الطيبة
طيبة هذا القلم النابض
شكرا لك أستاذنا الفاضل
كل الشكر و المودة

محسن يونس
07-06-2006, 05:49 PM
الصديق الفنان : محمد سنجر
أشكرك أولا على مرورك وقراءة نصى هذا ، ممتن جدا ..
وأشكرك ثانية أن النص أعجبك ، ودعوتك للأصدقاء لمطالعته والتشابك معه ..
هل أطلب منك أن ترسم وقائع النص فى لوحة وترسلها لى ..
هل طلبى فيه تزيد ؟ .. أرجو ألا يكون كذلك فأنا أحترمك وأقدرك ..
دمت بكل الخير

سيد جعيتم
08-06-2006, 10:41 PM
الأستاذ / محسن يونس
صدقنى أستمتعت جداً بأسلوبك الراقى . احب دائماً الكتابات التى تدفعنا للتأمل والخروج بفكرة .
جميل جداً قولك فى المقدمة ( أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. )

سمير الفيل
09-06-2006, 07:34 PM
قرأت النص مساء اليوم
ولي عودة نقدية إن شاء الله.
العمل يستحق الكلام.
سأكون هنا في اقرب وقت.
تحية للكاتب الكبير محسن يونس.

محمد سنجر
10-06-2006, 05:18 AM
أستاذنا الفاضل
يرقص قلبي فرحا بردك النابع من قلب أبيض بياض الشمع
فأنا يشرفني و يسعدني
عمل لوحة لموضوعك
فهل لي أن أطلب منكم أن تمنحني بعض الوقت لهذا العمل المشرف؟
جزاكم الله عني خيرا

محسن يونس
10-06-2006, 12:01 PM
الصديق المبدع الأستاذ : سيد إبراهيم
تحياتى
شكرا لك .. تأكد أننى أحترم رأيك " احب دائماً الكتابات التى تدفعنا للتأمل والخروج بفكرة ."
واسمح لى أن أزيد عليه فى أن النص الذى يغيرنا بعد قراءته ويدفعنا لرؤية العالم بنظرة جديدة هو النص الذى يعجبنى أنا أيضا ..
دمت بخير استاذى ..
تقديرى واحترامى

محسن يونس
10-06-2006, 12:04 PM
الكاتب متعدد المواهب الأستاذ : سمير الفيل
تحياتى
مجرد مرورك يكفى ..
ولكن ..
قراءتى لرأيك فى نصى رغبة أطمح إليها ، وأنتظرها ..
أنت تعرف لماذا ..
مودتى وامتنانى لشخصكم

محسن يونس
10-06-2006, 12:06 PM
يالله يا فنان .. خذ وقتك ..
أن ترسم لوحة تعبر عن نصى هذا شرف كبير أسعى إليه وأتمناه ..
والصبر جميل يا جميل ..
كن بخير وروعة

سمير الفيل
10-06-2006, 03:53 PM
ترديدات الحكمة في تضاعيف الحكي

رؤية نقدية حول قصة " دائما نراها " لمحسن يونس

بقلم : سمير الفيل .

بالرغم من أن نصوص محسن يونس تصور في الغالب واقعا خشنا عرفه، وواقعا حقيقيا جاس في مسالكه ودروبه إلا أن أهم ما يميز هذا الواقع هو أنه مشحون بالمفارقة ومدهش بنطاقات المغامرة فيه، كما أنه فياض بالتساؤلات .
هو واقع يبتعث آفاقا غير مسبوقة من المتعة التي تستدعي فيما تستدعي ما لدى الحكاء الشعبي من فتنة التنقل من موقف لموقف ، ودمج الواقعي بالأسطوري ، واستلهام ما في تراثنا الشعبي من الغرائبي ، زد على ذلك ما يمتلكه الكاتب من قدرة على استنطاق كافة العناصر من طبيعة وبشر وجماد .
" ديامو " الجزيرة الشهيرة التي أصبحت محور الحكي . ناسها هم الخلق المنتمون للمكان الساحر الذي تحيط به المياه من كل مكان وتلمه الخرافة من أركانه الأربعة .
تبدأ الحكاية بحكمة ، وتستند على موعظة ، فثيمة الجمال والقبح هي مفتاح الولوج للحدث الذي سيشهد 14 جميلا ، وهي أحصنة ستكون لها الفاعلية فيما سيتم نسجه من أحداث . وقد حرص الكاتب المحترف الماهر أن يظلل أحداثه بمسحة من الغرائبية فتتوقف أنت وتستفسر بينك وبين ذاتك عما في هذا الحكي من واقعي وما فيه من واقعي ، وهو سؤال يزيحه هذا النسج الأرابيسكي المطعم بالوشي الرقيق الدقيق . أتذكر الآن قصيدة أمل دنقل الرائعة عن " الخيول " التي تفتح بها الممالك ، وأعرف أن " أمل " كان غنائيا لا تخلو نصوصه من سرد، كذلك فابن يونس حكاء لا تخلو قصصه من غنائية ، ولذا لن يكون مدهشا أن تجد الجملة الإرتكازية قد فارقت دورها الغنائي وصارت ترتيلا أو ترتيبا للوقائع ، وتعالوا للافتتاحية لنتأمل كم هي مدهشة :

" أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. من أنزلهم يابسة جزيرتنا ديامو ؟!" .

