محمد الهادي
07-04-2006, 09:29 PM
شهادة إبداعية بعنوان
( صور فوتوغرافية ـ قصاصات مبتورة من شهادة ناقصة )
ألقيتها أمام مؤتمر ( الواقع الأدبي في الشرقية ) الذي عقد بجامعة الزقازيق في الفترة 28 ـ 29 مارس 2006 م
كذلك أمام مؤتمر ( خصوصية الإبداع في شرق الدلتا الثقافي ) الذي عقد بكفر الشيخ في الفترة من 4 ـ 6 إبريل 2006 م
ونشرت بجريدة العرب بلندن في 5 / 4 / 2006 م علي هذا الرابط
http://www.alarabonline.org/index.asp?p1=xcx
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهادة
صُور فوتوغرافية
[ قصاصات مبتورة من شهادة ناقصة ]
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
مطلوب منِّي أن أكتب شهادة ..
هذه ثاني شهادة أحاول كتابتها ، وكالمرَّة السابقة أسأل نفسي : ماذا عليَّ أن أكتب ؟ ..
أعرف أن الشهادة لابد وأن تكون جزءاً من الحديث عن الذات ، وذاتي ، حتَّى ولو كنت أمارس فعل الأدب ، ماذا تعنى للآخرين ؟ ، وإن كانت علي سبيل الفرض تعنى شيئاً .. ما يدريني أن ما أكتبه تحديداً سوف يتضمن ذلك المعنى ؟ ..
أحياناً أتطلع في الألبوم ، وأتأمل صوري الفوتوغرافية .. الأبيض والأسود التي التقطها لنا مصورو أسواق القرى بكاميراتهم القديمة ذات الجراب الأسود .. أو الملونة التي تدخلت فيها برامج أجهزة الكومبيوتر الحديثة في أستوديوهات المدن .. وأستعيد تلك اللحظات السحرية التي حاولت فيها ـ بسذاجة الريفي وتواطؤ المصور ـ تجميل ملامحي الخشنة .. الشعر المفروق اللامع بالدهن .. بسمة الشفتين الخادعة بسعادة زائفة .. ميل الكتفين تحت جاكت المصور .. رفع الرأس وخنق الرقبة برباط عنق ..
أتعنى هذه الشهادة الآن صورة أخرى من صور الألبوم ؟ .
***
جزيرة مطاوع ، قريتي التي تسكنني منذ طفولتي ، مازالت تأخذني لساحاتها الرملية الشاسعة ، الملآنة بنباتات شيطانية لها أزهار ملونة ( قال لي أحد زملائي الملتحين لا تقل شيطانية هذا حرام ! ) ، والتلال الأثرية الفرعونية القديمة الواقعة جنوبها ، الملآنة بالأسرار والحكايات والأساطير والسراديب وجحور الثعالب والذئاب والعفاريت وأبو رجل مسلوخة والتوَّاه وجنية ترعة بهجت ( التلال قاسم مشترك في كثير من أعمالي : رواية أنشودة الأيام الآتية ، رواية ضباب الفجر .. وغيرهما ) .. كنت لا أكف عن التسكع والصياعة بين دور الجزيرة المبعثرة والمتنافرة.. دور الفلاَّحين من شتى البلاد التي نزحوا منها .. أو دور العرب من شتى القبائل التي ينتمون إليها ( أهل الجزيرة كانوا يتندرون علي لهجاتهم المختلفة بنوع من السخرية ، لكن الجزيرة / المكان جعلتهم يتقاربون في قواسم مشتركة خلقها زمن يمضي علي قدم وساق ولا يغلبه غلاَّب ) .. الجزيرة رغم ضآلة مساحتها ، تختزل التركيبة التاريخية الأساسية للشعب المصري ..
ليل الجزيرة ليس ككل ليل ( هل يقول هذا كل أبناء القرى ؟ ) ، في الماضي ، الظلام الدامس يطوي عباءته علي الأسرار ، أو القمر المضيء نلتف فيه ـ نحن العيال ـ في حلقة بعد أن يهدنا تعب اللعب ـ لنحكي الحواديت ، هذه الحواديت ، مع حواديت أمي قبيل النوم كانت معلماً لي بلا أجر ( جمعت عدداً من الحواديت علي سبيل العزاء في كتاب بعنوان " ست الحسن والجمال " تحت الطبع مع دراسة قصيرة ) .
***
ما الذي جعلني أنا ابن القرى أحب الفن منذ نعومة أظافري ؟
سؤال لا أعرف إجابته تحديداً ، لقد وجدتُ نفسي أحب الفن التشكيلي وكنت أمارس الرسم كهواية حتى بعد تخرجي من الجامعة ، وأحب الأدب قراءة وإبداعاً : قصة ورواية ومسرح ، وأحب الغناء والتمثيل .. وغيرها من الفنون التي تخاطب العقل والوجدان ( أعترف بأن هذه نعمة من الله ) .. ما زلت أتعجب من أناس يناصبون الفن العداء ، بل ويحرمونه علي أنفسهم بأسانيد باطلة ، وأسأل نفسي كيف تنعم أرواحهم في هذه الدنيا الصعبة بالسلام ؟ .
***
تُحيِّي جزيرتي كل عام مولد " أبو مطاوع " ، وهو شيخ غير معروف نسبه أو أصله رغم انتساب الجزيرة إليه ، كانت النسوة يضئن قبته الرملية قبل بنايتها بالأسمنت المسلح بشموع ينذرنها له لقضاء حوائجهن .. ما زالت ذؤابات الشموع المضاءة في ظلام الليل علي الهضبة العالية بالجبانة تخايل عينيَّ حتى الآن ، وأنا أرفع كفيَّ وأقرأ الفاتحة علي روحه ..
( صنعت للشيخ " أبو مطاوع " حكاية تمتد من الفراعنة حتى العرب في رواية ضباب الفجر التي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة كما أنه موجود في كثير من قصصي ) .
***
قبل الروايات وبعدها كتبت القصة القصيرة علي خلفية أدباء كبار قادتني الصدف أن أقرأ لهم ، وأخذوني أخذاً لهذا الفن الجميل : الحكيم وإدريس وحقِّي والبدوي ..، وحاولت الكتابة ونشرت محاولاتي الأولى في مجلات حائط كنت أحررها برعاية معلمين عظام في مدرستي الإعدادية بالصوفية ( قرية كبيرة مجاورة للجزيرة تابعة لأولاد صقر بالشرقية ) ..
وكانت تتنازعني في هذا العمر المبكر رغبات عدة للمستقبل في أن أكون زعيماً سياسياً أو أديباً أو فناناً .. أو مهندساً أو طبيباً.. أو مطرباً أو ممثلاً إذاعياً ( لم يكن التليفزيون قد ظهر بعد وكنت عاشقاً للراديو ) .
***
نشر لي الأديب الراحل محسن الخيَّاط أول قصة في مجلة " أدب ونقد " في باب " كتابات جديدة " صدر لمرة واحدة بمقدمه منه ، بعد أن أعطيتها للناقدة فريدة النقاش ، التي قدمني لها ( بلدياتي ) السياسي الراحل لطفي واكد نائب رئيس حزب التجمع ، كان عنوان القصة ( المباطحة ) ، بعدها انتقل الخيَّاط لجريدة الجمهورية لينشر لي العديد من القصص فيما بعد دون أن يعرفني إلاَّ من خلال طابع البريد .. كان رجلاً عظيماً قدَّم الكثيرين من أبناء جيلي .. لم ألتق به إلاَّ مرة واحدة في مؤتمر أدبي عقد بأسوان كان قد رشحني إليه .
ولعب دوراً مماثلاً في حياتي الأديب محمد جبريل الذي احتضن كثيراً من أعمالي ونشرها في صفحاته الأدبية التي يشرف عليها ..
والحقيقة ـ حتى لا أنسى ـ أن هناك كثيرين وقفوا بجواري واحتضنوا إبداعي مثل عبد العال الحمامصي ومحمود العزب وعبد القادر القط وغيرهم ..
***
كنت قد عرفت طريق المسابقات الأدبية ، في محاولة مستمرة لإثبات الذات أمام واقع تقل فيه فرص النشر .. هناك بالتجربة مسابقات ( أي كلام ) وأخرى تستحق الاحترام وشرف المشاركة ، رغم هذا فإنني لم أكتب خصيصاً عملا إبداعياً من أجل المشاركة في أي مسابقة ، بل كانت مشاركاتي محض المصادفات السعيدة في الغالب الأعم ، كأن أقرأ إعلاناً أو يدلني صديق ، إلاَّ في مسابقة وحيدة كان ينظمها إلي وقت قريب نادي حائل الأدبي بالسعودية علي موقعه الإلكتروني ، كانت المسابقة تتضمن مقدمة عامة ونهاية للقصة ، وعلي المتسابق أن يلتزم بهما ويملأ الفراغ بينهما بقصَّة من خياله ، أمر طريف ينتهي برؤى مختلفة لأدباء من شتَّى الأقطار .. ولقد حالفني الحظ أن شاركت وفزت في مسابقات عديدة : نادي القصة وجائزة سعاد الصباح وجائزة إحسان عبد القدوس وصحيفة المساء والشئون المعنوية للقوات المسلحة والمجلس الأعلى للشباب والرياضة وإذاعة صوت العرب وإذاعة القناة ونادي جيزان الأدبي وحائل الأدبي ولها أون لاين والمجلس الأعلى للثقافة وقصور الثقافة وغيرها ..
فعلت هذا وأنا أؤمن بأن المسابقات لا تصنع أديباً ، أعرف هذا جيداً ، لكنني أعتقد أن أفضلها من كانت تتيح لي فرصة طبع العمل الفائز ( روايتي الأولى أنشودة الأيام الآتية كانت فائزة بجائزة د . سعاد الصباح وطبعت طبعتها الأولى في هيئة الكتاب ) .
***
مسألة النشر في مصر مسألة عجيبة ، فالسوق نائم بالتعبير الاقتصادي الشعبي ، لا أحد يقرأ ، والكتاب لدى الناشر / التاجر سلعة لها دورة ينبغي أن تنتهي بتحقيق الربح ، ونجيب محفوظ أعظم كاتب هنا لا يطبع إلاَّ بضعة آلاف يتم توزيعها علي سنوات .. فصار الأدباء نتيجة لهذا هم الذين يدفعون التكلفة وليس العكس كما يحدث في دول العالم ..
قد تبدو هذه النظرة لحال الكتاب والكتَّاب تشاؤمية ، لكن بعض التفاؤل قد يغير من الصورة إذا ما تعاظمت أدوار مؤسسات وزارة الثقافة في دعم وتقديم الكتاب ، فحجم مصر ودورها التاريخي علي المستوى العالمي والعربي يحتم هذا الدور دون تأخير ..
ويبدو أن السلبيات علي مستوى معين يمكن أن تقود لسلبيات أخرى ، أهمها هؤلاء المدعين الذين اقتحموا النشر بنقودهم ، كي ينشروا أعمالاً رديئة بمسميات مختلفة ، في الوقت الذي يتوارى فيه مبدعون حقيقيون ، انتظاراً لفرصة نشر في السلاسل الرسمية ، قد تمتد لسنوات طوال ( أحد المسئولين عن النشر بمؤسسة ثقافية أخبرني أن سلسلة أدبية شهرية مجاز بها أكثر من 200 عمل ، أي أن قائمة الانتظار ممتدة لعشرين عاماً قادمة ) ..
في الستينيات ، ومع تنامي النهضة التعليمية لأبناء الشعب ، كان مأمولا أن تتنامى الثقافة طردياً بالتوازي ، وأن يظل الكتاب الرخيص في متناول أجيال جديدة تحترمه ، بل وتتباهى بامتلاكه .. أليس الحكيم الفرعوني القديم هو الذي قال لابنه : احب الكتاب كما تحب أمك .. وكان هذا منذ آلاف السنين .. لماذا حدث التنامي عكسياً ؟! .
***
في أحد أحياء القاهرة المكتظة رأيت أفندية نظيفي الملبس وسيدات جميلات علي آخر موضة وأطفال كالملائكة يخرجون ويدخلون لعمائر سكنية مزروعة في أكوام زبالة ، دون أن يطرف لهم رمش أو يضعوا حتى إصبعاً واحداً علي أنوفهم ! ..
هل هذا لا مبالاة وانعدام حس؟ هل لغياب الثقافة دور فيما يحدث ؟ ..
مدارس حكومية مفتوحة ، وطلبة متجهون عكسياً لأوكار الدروس الخصوصية .. مستشفيات مكتملة البناء وبها أطباء وتمورجية ، ومرضى يبحثون عن العلاج بشق الأنفس في العيادات والمستشفيات الخاصة .. لحى طويلة ونساء محجبات ومنقبات ومساجد مكتظة بالمصلين في ظاهرة تدين كاذبة يفصح عنها فساد الواقع في الشوارع والبيوت ..
ماذا يعنى وجود مؤسسات حكومية أو مدنية فقدت دورها الوظيفي ؟ .
لقد رأيت معلمات منقبات يهربن من تدريس حصصهن بالمدرسة إلي مساجد يستمعن فيها دروس دينية ! .. كيف يستقيم هذا ؟ هل أصاب المجتمع نوع ما من الانفصام ؟ .
***
كان الناس إلي وقت قريب يلتقون كل شهر علي صوت أم كلثوم .. علام يلتقون اليوم من طرب ؟ ومن هؤلاء الذين يؤثمون سماع الأغاني.. كاسيتات العربات لا تكف عن الزعيق بالزجر والوعيد من شرائط الدعاة الجدد وأهل الفتوى من مشايخ البزنس ، الذين يحثُّون الناس المهمومة بلقمة العيش علي هجر الدنيا من أجل الآخرة ، لقد جعل هؤلاء من الإسلام الواحد أكثر من إسلام .
أعتقد أن الإسلام الحقيقي هو ما رأيته ببساطة في الجزيرة .. فلاح يفلح بجد في أرضه ، وعندما يحين موعد الصلاة يذهب للمصلَّى الطيني الصغير علي ريشة الترعة ليصلي ..
قصتي ( هجرة ) إدانة للتدين الأعمى .
***
هل طال انتظار مصر للخروج من تخلفها ؟ ومتى لصاحبة الحضارة العظيمة أن تأخذ مكانها اللائق تحت الشمس ؟ أن مصر كالقاطرة إذا ما انطلقت سوف تأخذ في ذيلها دول المنطقة كلّها ، لقد ظل الصراع العربي الإسرائيلي هو العائق الأساسي أمام تقدمنا لأكثر من نصف قرن مضى ، مع انحياز أعمى للغرب الأوروبي ، وأمريكا التي صارت قطباً أوحد يزيد الطين بلَّة ( كثير من رواياتي وقصصي تتناول هذا الصراع ، علي سبيل المثال لا الحصر رواية " أنشودة الأيام الآتية " ورواية " الأحلام تتداعى " وعشرات من القصص القصيرة ) ..
***
صحيح أننا عرب ، لكن مصر ليست ككل العرب .. نحن خلطة تمثل العروبة طبقة من طبقاتها ، أو هي واحدة من الأعمدة السبعة التي أشار إليها ميلاد حنا في كتابه ؟ .. أنا مع تدريس اللغة المصرية القديمة للطلاب .. لقد ظللنا نكتب بنفس أقلام البوص التي كان أجدادنا يكتبون بها وبنفس الطريقة.. أنظر إلي الكتاتيب في الأرياف وإلي تماثيل الكاتب المصري الجالس وإلي مخطوطات البردي باللغة القديمة ..