نعم مع الجمال تكون رحلة البحث والكشف . فإن كانت ديامو جزيرة ، والراوي إنسان ، فالجياد هي سر هذه الحكاية ، ولكنها كما سنعرف فيما بعد جياد قدت من حجر . هي نقش على الجلاميد الخرساء ، لكنها أكثر فصاحة من الجميع .
ومع الجياد هناك تفصيلات حكايات صغيرة يمكننا أن نعتبرها بنيات صغرى في نسق الحكي . هناك ما حدث لحمدين التابعي الشجاع صاحب المروءة ، وهناك أيضا ما حدث للبهلوان عطية النكات ، ثم هناك اخطر الحكايات التي جرت على درويش صاحب المال والبنين ، والمدهش في هذه الحكايات أنها تقدم وقائع تجعلك تلتصق بالأرض من فرط واقعيتها ، وإمكانية حدوثها ، فهي تقدم لك كمادة سردية مليئة بالتفاصيل الدقيقة . وخطة الكاتب هي أنه يدخلك في إسار الحكي فلا تستطيع فكاكا من سخونة الأحداث ، وفورة الفعل ورد الفعل. قد تدير وجهك لتسأل عن الحقيقة فيما يصل إليك من حكي فيصلك الرد فورا :

" هكذا نعيش على جزيرة شحيحة مقترة ، لا تعطى لنا سرا إلا في غفلة منا ، وعلى سهوة كل عشر سنين تزيد أو تقصر ، طيبة أم شقية ، قحط أم رخية .. المهم أن تأتى حبكتها ، وعقدتها في صرة مكر يزدرى بمكرنا ، ويسفه خبثنا .. لا تسأل سؤالا لا إجابة له، فهو يا ابن الدنيا – السؤال الذى لا إجابة له – سؤال شؤم ." .

هل قال السارد شيئا عن الحبكة ؟ وهل تحدث عن العقدة ؟ وهل نطق بلسان مبين عن المكر الفني الذي هو البداية الحاشدة والأصيلة لما يجرى أمامه من وقائع في غاية الإدهاش ؟
بالطبع يوفر لنا محسن يونس مادة حكائية أجتلبها من أساطير جزيرته ، وللماء سحر وهواجس وطشطشات . للماء أقانيم سهر ومراوغة واحتيال . وللماء طهر ونقاء واتساع . هل يمكننا أن ندعي أن الحكاية تضم في آصرة واحدة كل ذلك الحكي الحي الموار بعذابات البشر .
تعالوا وتأملوا عدد الجياد ، فتجدها 14 وهي ضعف الرقم المبروك المبارك : 7 والذي تدور حوله الكثير من التصورات ، ولاحظوا دوائر الحكي التي تصنع في استدارتها منطقة للولوج إلى كل ما معناه الخصوبة والعطاء والتوالد في كل صوره .
خطة الكتابة تتضمن هذا الحفر المتواصل في طبقات السرد الشعبي بثقله التراثي للتعرف على العلاقات الممكنة للجياد في تعاملها مع البشر . لكنها جياد ليست في صورتها الطبيعية المحدودة . إنها تمتلك طاقات أخرى ساحرة تليق بمستويات من الحكي الطيع والمتوفز غير محدودة :

" المهم أربعة عشر جميلا .. ثمان وعشرون عينا ، لكل عين جوهرة في حجم البيضة .. كانوا ينظرون إلينا .. الحصان أقيمت بسرجه ممالك .. الحصان أطيح بسنابكه ممالك .. الحصان مخلوق مغامر نبيل المرح ، حسن المزاج ، لجسمه رشاقة .. كانوا ينظرون إلينا .. الأربعة عشر جميلا .. أربعة عشر حصانا في مقابل أوادم جزيرة ، مرت بخاطرهم طرفة ركوب الأحصنة مثل القوارب ، تسبح في البحر ذاهبة بهم إلى بلاد ومدن ، لناسها الأحلام توازن الخيبات ، وتتعادل الأفراح مع الأطراح " .