( مسرحيتي الأخوان من فصل واحد تعتمد علي القصة الفرعونية القديمة " الصدق والكذب " وقد تم تحويلها لمسلسل إذاعي بنفس الاسم .. كذلك قصة " خيول النهر " تعتمد علي أسطورة فرعونية قديمة ) .
أعتقد ، أحيانا ، أننا أفضل حالاً من جيراننا الذين أصابهم ثراء النفط ..
في الحقبة النفطية انتقل المصريون بالملايين إلي هناك للعمل ، وجاءوا هم إلي هنا بأعداد أقل للسياحة والفرجة .. المؤلم أن بعضنا ـ ممن ذهبوا وعادوا ـ استورد من هناك قيم البداوة ومظاهرها المتخلفة وربطها بالإسلام ظلماً ، لقد رأيت بعضها يمشي علي قدمين غريبتين تدبان علي رمال جزيرتي بصور شتَّى ( سمعت أحدهم يؤذن للصلاة بصوت غريب ويقول إنه الأذان الشرعي ) ، ورغم هذا ظل الانتعاش النفطي هنا شكلياً ، لم يمتد لجوهر الاقتصاد فيقفز به للتطور .. فلاحو الجزيرة اغتربوا لسنوات وعادوا ليستبدلوا بيوت الطين ببيوت الحجارة والأسمنت ، ويتباهون بأجهزة التليفزيون والكاسيت وغيرها .. وهجر بعضهم الأرض واستبدلوا الجلابيب الفلاَّحي بالدشاديش البيضاء .. ( روايتي عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي الصادرة عن اتحاد الكتَّاب ) ترصد ظاهرة الخوزقة النفطية التي طالت الجميع بلا استثناء .
***
لقد ظللنا لسنوات نتشدق بشعارات كبرى : الديموقراطية .. الاشتراكية .. العدالة الاجتماعية .. الثورة الخضراء .. ألخ .. مسميات كثيرة لها طنين أجوف عال بلا مدلول حقيقي ..
( رصدت هذه الظواهر في رواية ضباب الفجر )
***
بعد هذه السنوات الطويلة من كتابة القصة ما زال بعض زملاء العمل الحكومي ( أعمل موجه أول أحياء بإدارة فاقوس التعليمية ) ينادونني بالشاعر ، رغم أني لم أقترف جريمة كتابة بيت واحد من الشعر .. لكنه الواقع الذي يخاصم القراءة ويصير فيه ثمن الجريدة اليومية عبئاً اقتصادياً مكلفاً، ويختزل الأدب بكافة مسمياته في شعر يصيح به بعض الموظفين في المناسبات ..
قرأت مؤخراً رأيا لبعض كبار الأدباء يقول أن القصة القصيرة في مأزق يمكن أن يؤدي لانقراضها ، وأنها تعاني من مشكلة ، ولقد حفزني هذا الرأي علي ألرد عليه بالصحف ومواقع الانترنت ، مؤكداً أن هذا يحدث في مصر فقط للأسف علي مستوى النشر وليس علي مستوى الإبداع ، لأسباب يطول شرحها ، أهمها اختفاء الملاحق الأدبية من الصحف ، أو اقتصارها علي قصص بحجم راحة اليد .. عكس ما يحدث في كل دول العالم العربي التي تحتفي بالقصة القصيرة .
يوسف إدريس كان يقول أن الأدب العربي وأدب أمريكا اللاتينية هما الأعظم والأفضل والأهم بالمقارنة بالآداب الأخرى في العصر الحالي .. لكن الأدب العربي لا يحظ بما يحظى به أدب أمريكا اللاتينية الآن لأسباب كثيرة ، أهمها الغرب المعادي للعرب بسبب المشاكل السياسية العميقة ، واللغة العربية البعيدة عن اللغات الأوروبية عكس الأسبانية التي يكتب بها معظم كتاب أمريكا اللاتينية ، وغيرها من الأسباب التي تحول بيننا وبين المكان اللائق بنا .
***
الخبرة علمتني أن أتعامل مع الأدباء بحذر ، رغم أنني أنسى هذا الحذر كل مرَّة ، الفنون جنون كما يقولون ، وكل مبدع ممسوس بدرجة ما بهذا الجنون ، ومن تحسبه ( موسى ) أحيانا ، تكتشف فجأة أنه ( فرعون ) .. ولهذا فإن المناخ الفاسد يقلقني، لأنه مجبول علي تزييف الحقائق ، والفرص القليلة تخلق أحياناً تنافسا غير شريف ، وتصنع الشللية والمحسوبية وأصحاب الصوت العالي ، كثير من الأعمال الجيدة تأتي وتمضي دون أن يحس بها أحد من القراء ، وكثير من الأعمال التافهة تفرض نفسها بالإلحاح ، هل هو غياب الميزان النقدي الحقيقي ؟ قلت في شهادتي السابقة أن الناقد كبائع البطيخ ، أحيانا يبيع لك بطيخة علي أنها حمراء فتجدها ( قرعة ) .. كم هي الأعمال التي سوقها لنا هؤلاء ، وألحوا علينا إلحاحاً للبحث عنها ، فوجدناها ( قرعة ) للأسف بعد ضياع الوقت ..
ولهذا يفرض السؤال نفسه : لماذا يتصدر أناس بعينهم المشهد الثقافي المصري ؟ لماذا هم ولا غيرهم في وسائل الإعلام أو بعثات التمثيل للخارج أو المؤتمرات أو المنتديات أو أجهزة الإعلام ؟ .. لماذا لم تتم حتى الآن دراسة الأجيال التالية علي جيل الستينيات ومعرفة دورها الحقيقي في مسيرة الإبداع ؟ .
ولأن الحركة النقدية مصابة بالعجز والتشوه ، فإننا نحن المبدعين ، في محاولة لرأب الصدع ، نلجأ أحيانا للكتابة عن أعمالنا ، ليس مهماً أن تكون المعايير مؤكدة ، بل الأهم هو المتابعة للخروج من دائرة النسيان .. أفعل هذا أحيانا إذا سنحت الفرصة ..
( لي كتاب مقالات أدبية إلكتروني بعنوان " عبد الناصر وذو القناع الجلدي " علي موقع ناشري جمعت فيه بعضاً مما كتبت ) .
***
لقد تناول أعمالي كثير من النقاد الجادين ، لكنني لاحظت أن هناك كثيراً من الظواهر المرتبطة بأعمالي لم ينتبه لها أحدهم ، ذلك أن معظمهم يتناول عملاً واحداً أو اثنين دون أن يربط أعمالي كلها ببعضها، وعلي سبيل المثال :
أولا : ما اسميه أنا ( التوالد القصصي ) .. أي أن تتوالد من فكرة القصة الواحدة قصص أخرى ، أو قل تنويعات مختلفة علي لحن واحد ، فالثلاثيات في قصصي كثيرة مثل " ثلاثة وجوه لعملة واحدة " ، الجزيرة في ثلاث قصص " ، " ثلاث حالات تليفزيونية " .. وغيرها من التضاعيف مثل " البلغة ، و" البلغة مرَّة أخرى " ، و" جنين يا جنيني .. عشر حكايات " ، و " الكلاب أبناء الكلاب .. ست قصص " أو " وانتصب ثم انفض.. ثلاث حكايات " أو " الموت في حكايات أو " كفان " أو وجهان لعملة واحدة " .. وغيرها الكثير مما أبدعت .
والحقيقة أنا في حاجة لناقد جاد يقرأ الظاهرة ويحللها ، موضحا إذا ما كانت تتماس مع إبداع آخرين يفعلون نفس الشيء أم لا ؟ ..
ثانياً : " المعارضات القصصية " .. ولقد فعلها البعض من قبل ، أذكر منهم الكاتب الكبير يوسف الشاروني عندما تناول واحدة من شخصيات نجيب محفوظ وهي " زيطة صانع العاهات " في قصة من هذه النوعية .. ولقد كتبت أكثر من قصة علي هذا المنوال ، أشهرها قصة " أ كان لا بد يا عبد العال أن تبص لي ؟ " في وجهة نظر أخرى لقصة يوسف إدريس الشهيرة " أ كان لابد يا لي لي أن تضيئي النور ؟ " ، وقصة " الدنيا سيرك كبير " في موازاة لقصة يحيى الطاهر عبد الله " حكاية علي لسان كلب " .. ولقد تنبه لهذه المعارضات الناقد الصديق أحمد عبد الرازق أبو العلا عندما تناول بالدراسة مجموعة " حلقة ذكر " .. لكن المدهش أن ناقدا من بائعي البطيخ لم يعجبه هذا الأمر أو هذه المعارضات ، وقال ببساطة إن الإعجاب بأي قصة لكاتب ما ، لا ينبغي أن يتبعه كتابة قصة أخرى .
أقابل أحيانا أدباء لا أعرفهم ، أو أناس من العامة ممن يقرأون الأدب ، فيذكرني أحدهم مبدياً إعجابه بقصة كنت نشرتها هنا أو هناك منذ سنوات ، فأشعر بالسعادة ، وأشعر أن ما أنفقته من عمر في هذا الفن لم يذهب هباءً منثورا .
***
في الكتابة أحيانا لا ألتزم بقواعد القصة القصيرة عمداً ، وأجد متعة في التدفق علي الورق ( قصة " حلقة ذكر علي شرف الفقيدة " تجاوزت الخمسين صفحة ، وصنفها النقاد كقصة قصيرة ) ، ورغم الحتمية التي أشار إليها عمنا يحيى حقي عند كتابة القصة ، ومدى أهميتها في ضبط السرد بعيداً عن الزخارف ، والتأني في اختيار الألفاظ ، إلاَّ أنني أتحرر من ذلك أحيانا ولا أتقيد حرفياً ، خاصة إذا ما جاءت القصة جافة ، وتحتاج من وجهة نظري لترطيب ما لتكون سهلة البلع إذا جاز المعنى ، وأعني بشكل آخر ذلك الأثر الذي تتركه القصة لدى المتلقي ، مثل ما كان يفعل الحكاء الشعبي الماهر عندما يتعمد ألاَّ يصل إلي ما يريده مباشرة ، بل يتلكأ قليلاً ، مستمتعا بدموع مستمعيه أو مبتهجاً بضحكاتهم .. أفعل ذلك بحرص ودون إغفال لروح حتمية القص لعمنا يحيى حقي ، وحرصه الشديد بألاَّ يُسمع صرير القلم علي الورق ..
وما زلت مؤمنا بأن اختيار الموضوع للقصة يأتي في المقام الأول ، فأنت لن تستطيع أن تصنع حلوى جيدة من دقيق فاسد مهما كنت ماهراً ..
والقصة التقليدية موجودة لديَّ جنبا إلي جنب مع القصص الأخرى التي تنحو نحو الحداثة: العبث والقصيرة جداً واللاحدث أو قصة تعدد الضمائر أو قصة الأصوات أو غيرها .
أكتب وأنا أشعر أن حجم الحرية في الكتابة تراجع عن الماضي ، وأن الرقيب الداخلي للكاتب تعاظم دوره ، وأن سكين السمَّاك الذي لم يقرأ " أولاد حارتنا " طالت عنق نجيب محفوظ ، وأن شوارع القاهرة اهتزت تحت أقدام طلبة وطالبات الأزهر لمجرد بضع عبارات جاءت علي لسان شخصية في رواية " وليمة لأعشاب البحر " لحيدر حيدر ، وأخطر الأمور التي تحدث ، تلك التي تنصب من رجل الدين ناقداً أدبياً ، فيختلط الحابل بالنابل ، وتتفرق دماء الأدب بين قبائل التعصب .
***
أشعر أحيانا أنني لم أنجز شيئاً مهماً حتى الآن في مجال إبداعي ، وأنني أضيع كثيراً من الوقت في التأمل كي أجد مبرراً للهروب من الكتابة ، وأتحجج بفرص النشر القليلة ( هل أكتب لنفسي أم للناس ؟ ) فتأتي كثير من الأفكار والموضوعات ، أعاملها بإهمال ، فتمضي لحال سبيلها وتضيع ، ولا أجد مجالاً لاستعادتها مطلقاً ..
ما معنى أن تترك إبداعك لدى دار النشر لأعوام طوال ، تفقد فيها حماسك ورغبتك في النشر ، وينتابك إحساس بالعدم والعبث وضياع الوقت ..
***
قيل لي أن أبي أسماني " عبد الله " علي اسم الجد الأكبر للعائلة ، وأنه أضاف " محمد " ليكون الاسم مركبا كاسم الرسول محمد ( ص ) ..
وقيل لي أيضاً أن أحد أجدادي " صالح " ـ والذي ينتهي به اسمي ـ هاجر من الشرقية مع أخيه الأكبر " زياد " إلي الغربية ، وأفلحا الأرض هناك حيث أقاما ، فكانت قرية عائلتي " محلة زياد " ( واحدة من أكبر قرى سمنود ) ، وأن الأسرة ظلت تتوارث العمودية حتى الجد إبراهيم ( جدي الثالث ) حتى أقيمت نقطة للشرطة بالقرية ، لكن أبي الذي كان يحمله ثلاثون خفيراً علي سبيل التدليل لأنه ابن عمدتهم لم يكمل تعليمه ، فخيروه بعد أن اشتد عوده بواسطة من عبد العزيز شقيق النحاس باشا للعمل بالري أو السكك الحديدية ، فاختار جدِّي له الأولى ، وما لبث أبي أن هاجر في دورة عكسية مع قنوات الري للشرقية ليتزوج منها ، وتكون جزيرة مطاوع محطته الأخيرة ..
وقيل لي أن النحاس باشا يمت لنا بصلة نسب ، عن طريق شقيقته التي كانت تحرص كل عام علي إهداء جدِّي هدية من الملبوسات الصوفية المعتبرة ، وأن عائلتي كلها كانت وفدية قلباً وقالباً إلي أن جاءت الثورة ، لكني رأيت أبي معجباً بعبد الناصر إعجاباً عظيماً ، ربما لكونه أحد عماله أو موظفيه الذين جنوا كثيراً من المكاسب في عهده .
***
في الماضي ، كنت كلما شعرت بالهم أو التوتر أهرب إلي الجزيرة ، هناك ألتقي بأصدقاء الصبا ، وأستعيد نفسي الضائعة من توهتها ، وأغسل روحي القلقة بالأمان والطمأنينة ..
لكنني في السنوات الأخيرة تراجعتْ مرات رجوعي إليها ..
لقد تغيرت الجزيرة كثيراً ، لقد تبدلتْ ، تلطَّخ وجهها الصبوح البريء الذي أعرفه بالأصباغ .. عندما أشد الرحال إليها ، وأركب نفس العربات القديمة ، لا أعرف الوجوه التي حولي ، رغم أنهم ناسي وأهل قريتي دون شك .. وهناك ، عندما أمضي في شوارعها التي ازدحمت بالناس ، لا تلقاني بنفس الحميمية ، فأتوه وأنا خائف منها وعليها ، وأحسُّ إحساساً غريباً إنها نسيتني ، وأنها تنكرني عن عمد ، وإنها تغمز لي بالعين والحاجب وهي تدير وجهها صوب البعــــيد ..
تفر الدموع من عينيَّ ، تسيل علي وجنتيَّ ، وأبحثُ عن كفٍ حنونة ككف أمي ، تكفكف دموعي .. فلا أجـــــــــد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاقوس في 8 مارس 2006 م .