هنا تلخيص وتخصيص للجياد ، ورصد دقيق لأمكانياتها المذهلة ، لكن الغريب أنها حينما تتماس مع العالم الأرضي تفقد كل ما لديها من سحر وسمو وعلو وتهبط لمنطقة المكائد والرغبات والعثرات المتبادلة بين البشر والحجر أو لنزحزح المعلومة ونحررها من وضعيتها الراسخة لتكون فعلا آنيا هو العلاقة بين البشر والعجم أي الحيوان كما يقول العرب .
نقول أن محسن يونس أراد أن يدرك ما في طبيعة الحكي من نطاقات تخييلية لكنه لم يرد أن ينقض ما في ذاكرته من حكايات الجدات أو أساطير ديامو . لقد مزج هذا وذاك وكانت النتيجة باهرة . حكايات تجمع بين المعقولية والتخييل في نطاقات جد تغريبية ، وعبر حواديت تولد المفارقات وتتهيأ للمكابدات ، وتعترف بالعثرات ودوائر الانحناء :

" أربعة عشر حصانا جميلا .. كلمات أربع تعبر عن حضور لم نألفه من قبل .. أضفنا إليها كلمات جديدة : أربعة عشر حصانا جميلا بلا صاحب أو راع ، خلقت هكذا على أرض جزيرة ، قالت امرأة : " أمسكوا " بفرسة " لها ضرع بالضرع لبن " كانت تريده يشفى الولد من الخرس المباغت ، أصابه في وقوع الحجر المتداعى ، لمس كتفه ، وسحق كلبه تماما في لحظة ".

من سمو الجياد ونصاعة جباهها إلى عوامل النقص والسقوط والانسحاق تأتي المزاوجة وتنشأ الأحداث في خلفية البشر لا الحجر . وهنا يكون الهبوط درجة درجة لكي تنشأ العلاقات في بعدها التاريخي ونمطها المترتب مع الزمن :

" قلنا : " علينا بها " لكل حجر وضع .. عين واحدة جاحظة بنيران بأس ، شيالة لهوس إزاحة الغير ، العين الثانية أطمسها من جعل من الحجر هذا الحضور .. قدم أمامية تدق وتهشم ، ولا راد لطلوعها ونزولها ، والأقدام الثلاثة ترتكز في اتزان، تحمل جسد الراكب – أمن الفراعين أم البطالمة؟! .. عرب أم جراكـسة ؟! – يصوب حربة أكيدة العزم .. خمسة رجال يرفعون الأذرع استغاثة و مذلة ، وهم يرتمون على الأرض في عار من اندحر ، والفحل يقبل على دعسهم مدفوعا بحمية فارسه "..

هنا محاولة للقبض على مدلول تاريخي وارتهان واقعي ، وترديدات تربط اليومي المعاش بالتاريخي الأبدي حتى لو كان مسجلا في نقش الحجر الذي هو الآخر يعتوره ما عند الانسان من عوامل تعرية ونقص وفساد .
لكنني سألت نفسي عن سر الأقوام التي ورد ذكرها هنا من فراعنة وبطالمة وعرب وروم فإذا هم الغزاة في فتوحاتهم . لقد داسوا ارض " ديامو " عبر الأزمنة واندثروا ككل شيء عابر وطأ هذه الأرض المقدسة ، وبقى الإنسان البسيط رهين حكاياته ، وأساطيره وحظه الذي قد يكون صاعدا أو هابطا. نستطيع القول أن براعة الكاتب تجلت في تفجير الدلالات المفتوحة المتولدة من دوران الأحداث التي تبدو واقعية مع لمسة تأمل لا تستمر طويلا. وسوف نرى أن كل حكاية كان لها مدى من سخرية وتفاصيل ومنمنمات تؤكد لك أن لها من الواقع نصيب يتزايد مع الولوج للتفاصيل دون إغفال المشهد الكلي الحاوي لكافة التعرجات الثانوية الثاوية في غبار أزمنة منكسرة فات أوانها .
. لكنك لو تأملت الواقعة فسوف تمتليء سخرية وأنت تتأكد من جديد أن الجميل جميل والقبيح قبيح ، وهي فكرة الزمن الدائري الذي لا يعرف استطالة . تعالوا مع هذه الحدوتة الماكرة التي يسوقها لنا الكاتب بكل تفصيلاتها :