( صور فوتوغرافية ـ قصاصات مبتورة من شهادة ناقصة )
ألقيتها أمام مؤتمر ( الواقع الأدبي في الشرقية ) الذي عقد بجامعة الزقازيق في الفترة 28 ـ 29 مارس 2006 م
كذلك أمام مؤتمر ( خصوصية الإبداع في شرق الدلتا الثقافي ) الذي عقد بكفر الشيخ في الفترة من 4 ـ 6 إبريل 2006 م
ونشرت بجريدة العرب بلندن في 5 / 4 / 2006 م علي هذا الرابط
http://www.alarabonline.org/index.asp?p1=xcx
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهادة
صُور فوتوغرافية
[ قصاصات مبتورة من شهادة ناقصة ]
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
مطلوب منِّي أن أكتب شهادة ..
هذه ثاني شهادة أحاول كتابتها ، وكالمرَّة السابقة أسأل نفسي : ماذا عليَّ أن أكتب ؟ ..
أعرف أن الشهادة لابد وأن تكون جزءاً من الحديث عن الذات ، وذاتي ، حتَّى ولو كنت أمارس فعل الأدب ، ماذا تعنى للآخرين ؟ ، وإن كانت علي سبيل الفرض تعنى شيئاً .. ما يدريني أن ما أكتبه تحديداً سوف يتضمن ذلك المعنى ؟ ..
أحياناً أتطلع في الألبوم ، وأتأمل صوري الفوتوغرافية .. الأبيض والأسود التي التقطها لنا مصورو أسواق القرى بكاميراتهم القديمة ذات الجراب الأسود .. أو الملونة التي تدخلت فيها برامج أجهزة الكومبيوتر الحديثة في أستوديوهات المدن .. وأستعيد تلك اللحظات السحرية التي حاولت فيها ـ بسذاجة الريفي وتواطؤ المصور ـ تجميل ملامحي الخشنة .. الشعر المفروق اللامع بالدهن .. بسمة الشفتين الخادعة بسعادة زائفة .. ميل الكتفين تحت جاكت المصور .. رفع الرأس وخنق الرقبة برباط عنق ..
أتعنى هذه الشهادة الآن صورة أخرى من صور الألبوم ؟ .
***
جزيرة مطاوع ، قريتي التي تسكنني منذ طفولتي ، مازالت تأخذني لساحاتها الرملية الشاسعة ، الملآنة بنباتات شيطانية لها أزهار ملونة ( قال لي أحد زملائي الملتحين لا تقل شيطانية هذا حرام ! ) ، والتلال الأثرية الفرعونية القديمة الواقعة جنوبها ، الملآنة بالأسرار والحكايات والأساطير والسراديب وجحور الثعالب والذئاب والعفاريت وأبو رجل مسلوخة والتوَّاه وجنية ترعة بهجت ( التلال قاسم مشترك في كثير من أعمالي : رواية أنشودة الأيام الآتية ، رواية ضباب الفجر .. وغيرهما ) .. كنت لا أكف عن التسكع والصياعة بين دور الجزيرة المبعثرة والمتنافرة.. دور الفلاَّحين من شتى البلاد التي نزحوا منها .. أو دور العرب من شتى القبائل التي ينتمون إليها ( أهل الجزيرة كانوا يتندرون علي لهجاتهم المختلفة بنوع من السخرية ، لكن الجزيرة / المكان جعلتهم يتقاربون في قواسم مشتركة خلقها زمن يمضي علي قدم وساق ولا يغلبه غلاَّب ) .. الجزيرة رغم ضآلة مساحتها ، تختزل التركيبة التاريخية الأساسية للشعب المصري ..
ليل الجزيرة ليس ككل ليل ( هل يقول هذا كل أبناء القرى ؟ ) ، في الماضي ، الظلام الدامس يطوي عباءته علي الأسرار ، أو القمر المضيء نلتف فيه ـ نحن العيال ـ في حلقة بعد أن يهدنا تعب اللعب ـ لنحكي الحواديت ، هذه الحواديت ، مع حواديت أمي قبيل النوم كانت معلماً لي بلا أجر ( جمعت عدداً من الحواديت علي سبيل العزاء في كتاب بعنوان " ست الحسن والجمال " تحت الطبع مع دراسة قصيرة ) .
***
ما الذي جعلني أنا ابن القرى أحب الفن منذ نعومة أظافري ؟
سؤال لا أعرف إجابته تحديداً ، لقد وجدتُ نفسي أحب الفن التشكيلي وكنت أمارس الرسم كهواية حتى بعد تخرجي من الجامعة ، وأحب الأدب قراءة وإبداعاً : قصة ورواية ومسرح ، وأحب الغناء والتمثيل .. وغيرها من الفنون التي تخاطب العقل والوجدان ( أعترف بأن هذه نعمة من الله ) .. ما زلت أتعجب من أناس يناصبون الفن العداء ، بل ويحرمونه علي أنفسهم بأسانيد باطلة ، وأسأل نفسي كيف تنعم أرواحهم في هذه الدنيا الصعبة بالسلام ؟ .
***
تُحيِّي جزيرتي كل عام مولد " أبو مطاوع " ، وهو شيخ غير معروف نسبه أو أصله رغم انتساب الجزيرة إليه ، كانت النسوة يضئن قبته الرملية قبل بنايتها بالأسمنت المسلح بشموع ينذرنها له لقضاء حوائجهن .. ما زالت ذؤابات الشموع المضاءة في ظلام الليل علي الهضبة العالية بالجبانة تخايل عينيَّ حتى الآن ، وأنا أرفع كفيَّ وأقرأ الفاتحة علي روحه ..
( صنعت للشيخ " أبو مطاوع " حكاية تمتد من الفراعنة حتى العرب في رواية ضباب الفجر التي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة كما أنه موجود في كثير من قصصي ) .
***
قبل الروايات وبعدها كتبت القصة القصيرة علي خلفية أدباء كبار قادتني الصدف أن أقرأ لهم ، وأخذوني أخذاً لهذا الفن الجميل : الحكيم وإدريس وحقِّي والبدوي ..، وحاولت الكتابة ونشرت محاولاتي الأولى في مجلات حائط كنت أحررها برعاية معلمين عظام في مدرستي الإعدادية بالصوفية ( قرية كبيرة مجاورة للجزيرة تابعة لأولاد صقر بالشرقية ) ..
وكانت تتنازعني في هذا العمر المبكر رغبات عدة للمستقبل في أن أكون زعيماً سياسياً أو أديباً أو فناناً .. أو مهندساً أو طبيباً.. أو مطرباً أو ممثلاً إذاعياً ( لم يكن التليفزيون قد ظهر بعد وكنت عاشقاً للراديو ) .
***
نشر لي الأديب الراحل محسن الخيَّاط أول قصة في مجلة " أدب ونقد " في باب " كتابات جديدة " صدر لمرة واحدة بمقدمه منه ، بعد أن أعطيتها للناقدة فريدة النقاش ، التي قدمني لها ( بلدياتي ) السياسي الراحل لطفي واكد نائب رئيس حزب التجمع ، كان عنوان القصة ( المباطحة ) ، بعدها انتقل الخيَّاط لجريدة الجمهورية لينشر لي العديد من القصص فيما بعد دون أن يعرفني إلاَّ من خلال طابع البريد .. كان رجلاً عظيماً قدَّم الكثيرين من أبناء جيلي .. لم ألتق به إلاَّ مرة واحدة في مؤتمر أدبي عقد بأسوان كان قد رشحني إليه .
ولعب دوراً مماثلاً في حياتي الأديب محمد جبريل الذي احتضن كثيراً من أعمالي ونشرها في صفحاته الأدبية التي يشرف عليها ..