" .. هل قال الحجر ؟! ضحك عجوز ، وقـال : " كان زمان .. تفرجوا .. " قالت أم الولد : " حجارة و رسوم .. هاتوا لبن الفرسة أهم .. " كانت تجذبنا من الملابس .. الشاب حمدين التابعى إللى كان يعشق البنت أمال ، وإللى كان مريضا بمرض المنجلية ، كان الشاب يريد إثبات شجاعته ، ومروءته ، لعل أبا البنت يرضى عنه ، صاح : " أنا لها " أعطته المرأة وعاء ، ونزل إلى حيث الأربعة عشر ، و الجميل للجميل يا جميل .. صفر بشفتيه ، انتبهت الأحصنة إليه ، ثم تشاغلت عنه، قال لنفسه : " أعرف الآن حكايتها .. من أراد غزو ديامو تركها على الجزيرة .. ولكنها كيف عاشت عشرات السنين ؟! " الشاب لم يتعب نفسه في البحث عن إجابة ، هى هذه الفرسة الصهباء لها ضرع ، والضرع مملوء باللبن ، وخلفها مهر .. بالطبطبة يبعده عن أمه ، فلا يزاحم ، أقعى واضعا الوعاء بين ركبتيه ، مد يديه ، ولمس لمسة سريعة حنونة حلمات الضرع ، كوم بعدها يديه حولـها ، وقبض ، في هذه اللحظة أبعدت الفرسة الصهباء ذات الضرع المملوء باللبن خلفيتيها ، وقوست جذعها ، ثم هدر شلال سيال من بولها نازلا يطرطش على رأس الشاب حمدين التابعى الشجاع ، صاحب المروءة ، الذى جمد على وضعه حتى ارتاحت الفرسة من امتلاء مثانتها ، ومضت تلحق بالأحصنة المتوجهة إلى الوسعاية أمام جدار الحجارة ".

هكذا يكون نصيب الشاب مكيدة من صنع حصان لا يتطق لكنه أكثر فصاحة في فعله الساخر من البشر إنه الشيء الذي لم يكن في الحسبان ، وكأن الكاتب يريد أن يتحدث عن نظرية اللعب في الفن ، فالحياة تخضع لعنصر الاحتمالات ، ولا يمكن الركون لحقيقة أدبية راسخة . وهو ما سيتكرر في حكايات أعتبرها كما سبق وأن أشرت البنى الصغرة للمادة الحكائية فما حدث لحمدين التابعي سيتكرر بصورة أخرى للبهلوان . فكرة الاجتراء على البشر . الحجر هنا حالة تحوله وتفاعله مع البشري يبدو منتصرا وعلويا، وهو ما يمكن أن يعلي من قيمة " الحدوتة " ويرفعها من نطقاقها الرصدي المحايد :

" البهلوان عطية النكات إللى يضحك طوب الأرض ، مفجر النكات ومبتدعها ، قد سبق تعرفكم عليه تخلف إلى بقعة عتماء ، قرفص ، وتلفت .. هل سمع أحد صوت ضراطه ؟ كان الحصان ينخر ، وهو يمد منخاريه برقبته الطويلة في صدر البهلوان ، والبهلوان يحل لفة الحبل حول وسطه ، يعقد عقدة على الرقبـة ، ويعقد عقدة أخرى على قدمه حتى ينتهى ، صـاح : " أمسكته .. هو ملكى " .. لم يعرف البهلوان أبدا تغطية عريه ، كيف يغطى عريه والحصان لا يعطيه فرصة ، وحاله يقول : جئت تصيده صادك يا حلو .. الحصان يخب في الأرض الخراب أمام الجدار ، والسروال معلق بالقدمين ، لا تطوله اليد ، قلنا : " خلص القدم يا مغفل "
حينما توقف الحصان أخذ يهش بذيله فوق مؤخرة البهلوان العارية ، هتف شاب يرتكن إلى الجدار بيننا : " بيضاء .. و مدورة .. " شتمه البهلوان ، الذى ظل على وضعه يخاف أن ينقلب على وجهه
فتظهر سوءته ، أسرع ، ونزل إليه يخرجه من ورطته بأن فك عقدة الحبل حول القدم ، وأتى بفعلة غريبة ، ضرب الحصان على كفله " .
وهكذا كانت خيبة جديدة والجواد الفرد هو تلخيص ل14 جوادا جميلا تحرروا من مواضعات الحجر وانطلقوا صوب الجزيرة التي تقلقلت أحجارها وهي تشاهد ما يحدث على أرضها من أحداث ربما يأتي جيل لن يصدقها وسيعتبرها خرافات لا أكثر .
وربما ما سيظل يميز تجربة محسن يونس هذا البعد الحسي الذي يسيطر على تجربته فهو لا يخضع لخيال كامل كما أنه شديد الاقتناع بما في الحياة من تيار عارم يحرك البوصلة في اتجاهها السليم . لذلك ستدهش أنه سيتخلى جزئيا عن حكاياته ليصدمك بمادته المعرفية التي هي من أحشاء الأحداث لا هي غريبة ولا مستغربة . إن التأمل الهاديء الرصين ينبغي أن يفضي بك إلى هذه الحقيقة :
" اللهاث بعد المطاردة يظهر ، يعطيه الرسم بلا أى ستر ، الفحل يناوش " الفرسة " ثم يعتليها .. عضة القواطع تمسك بخط العرف .. استكانة غاوية ، يقابلها همة وقصد صدوق .. حمحمة الارتواء أيقظت النشوى في بهيمة الجزيرة و أوادمها ، فالحمير نزت في تعاريشها ، والبقر تجاوب نعيره أرجاء الجزيرة ، والكلاب تهارشت تحت شجرات النبق الثلاث ، وتنهدت النساء والرجال يسمعهن عذب الكلام ، بما لا يصح إلا في خلوة" .

تلك نزعة أكيدة في كتابات يونس وهي تتكرر بأشكال أخرى في غالبية نصوصه التي تعتمد على مهارة الحكي وعلى غرائبية اللقطة وعلى حيوية الأحداث التي يندس فيها خيط رفيع مصقول من ترديدات السخرية التي تستدعي البهجة لا المرارة وهو مزاج شعبي أصيل سبق أن تعرفنا عليه فيمجموعات منها " الأمثال في الكلام تضيء " و " يوم للفرح " و " الكلام هنا للمساكين " حيث يتأمل الكاتب أحوال البشر ، ويدون سكناتهم وحركاتهم ثم يطلق زفرة حارة من الأعماق وكأنه يقول في نبرة أسيانة : " ما أشد ما تعيشون فيه من مكابدات الفقر الروحي ومن سوءات الضلالات الفكرية! ".
نعود للجياد التي احتلت مساحة واسعة من الحكي فنجدها هي الواقع والترميز والعنصر الأكثر حياة وهاكم ما حدث للحاج درويش الذي يزيد في درجة تعاسته عن الاثنين الآخرين " حمدين التابعي " و" البهلوان عطية " ، وتعالوا نستعيد مشهد القضم:

"الحاج درويش صاحب المال و البنين ، وإللى مر خبره ، كان يجلس أمام بيته الأبهة ، وحوله ناس مما ينافقون ويمسحون الجوخ لأمثاله ، عندما هل عليهم حصان آية في الحسن رشاقة ونبالة ، تطلع إليه الحاج درويش ، وقال : " آه لو أمتلكه ؟! " قال بعضهم : " إنه ركوبة ذلول للملوك يا حاج " انتفخ الحاج ، والحصان يأتى إلى حجره ، صاح أحدهم : " إنه يحبك يا حاج "
كانت في حجر الحاج خستان خضراوان ريانتان ، يستعد ليستمتع بأكل أوراقهما ، لأنه يحب كل ما هو أخضر، هكذا قال للجميع ، إلا أن الحصان مد رقبته ، وفتح أشفاره ، والحاج يقول للناس من حوله : " انتهت .. الحصان لى .. أكيد "
صرخ الحاج رافعا ذراعيه يولول موقعا بهما ، فالحصان التهم الخستين ، ومعهما عضو رجولته ، نفر الحصان مغادرا المكان ، وهو يرفس الهواء حتى اختفى خلف العلاية ، والحاج درويش أغمى عليه ، ولما أفاق بعد رش الماء على وجهه ، وتدليك صدغيه ، كان يوحوح ، ويصيح : إصبعي الوسطى " .

وهكذا عبر هذه الأحداث التي توشك أن تكون من نسيج واقعي يمكننا أن نتأمل ما في الحياة من علاقة بين البشر والحيوان الأخرص ، لكأن الأقدار تولي الناس اهتمامها الأصيل من اختيارات ووقائع ومحن لتكشف فقرهم وعوزهم الروحي وتفاهة مصائرهم.
يبقى الحكي هو الوسيط بين المشاعر المتأججة وبين الواقع البارد المحايد الصامت . البشر لديهم سخونة الأحاسيس أو رهافتها أما الحجر الصامت ـ وقد تشكل في هيئة أحصنة ـ فهو يرفس ويقضم ويناور ويحقق النقص والنكوص والكتمان : ألما ورعبا وتصاغرا.
الجياد من الحجر تخرج وإليه تعود ، فإن كانت قد داهمت جزيرة " ديامو" وتلاعبت برجالها فهي تعود ثانية إلى شموخها لتكون ورقة الحرب الرابحة : " صاح صائح : " ماهى إلا رسوم ماتت في الحجر من فعل أقوام سبقت .. انتبهوا لأفعالكم "
قلنا : " إن بها سحر .. الماضى جميل يا عم !! "
نطقنا بها .. سبقنا اللسان ، وخرجت ، ولن تعود ..
مع أن الزمان له وجه ، وللوجه ظهر ، وتقلبنا في حيرة بين الوجه والظهر.
أين نقف بالضبط ؟!
هذه الرسوم ليست لأجدادنا .
هذه الأحصنة ليست لنا .
أربعة عشر فارسا ، لكل فارس مهابة ، وقدرة وشطارة .. أربعة عشر مهيبا .. ثمان وعشرون عينا زرقاء ، تنبسط خارطة ديامو تحت أقدامهم .. هذا بحرنا .. هذا جدارنا .. هذه بيوتنا ، ومراكبنا ، بهائمنا ، ورائحتنا ترف في المكان ، تنغرس في الخارطة حربة عليها عـلم ، في العلم بلطة ناصعة النصل تفلق رأس أسد مهول اللبدة لنصفين .. أربعة عشر فارسا مهيبا وجسيما ، يرتدون عدة الحرب ، لباس حديدى يغطى الجسد ، أربعة عشر جسدا حديديا يقفون في الحجر ، يخلع كل فارس خوذة رأسه الحديدية بها ثقبان للعينين ، يسندها بقلاطة إلى ذراع حديدى، ينثني على أسفل الصدر ، للذراع كف يد يختفى داخل قفاز مشغول بفتل ناعمة من الخيوط الحديدية " .