والحقيقة ـ حتى لا أنسى ـ أن هناك كثيرين وقفوا بجواري واحتضنوا إبداعي مثل عبد العال الحمامصي ومحمود العزب وعبد القادر القط وغيرهم ..
***
كنت قد عرفت طريق المسابقات الأدبية ، في محاولة مستمرة لإثبات الذات أمام واقع تقل فيه فرص النشر .. هناك بالتجربة مسابقات ( أي كلام ) وأخرى تستحق الاحترام وشرف المشاركة ، رغم هذا فإنني لم أكتب خصيصاً عملا إبداعياً من أجل المشاركة في أي مسابقة ، بل كانت مشاركاتي محض المصادفات السعيدة في الغالب الأعم ، كأن أقرأ إعلاناً أو يدلني صديق ، إلاَّ في مسابقة وحيدة كان ينظمها إلي وقت قريب نادي حائل الأدبي بالسعودية علي موقعه الإلكتروني ، كانت المسابقة تتضمن مقدمة عامة ونهاية للقصة ، وعلي المتسابق أن يلتزم بهما ويملأ الفراغ بينهما بقصَّة من خياله ، أمر طريف ينتهي برؤى مختلفة لأدباء من شتَّى الأقطار .. ولقد حالفني الحظ أن شاركت وفزت في مسابقات عديدة : نادي القصة وجائزة سعاد الصباح وجائزة إحسان عبد القدوس وصحيفة المساء والشئون المعنوية للقوات المسلحة والمجلس الأعلى للشباب والرياضة وإذاعة صوت العرب وإذاعة القناة ونادي جيزان الأدبي وحائل الأدبي ولها أون لاين والمجلس الأعلى للثقافة وقصور الثقافة وغيرها ..
فعلت هذا وأنا أؤمن بأن المسابقات لا تصنع أديباً ، أعرف هذا جيداً ، لكنني أعتقد أن أفضلها من كانت تتيح لي فرصة طبع العمل الفائز ( روايتي الأولى أنشودة الأيام الآتية كانت فائزة بجائزة د . سعاد الصباح وطبعت طبعتها الأولى في هيئة الكتاب ) .
***
مسألة النشر في مصر مسألة عجيبة ، فالسوق نائم بالتعبير الاقتصادي الشعبي ، لا أحد يقرأ ، والكتاب لدى الناشر / التاجر سلعة لها دورة ينبغي أن تنتهي بتحقيق الربح ، ونجيب محفوظ أعظم كاتب هنا لا يطبع إلاَّ بضعة آلاف يتم توزيعها علي سنوات .. فصار الأدباء نتيجة لهذا هم الذين يدفعون التكلفة وليس العكس كما يحدث في دول العالم ..
قد تبدو هذه النظرة لحال الكتاب والكتَّاب تشاؤمية ، لكن بعض التفاؤل قد يغير من الصورة إذا ما تعاظمت أدوار مؤسسات وزارة الثقافة في دعم وتقديم الكتاب ، فحجم مصر ودورها التاريخي علي المستوى العالمي والعربي يحتم هذا الدور دون تأخير ..
ويبدو أن السلبيات علي مستوى معين يمكن أن تقود لسلبيات أخرى ، أهمها هؤلاء المدعين الذين اقتحموا النشر بنقودهم ، كي ينشروا أعمالاً رديئة بمسميات مختلفة ، في الوقت الذي يتوارى فيه مبدعون حقيقيون ، انتظاراً لفرصة نشر في السلاسل الرسمية ، قد تمتد لسنوات طوال ( أحد المسئولين عن النشر بمؤسسة ثقافية أخبرني أن سلسلة أدبية شهرية مجاز بها أكثر من 200 عمل ، أي أن قائمة الانتظار ممتدة لعشرين عاماً قادمة ) ..
في الستينيات ، ومع تنامي النهضة التعليمية لأبناء الشعب ، كان مأمولا أن تتنامى الثقافة طردياً بالتوازي ، وأن يظل الكتاب الرخيص في متناول أجيال جديدة تحترمه ، بل وتتباهى بامتلاكه .. أليس الحكيم الفرعوني القديم هو الذي قال لابنه : احب الكتاب كما تحب أمك .. وكان هذا منذ آلاف السنين .. لماذا حدث التنامي عكسياً ؟! .
***
في أحد أحياء القاهرة المكتظة رأيت أفندية نظيفي الملبس وسيدات جميلات علي آخر موضة وأطفال كالملائكة يخرجون ويدخلون لعمائر سكنية مزروعة في أكوام زبالة ، دون أن يطرف لهم رمش أو يضعوا حتى إصبعاً واحداً علي أنوفهم ! ..
هل هذا لا مبالاة وانعدام حس؟ هل لغياب الثقافة دور فيما يحدث ؟ ..
مدارس حكومية مفتوحة ، وطلبة متجهون عكسياً لأوكار الدروس الخصوصية .. مستشفيات مكتملة البناء وبها أطباء وتمورجية ، ومرضى يبحثون عن العلاج بشق الأنفس في العيادات والمستشفيات الخاصة .. لحى طويلة ونساء محجبات ومنقبات ومساجد مكتظة بالمصلين في ظاهرة تدين كاذبة يفصح عنها فساد الواقع في الشوارع والبيوت ..
ماذا يعنى وجود مؤسسات حكومية أو مدنية فقدت دورها الوظيفي ؟ .
لقد رأيت معلمات منقبات يهربن من تدريس حصصهن بالمدرسة إلي مساجد يستمعن فيها دروس دينية ! .. كيف يستقيم هذا ؟ هل أصاب المجتمع نوع ما من الانفصام ؟ .
***
كان الناس إلي وقت قريب يلتقون كل شهر علي صوت أم كلثوم .. علام يلتقون اليوم من طرب ؟ ومن هؤلاء الذين يؤثمون سماع الأغاني.. كاسيتات العربات لا تكف عن الزعيق بالزجر والوعيد من شرائط الدعاة الجدد وأهل الفتوى من مشايخ البزنس ، الذين يحثُّون الناس المهمومة بلقمة العيش علي هجر الدنيا من أجل الآخرة ، لقد جعل هؤلاء من الإسلام الواحد أكثر من إسلام .
أعتقد أن الإسلام الحقيقي هو ما رأيته ببساطة في الجزيرة .. فلاح يفلح بجد في أرضه ، وعندما يحين موعد الصلاة يذهب للمصلَّى الطيني الصغير علي ريشة الترعة ليصلي ..
قصتي ( هجرة ) إدانة للتدين الأعمى .
***
هل طال انتظار مصر للخروج من تخلفها ؟ ومتى لصاحبة الحضارة العظيمة أن تأخذ مكانها اللائق تحت الشمس ؟ أن مصر كالقاطرة إذا ما انطلقت سوف تأخذ في ذيلها دول المنطقة كلّها ، لقد ظل الصراع العربي الإسرائيلي هو العائق الأساسي أمام تقدمنا لأكثر من نصف قرن مضى ، مع انحياز أعمى للغرب الأوروبي ، وأمريكا التي صارت قطباً أوحد يزيد الطين بلَّة ( كثير من رواياتي وقصصي تتناول هذا الصراع ، علي سبيل المثال لا الحصر رواية " أنشودة الأيام الآتية " ورواية " الأحلام تتداعى " وعشرات من القصص القصيرة ) ..
***
صحيح أننا عرب ، لكن مصر ليست ككل العرب .. نحن خلطة تمثل العروبة طبقة من طبقاتها ، أو هي واحدة من الأعمدة السبعة التي أشار إليها ميلاد حنا في كتابه ؟ .. أنا مع تدريس اللغة المصرية القديمة للطلاب .. لقد ظللنا نكتب بنفس أقلام البوص التي كان أجدادنا يكتبون بها وبنفس الطريقة.. أنظر إلي الكتاتيب في الأرياف وإلي تماثيل الكاتب المصري الجالس وإلي مخطوطات البردي باللغة القديمة ..