هنا ترق اللغة ، وتكتسب العبارات طابعا أسطوريا شفيفا . هنا حنين لتلك الفترة التي شهدت سموق وعلو القدرات الحربية للبشر . لذا سيتحول الأمر للفرسان الذين يقودون الجياد . وتبقى جزيرة ديامو هي المكان الذي يتسع لكل حكي . يبقى السرد هو موجة متجددة للتعبير عن فكرة أن الإنسان كائن حكاء بطبعه. ويبقى أن نشير كذلك إلى أن " الحواديت " يتم نسجها في فترات التعثر والانهزام والخضوع. الحكي مجاهدة ومحاولة للتخلص من هذا الشعور العارم بالانكسار .
لذا لن يكون غريبا أن تتم الإشارة إلى أن المسألة كلها لعبة فنية لكنها مؤسسة على ما بداخلنا من مشاعر حقيقية تستدعي كل شعور بالكينونة :

" أربعة عشر فارسا حديديا وديامو جزيرة مكشوفة الصدر والبطن .. من يطرق الأبواب ؟ لماذا نخاف ؟! هكسوس ؟!... من يطرق الأبواب ؟! .. إنجلوساكسون ؟! .. يونان ؟! .. فرنسيس ؟! .. رومان ؟! .. من يطرق الأبواب ؟! .. رعاة أم زارعون ؟! .. صيادون أم تجار ؟! .. أصحاب علم أم جهال؟! مال وبنون ؟ أم فقر و احتياج ؟! وفرة أم سلفة وديون ؟! لماذا نخاف ؟!.. ديامو ؟! .... سكانها؟ .. أربعة عشر فارسا حديديا مهيبا أولاد كلاب .. قال العجوز : أحيانا يخسر الإنسان بدون أسباب .. صحنا : أحيانا تخسر البلاد بدون أسـباب!! طأطأ العجوز برأسه وقال : " فعلا .. هؤلاء القدماء جبابرة .. لا رحمة .. ولا شفقة .." قلنا له : " غيرك يا عجوز يقول عنهم عظماء أفضل منا ".

مثل هذا الاعتراف الأقرب إلى النحيب نراه يتكرر بمواضعات أخرى مع تسجيل دقيق للأحداث التي تقلبت فيها أمور "ديامو" كبلد ومستقر ووطن . وتكمن الحكمة في تضاعيف الحكي ، وهو الشيء الذي يحققه محسن يونس في هذه الحكايات الجنينية التي تتواصل وتشكل خلفية للمشهد الذي يستدعي الحرب والمصادمة والمباغتة منذ آلاف السنين . من يمتلك الجياد يمكنه أن يركب البر ويخضع الممالك بحد السيف اللماع . ربما كانت اللمسات العاطفية والمطولات العاطفية تتقلص وتحتجب كما نرى في هذا البوح السردي :

" البنت بنوت" ، و إللى كانت مأخوذة ، تهتك ستر مكنونها بقولها العلنى : " أنا لك ، وأنت لى .. حبيبة لمراد .. ومراد لحبيبة " حاولت قصف الساق ، أغمضت عينيها ، وارتجفت شفتاها كأن جسدها لامسته كف ذكرها المحبوب.
زغدت بأيدينا في صدرها ، وأبعدت للخلف ، وقيل لها : " جواك براك يا خائبة .. علمي نفسك الحكمة والكذب "
كنا ننظر للوردة تنبت بين حجرين .. وردة أينعت بين حجرين .. هنا جراح ظالمة ، وهنا بتر ودم ، لم نرغب في تصديق ذلك !!
صرخ العجوز فجأة : " الأعداء .. الأعداء ".