( مسرحيتي الأخوان من فصل واحد تعتمد علي القصة الفرعونية القديمة " الصدق والكذب " وقد تم تحويلها لمسلسل إذاعي بنفس الاسم .. كذلك قصة " خيول النهر " تعتمد علي أسطورة فرعونية قديمة ) .
أعتقد ، أحيانا ، أننا أفضل حالاً من جيراننا الذين أصابهم ثراء النفط ..
في الحقبة النفطية انتقل المصريون بالملايين إلي هناك للعمل ، وجاءوا هم إلي هنا بأعداد أقل للسياحة والفرجة .. المؤلم أن بعضنا ـ ممن ذهبوا وعادوا ـ استورد من هناك قيم البداوة ومظاهرها المتخلفة وربطها بالإسلام ظلماً ، لقد رأيت بعضها يمشي علي قدمين غريبتين تدبان علي رمال جزيرتي بصور شتَّى ( سمعت أحدهم يؤذن للصلاة بصوت غريب ويقول إنه الأذان الشرعي ) ، ورغم هذا ظل الانتعاش النفطي هنا شكلياً ، لم يمتد لجوهر الاقتصاد فيقفز به للتطور .. فلاحو الجزيرة اغتربوا لسنوات وعادوا ليستبدلوا بيوت الطين ببيوت الحجارة والأسمنت ، ويتباهون بأجهزة التليفزيون والكاسيت وغيرها .. وهجر بعضهم الأرض واستبدلوا الجلابيب الفلاَّحي بالدشاديش البيضاء .. ( روايتي عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي الصادرة عن اتحاد الكتَّاب ) ترصد ظاهرة الخوزقة النفطية التي طالت الجميع بلا استثناء .
***
لقد ظللنا لسنوات نتشدق بشعارات كبرى : الديموقراطية .. الاشتراكية .. العدالة الاجتماعية .. الثورة الخضراء .. ألخ .. مسميات كثيرة لها طنين أجوف عال بلا مدلول حقيقي ..
( رصدت هذه الظواهر في رواية ضباب الفجر )
***
بعد هذه السنوات الطويلة من كتابة القصة ما زال بعض زملاء العمل الحكومي ( أعمل موجه أول أحياء بإدارة فاقوس التعليمية ) ينادونني بالشاعر ، رغم أني لم أقترف جريمة كتابة بيت واحد من الشعر .. لكنه الواقع الذي يخاصم القراءة ويصير فيه ثمن الجريدة اليومية عبئاً اقتصادياً مكلفاً، ويختزل الأدب بكافة مسمياته في شعر يصيح به بعض الموظفين في المناسبات ..
قرأت مؤخراً رأيا لبعض كبار الأدباء يقول أن القصة القصيرة في مأزق يمكن أن يؤدي لانقراضها ، وأنها تعاني من مشكلة ، ولقد حفزني هذا الرأي علي ألرد عليه بالصحف ومواقع الانترنت ، مؤكداً أن هذا يحدث في مصر فقط للأسف علي مستوى النشر وليس علي مستوى الإبداع ، لأسباب يطول شرحها ، أهمها اختفاء الملاحق الأدبية من الصحف ، أو اقتصارها علي قصص بحجم راحة اليد .. عكس ما يحدث في كل دول العالم العربي التي تحتفي بالقصة القصيرة .
يوسف إدريس كان يقول أن الأدب العربي وأدب أمريكا اللاتينية هما الأعظم والأفضل والأهم بالمقارنة بالآداب الأخرى في العصر الحالي .. لكن الأدب العربي لا يحظ بما يحظى به أدب أمريكا اللاتينية الآن لأسباب كثيرة ، أهمها الغرب المعادي للعرب بسبب المشاكل السياسية العميقة ، واللغة العربية البعيدة عن اللغات الأوروبية عكس الأسبانية التي يكتب بها معظم كتاب أمريكا اللاتينية ، وغيرها من الأسباب التي تحول بيننا وبين المكان اللائق بنا .
***
الخبرة علمتني أن أتعامل مع الأدباء بحذر ، رغم أنني أنسى هذا الحذر كل مرَّة ، الفنون جنون كما يقولون ، وكل مبدع ممسوس بدرجة ما بهذا الجنون ، ومن تحسبه ( موسى ) أحيانا ، تكتشف فجأة أنه ( فرعون ) .. ولهذا فإن المناخ الفاسد يقلقني، لأنه مجبول علي تزييف الحقائق ، والفرص القليلة تخلق أحياناً تنافسا غير شريف ، وتصنع الشللية والمحسوبية وأصحاب الصوت العالي ، كثير من الأعمال الجيدة تأتي وتمضي دون أن يحس بها أحد من القراء ، وكثير من الأعمال التافهة تفرض نفسها بالإلحاح ، هل هو غياب الميزان النقدي الحقيقي ؟ قلت في شهادتي السابقة أن الناقد كبائع البطيخ ، أحيانا يبيع لك بطيخة علي أنها حمراء فتجدها ( قرعة ) .. كم هي الأعمال التي سوقها لنا هؤلاء ، وألحوا علينا إلحاحاً للبحث عنها ، فوجدناها ( قرعة ) للأسف بعد ضياع الوقت ..
ولهذا يفرض السؤال نفسه : لماذا يتصدر أناس بعينهم المشهد الثقافي المصري ؟ لماذا هم ولا غيرهم في وسائل الإعلام أو بعثات التمثيل للخارج أو المؤتمرات أو المنتديات أو أجهزة الإعلام ؟ .. لماذا لم تتم حتى الآن دراسة الأجيال التالية علي جيل الستينيات ومعرفة دورها الحقيقي في مسيرة الإبداع ؟ .
ولأن الحركة النقدية مصابة بالعجز والتشوه ، فإننا نحن المبدعين ، في محاولة لرأب الصدع ، نلجأ أحيانا للكتابة عن أعمالنا ، ليس مهماً أن تكون المعايير مؤكدة ، بل الأهم هو المتابعة للخروج من دائرة النسيان .. أفعل هذا أحيانا إذا سنحت الفرصة ..
( لي كتاب مقالات أدبية إلكتروني بعنوان " عبد الناصر وذو القناع الجلدي " علي موقع ناشري جمعت فيه بعضاً مما كتبت ) .
***
لقد تناول أعمالي كثير من النقاد الجادين ، لكنني لاحظت أن هناك كثيراً من الظواهر المرتبطة بأعمالي لم ينتبه لها أحدهم ، ذلك أن معظمهم يتناول عملاً واحداً أو اثنين دون أن يربط أعمالي كلها ببعضها، وعلي سبيل المثال :
أولا : ما اسميه أنا ( التوالد القصصي ) .. أي أن تتوالد من فكرة القصة الواحدة قصص أخرى ، أو قل تنويعات مختلفة علي لحن واحد ، فالثلاثيات في قصصي كثيرة مثل " ثلاثة وجوه لعملة واحدة " ، الجزيرة في ثلاث قصص " ، " ثلاث حالات تليفزيونية " .. وغيرها من التضاعيف مثل " البلغة ، و" البلغة مرَّة أخرى " ، و" جنين يا جنيني .. عشر حكايات " ، و " الكلاب أبناء الكلاب .. ست قصص " أو " وانتصب ثم انفض.. ثلاث حكايات " أو " الموت في حكايات أو " كفان " أو وجهان لعملة واحدة " .. وغيرها الكثير مما أبدعت .
والحقيقة أنا في حاجة لناقد جاد يقرأ الظاهرة ويحللها ، موضحا إذا ما كانت تتماس مع إبداع آخرين يفعلون نفس الشيء أم لا ؟ ..
ثانياً : " المعارضات القصصية " .. ولقد فعلها البعض من قبل ، أذكر منهم الكاتب الكبير يوسف الشاروني عندما تناول واحدة من شخصيات نجيب محفوظ وهي " زيطة صانع العاهات " في قصة من هذه النوعية .. ولقد كتبت أكثر من قصة علي هذا المنوال ، أشهرها قصة " أ كان لا بد يا عبد العال أن تبص لي ؟ " في وجهة نظر أخرى لقصة يوسف إدريس الشهيرة " أ كان لابد يا لي لي أن تضيئي النور ؟ " ، وقصة " الدنيا سيرك كبير " في موازاة لقصة يحيى الطاهر عبد الله " حكاية علي لسان كلب " .. ولقد تنبه لهذه المعارضات الناقد الصديق أحمد عبد الرازق أبو العلا عندما تناول بالدراسة مجموعة " حلقة ذكر " .. لكن المدهش أن ناقدا من بائعي البطيخ لم يعجبه هذا الأمر أو هذه المعارضات ، وقال ببساطة إن الإعجاب بأي قصة لكاتب ما ، لا ينبغي أن يتبعه كتابة قصة أخرى .
أقابل أحيانا أدباء لا أعرفهم ، أو أناس من العامة ممن يقرأون الأدب ، فيذكرني أحدهم مبدياً إعجابه بقصة كنت نشرتها هنا أو هناك منذ سنوات ، فأشعر بالسعادة ، وأشعر أن ما أنفقته من عمر في هذا الفن لم يذهب هباءً منثورا .
***
في الكتابة أحيانا لا ألتزم بقواعد القصة القصيرة عمداً ، وأجد متعة في التدفق علي الورق ( قصة " حلقة ذكر علي شرف الفقيدة " تجاوزت الخمسين صفحة ، وصنفها النقاد كقصة قصيرة ) ، ورغم الحتمية التي أشار إليها عمنا يحيى حقي عند كتابة القصة ، ومدى أهميتها في ضبط السرد بعيداً عن الزخارف ، والتأني في اختيار الألفاظ ، إلاَّ أنني أتحرر من ذلك أحيانا ولا أتقيد حرفياً ، خاصة إذا ما جاءت القصة جافة ، وتحتاج من وجهة نظري لترطيب ما لتكون سهلة البلع إذا جاز المعنى ، وأعني بشكل آخر ذلك الأثر الذي تتركه القصة لدى المتلقي ، مثل ما كان يفعل الحكاء الشعبي الماهر عندما يتعمد ألاَّ يصل إلي ما يريده مباشرة ، بل يتلكأ قليلاً ، مستمتعا بدموع مستمعيه أو مبتهجاً بضحكاتهم .. أفعل ذلك بحرص ودون إغفال لروح حتمية القص لعمنا يحيى حقي ، وحرصه الشديد بألاَّ يُسمع صرير القلم علي الورق ..
وما زلت مؤمنا بأن اختيار الموضوع للقصة يأتي في المقام الأول ، فأنت لن تستطيع أن تصنع حلوى جيدة من دقيق فاسد مهما كنت ماهراً ..
والقصة التقليدية موجودة لديَّ جنبا إلي جنب مع القصص الأخرى التي تنحو نحو الحداثة: العبث والقصيرة جداً واللاحدث أو قصة تعدد الضمائر أو قصة الأصوات أو غيرها .
أكتب وأنا أشعر أن حجم الحرية في الكتابة تراجع عن الماضي ، وأن الرقيب الداخلي للكاتب تعاظم دوره ، وأن سكين السمَّاك الذي لم يقرأ " أولاد حارتنا " طالت عنق نجيب محفوظ ، وأن شوارع القاهرة اهتزت تحت أقدام طلبة وطالبات الأزهر لمجرد بضع عبارات جاءت علي لسان شخصية في رواية " وليمة لأعشاب البحر " لحيدر حيدر ، وأخطر الأمور التي تحدث ، تلك التي تنصب من رجل الدين ناقداً أدبياً ، فيختلط الحابل بالنابل ، وتتفرق دماء الأدب بين قبائل التعصب .
***
أشعر أحيانا أنني لم أنجز شيئاً مهماً حتى الآن في مجال إبداعي ، وأنني أضيع كثيراً من الوقت في التأمل كي أجد مبرراً للهروب من الكتابة ، وأتحجج بفرص النشر القليلة ( هل أكتب لنفسي أم للناس ؟ ) فتأتي كثير من الأفكار والموضوعات ، أعاملها بإهمال ، فتمضي لحال سبيلها وتضيع ، ولا أجد مجالاً لاستعادتها مطلقاً ..
ما معنى أن تترك إبداعك لدى دار النشر لأعوام طوال ، تفقد فيها حماسك ورغبتك في النشر ، وينتابك إحساس بالعدم والعبث وضياع الوقت ..
***
قيل لي أن أبي أسماني " عبد الله " علي اسم الجد الأكبر للعائلة ، وأنه أضاف " محمد " ليكون الاسم مركبا كاسم الرسول محمد ( ص ) ..
وقيل لي أيضاً أن أحد أجدادي " صالح " ـ والذي ينتهي به اسمي ـ هاجر من الشرقية مع أخيه الأكبر " زياد " إلي الغربية ، وأفلحا الأرض هناك حيث أقاما ، فكانت قرية عائلتي " محلة زياد " ( واحدة من أكبر قرى سمنود ) ، وأن الأسرة ظلت تتوارث العمودية حتى الجد إبراهيم ( جدي الثالث ) حتى أقيمت نقطة للشرطة بالقرية ، لكن أبي الذي كان يحمله ثلاثون خفيراً علي سبيل التدليل لأنه ابن عمدتهم لم يكمل تعليمه ، فخيروه بعد أن اشتد عوده بواسطة من عبد العزيز شقيق النحاس باشا للعمل بالري أو السكك الحديدية ، فاختار جدِّي له الأولى ، وما لبث أبي أن هاجر في دورة عكسية مع قنوات الري للشرقية ليتزوج منها ، وتكون جزيرة مطاوع محطته الأخيرة ..
وقيل لي أن النحاس باشا يمت لنا بصلة نسب ، عن طريق شقيقته التي كانت تحرص كل عام علي إهداء جدِّي هدية من الملبوسات الصوفية المعتبرة ، وأن عائلتي كلها كانت وفدية قلباً وقالباً إلي أن جاءت الثورة ، لكني رأيت أبي معجباً بعبد الناصر إعجاباً عظيماً ، ربما لكونه أحد عماله أو موظفيه الذين جنوا كثيراً من المكاسب في عهده .
***
في الماضي ، كنت كلما شعرت بالهم أو التوتر أهرب إلي الجزيرة ، هناك ألتقي بأصدقاء الصبا ، وأستعيد نفسي الضائعة من توهتها ، وأغسل روحي القلقة بالأمان والطمأنينة ..
لكنني في السنوات الأخيرة تراجعتْ مرات رجوعي إليها ..
لقد تغيرت الجزيرة كثيراً ، لقد تبدلتْ ، تلطَّخ وجهها الصبوح البريء الذي أعرفه بالأصباغ .. عندما أشد الرحال إليها ، وأركب نفس العربات القديمة ، لا أعرف الوجوه التي حولي ، رغم أنهم ناسي وأهل قريتي دون شك .. وهناك ، عندما أمضي في شوارعها التي ازدحمت بالناس ، لا تلقاني بنفس الحميمية ، فأتوه وأنا خائف منها وعليها ، وأحسُّ إحساساً غريباً إنها نسيتني ، وأنها تنكرني عن عمد ، وإنها تغمز لي بالعين والحاجب وهي تدير وجهها صوب البعــــيد ..
تفر الدموع من عينيَّ ، تسيل علي وجنتيَّ ، وأبحثُ عن كفٍ حنونة ككف أمي ، تكفكف دموعي .. فلا أجـــــــــد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاقوس في 8 مارس 2006 م .