نعم يمكن أن يطلع الأعداء من المياه كما يمكنهم أن ينبثقوا من الحجر ليعيدوا لنا تمثيل مشهد القهر التاريخي الذي شكل وجه الجغرافيا إتكاء على حلقة ضعيفة من حلقات التاريخ :

" كانت الأرض ترتجف ، ست وخمسون قدما للموت تدكها .. ست وخمسون قدما للموت تسعى نحونا .. ست وخمسون قدما لأربعة عشر حصانا لكل منهم غضبة تختلف ، إلا أنهم جميعا شر يتقدم ، الولد المصاب بالخرس نطق ساعتها ، ظل يجرى يمينا وشمالا ، وأمه تحاول مسك يده .. ست وخمسون قدما للموت ، خلفنا جدار الحجارة ، وأمامنا أربعة عشر شرا يهجم، في الحجر أربعة عشر فارسا فوق أربعة عشر حصانا ، يلوحون بالسيوف ، ثم يتوقفون عن التلويح بها ، ويثبتونها في وضع مستقيم مشيرة إلى قلوبنا ، كانوا يرطنون بلغة آمرة ، لم نتعرف إلا على تلك الكلمة الوحيدة : " استسلموا .. "
خر البهلوان عطية على ركبتيه صائحا : " أنا أستسلم بالعشرة " .. صرخنا في وجهه : " اثبت يا حمار .. هم في الحجر ، وهؤلاء بقايا غزوة قديمة " .
ضحك ، وقال ساخرا : " الآن فهمتم النكتة . " .

ليست نكتة بحال ولو جاءت هكذا عرضا على لسان البهلوان . لكنها في رأيي حقيقة الحياة حين تكون للقوة الخرصاء كل هذا القدر من التحكم في مصائر الشعوب ومواضعات البشر.
إن السيوف لم تزل مسلطة إلى القلوب رغم مرور سنوات طويلة ، ويبدو أن موعظة " ديامو " تكتمل هذه الأيام حين نرى لمعة السيوف الغازية ـ لعل بديلها هو الدبابات الأمريكية ـ في وقدة الشمس التي تنعكس على جباه عربية مطرقة . لكنها بالقطع ليست هي أربعة عشر جوادا فقط بل أنها ـ أقصد تلك الجياد ـ لم تكن سوى طليعة الغزوة الأخيرة التي تبتغي سلب " ديامو" من أيدي أبنائها . أو نهب كل جزيرة أخرى تحلم أن تتحرر من الخرافة ، وتحلم بغد لا قراصنة فيه ولا بغزاة يرطنون بلغة لا تعرفها هذه الأرض المجيدة !

سمير الفيل 10/ 6/ 2006.

محمد سنجر
10-06-2006, 04:37 PM
أبدعت أستاذنا سمير الفيل
الله الله الله
لقد لمست حروف أستاذنا الفاضل محسن يونس
فإذا بهل تنساب بين أناملك
لتتساقط علينا رذاذا بكرا
و كأنني لم أقرأ القصة مرارا
فأنا من أشد المعجبين بإسلوب أستاذنا الفاضل محسن يونس
الذي يأخذنا بين جناحي خياله الخصيب
ليطير بنا عبر ممالك المجهول
تملؤنا رغبة متطلعة شغوفة
لمعرفة ما تحمله الحروف التالية المتسربة من بين ثنايا قلمه المبدع
دمتم لنا نورا يضيء هذه المنتديات المنيرة بأقلامكم الطيبة
و جزاكم الله عنا خيرا

محسن يونس
03-07-2006, 12:46 PM
الصديق المبدع : سمير الفيل
حينما قرأت دراستك عن نص " دائما نراها " تأكد عندى أننا نسير فى الطريق الصحيحة ، وأن متذوقى الأدب الذين نسعى إليهم مازالوا موجودين والحمد لله ..
شكرا لك أيها الكاتب الكبير فقد أنارت كلماتك قاعة القصة القصيرة بمنتدانا أبناء مصر ..
دمت بخير
وتقبل تقديرى واحترامى

ثروت الخرباوي
14-07-2006, 07:56 PM
قصة غاية في الروعة والإتقان .. وأسلوب السرد ممتع يشد القارىء من أول كلمة .نحن أمام قاص متمكن متملك لأدواته.. لك كامل تقديري

محسن يونس
15-07-2006, 08:15 AM
الأخ العزيز : ثروت الخرباوي
شكرا لك .. أرجو أن أقدم دائما ما يليق بك ، ورواد المنتدى ..
تقبل تقديرى واحترامى ..
دمت بخير ..

نسمة ندا
30-07-2006, 03:43 PM
الله .. الله
كم هذه القصة عملا تعامل مع كل منجز الكتابة والخبرة الانسانية
كم تحتوى هذه القصة على موسيقى ابتكرها الكاتب ( أربعة عشر جميلا – والجمال نعمة ، كما أن القبح نقمة ، وقانا الله و إياكم قبح النفس ، أما قبح الخلقة ، فيكفى إغماض العين ، فلا يطرفها الأذى – أربعة عشر جميلا يتبختر .. كل جميل تضيئه وسامة خلقت له وحده .. أما فائق الجمال فيهم – الأربعة عشر – فهو الفحل القائد .. )
انظروا الى تتابع النغمة والضغظ على وتر السرد ..انها أشبه بتبختر الخيول

أرى أن الرؤية فيما يبدو قد وصلت رغم ما تصيبه من ارتباكات

( أن تقصد الفتح ... الغزو .... العربى)

أربعة عشر حصانا = أربعة عشر قرنا ( وهى مدة الفتح العربى )
النص لمن يتأنى وله دراية بمستوى التأويل يستطيع ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(كانت الأرض ترتجف ، ست وخمسون قدما للموت تدكها .. ست وخمسون قدما للموت تسعى نحونا .. ست وخمسون قدما لأربعة عشر حصانا لكل منهم غضبة تختلف ، إلا أنهم جميعا شر يتقدم )

هذا مقطع فى شدة التصوير والاستفادة من تقنيات السرد ... ويؤكد كـــــــــــــــــــــلامى
اقرؤا هذا المقطع أيضا

(خر البهلوان عطية على ركبتيه صائحا : " أنا أستسلم بالعشرة " )

من استسلم .. اذا .. لقد كان غزوا .. بل فتحا .. بل غزوا .. بل فتحـ ... بل غزوووا ... بل فتـــــ
..بل كان غزوووووووووا

عمل مهم على خريطة الكتابة الحقيقية
( لماذا نخاف ؟! هكسوس ؟!... من يطرق الأبواب ؟! .. إنجلوساكسون ؟! .. يونان ؟! .. فرنسيس ؟! .. رومان ؟! .. من يطرق الأبواب ؟! .. رعاة أم زارعون ؟! .. صيادون أم تجار ؟! .. أصحاب علم أم جهال؟! مال وبنون ؟ أم فقر و احتياج ) أعتقد أن رؤيتى صدقت

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يبقى فى النهاية وانا أهمس لكاتب جدير بالاحترام أن من الدفقات ما تأتى للكاتب أثناء الكتابة
ويراها جميلة ولكنها قد تكون ناشزة فى عمل له من الجلال ما له

(أطلقنا عليه : " أبو شخة " وكنا نضحك )

دمتم بخير وابداع

محسن يونس
05-08-2006, 07:17 PM
نسمة ندا
ياليتك تقرأين بذهن مفتوح أكثر ، ولا تضعين حدودا للكاتب ينبغى عليه ألا يتخطاها ..
فأنت لا تملكين وحدك الحقيقة ..
التأويل لك وحدك أما القصة فهى للناس ..
ومع ذلك أشكر لك هذا الحماس تجاه عمل قصصى مازال صاحبه يعتبر نفسه تلميذا فى مدرسة
واسعة باتساع العالم تسمى " الفن " الملتزم تجاه ناسه ..
دمت بخير

حنان الاغا
08-08-2006, 03:29 PM
نص يدعو للتأمل
أسلوب آسر حقا بسلاسته الظاهرة التي تخفي وراءها ما تخفي من حكايا عميقة ذات دلالات
والحوارات القصيرة المتناثرة بذكاء في جنبات النص أضفت نوعا من التحكم في تحرك السرد حركات تخدم النص ويريدها الكاتب
شكرا أخي محسن

محسن يونس
16-08-2006, 05:56 AM
المبدعة النبيلة :حنان الأغا
شكرا لك هذا المرور الطيب والتحليل الذى لم يقف أمام ظاهر الكلمات ..
بل بحث عن جوهرها ، هذه هى القراءة التى تخدم الكاتب ، وتدفعه للتأمل أكثر نحو هذا الجوهر ..
تقديرى واحترامى

محمد الهادي
16-08-2006, 02:09 PM
دائماً نراها
نص جميل ، استطاع بحرفية أن يصنع له نسقه الخاص الذي يبتعد عن المعاد والمكرر
واستطاع أيضا أن يصل لتخوم متفردة في فن القص
تحية لصاحب النص
وتحية لسمير الفيل الذي صنع بقراءته للنص عملا إبداعياً موازيا
خالص الود

محسن يونس
17-08-2006, 05:15 AM
الصديق المبدع محمد الهادى
صاحب النص ممتن لوجودك ..
فأمثالك من النبلاء يضفون المصداقية للكاتب والمكتوب ..
تواصل حميم ، ووعى بالرؤى .. هكذا يكون التواصل وينبغى أن يكون ..
شكرا لك


إسلاميات - معرض الصور - عيلة النجعاويه - سفر وسياحة - إنفلونزا الطيور - مدونات - الموبايل - المجلة - هريدي اورج - المصدر التعليمي - بريد مجاني - ألعاب فلاشية - قس سرعة النت - أركيد الألعاب - بحث