ولاء نور الدين
03-04-2006, 10:25 PM
قراءة .. في روايـــــة
هالني في البداية أن تقف أحداث تلك القصة هذا الموقف من الإسلام والمسلمين وان تصفهم بالغزاة الذين لا يرحمون ولا يتركون لابناء البلاد حرية ممارسة شعائرهم الدينية .. هالني ذلك وهي القصة التي إنما نقلت إلى الأدب العربي على يد أحد خريجي الأزهر العظام .. ولكني شيئا فشيئا وجدتني أتابع وانبهر وانجذب إلى ذلك العرض المنفرد من تلك الملحمة الوطنية التي تحكى عن دولة البلقان التي تقدم أروع نموذج للبطولة الملحمية والتضحية في سبيل الوطن..
في سبيل التاج .. تعد إحدى الروايات الشهيرة التي قام بنقلها عن الأدب الفرنسي الأديب والقصصي والشاعر والكاتب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي الذي استطاع بمترجماته أن يؤثر في أجيال كاملة من بعده في مطلع القرن العشرين نقلوا مجموعة من اكبر الأعمال الروائية والقصصية في الأدبيين الفرنسي والإنجليزي بصفة خاصة ..
والمنفلوطي (1876-1924) لم يكن بمعزل بأي حال من الأحوال عن الحياة السياسية في مصر في ذلك الوقت أو عن الصراعات الطاحنة التي دارت رحاها حينئذ والتي لم تترك مجالا فكريا أو ثقافيا أو حتى اجتماعيا إلا وازدادت اشتعالا وضراوة في ذلك الوقت .. وكيف لا وقد كانت مصر عندها تعاني اشد ما تعاني من سطوة حكم أسرة محمد على إضافة إلى سطوة الاستعمار البغيض .. وبالطبع فان ظروفا مضطربة كهذه لقادرة على أن تؤثر على الجميع .. وما إن خرج المنفلوطي من الأزهر حتى لزم حلقة المصلح الكبير الشيخ محمد عبده، الذي كان لتعاليمه الأثر الأكبر في اتجاه المنفلوطي إلى الإصلاح الخلقي والاجتماعي .. كما انضم إلى الوفد وناصر سعدا..
كانت تلك لمحة سريعة عن المنفلوطي ذلك الرجل الذي عاش وفيا لقضايا بلده معنيا بمشاكله الاجتماعية الخطيرة ..
وهاهي التضحية العظيمة التي اشتملت عليها الرواية .. والقائد الذي لا يرضى لوالده العيش خائنا منبوذا من جميع الجماهير التي طالما أحبته .. والذي لا يرضى لوطنه كذلك أن يعاني وطأة المحتل .. يقدم على التضحية بأغلى ما له بالوجود "والده الأمير" الذي يضحي به في سبيل الوطن .. وتمضي الأحداث لتنقلب في النهاية .. إلى ما لا يمكن أن نتخيل من أن حب السلطة والملك والسعي إليهما إنما ينتج عنهما الكثير والكثير من المأسي للأرواح البريئة النقية .. تمضي الأحداث ليصبح الخائن بطلا .. ويصبح البطل الشريف خائنا.. وكل هذا وذاك انما يزيد من عامل الفرقة بين صفوف الوطن الواحد .. ويعطي للعدو الفرصة للوصول الى القلب المضطرب ليثبت اركان ودعائم وجوده .. لانه بلا قلب وبلا مركز لا أمل في أي بقاء ..
مشاهد الرواية
الدولة البلقانية التي أعيت جيوش المسلمين عن دخولها والاستيلاء عليه ودافعت عن نفسها دفاعا استمر زمنا طويلا حتى غلبت على أمرها وسقطت وملك عليها ملكا من أهلها "ميلوش" عانت البلاد في عهده من الذل والهوان هكذا كانت البداية ..
الاسقف" أتين يعز عليه ضياع بلاده وسقوطها .. فاخذ يدعو الجميع باسم الدين مرة والوطنية مرة أخرى .. ثم أشار على ملكه أن يخلع طاعة الترك وينادي بالحرية والاستقلال .. وهكذا فعل الملك .. وتحصنت الدولة البلقانية بجيشا قويا بقيادة الأمير ميشيل برانكومير ..
موت الملك وحيرة الشعب بين من يتولى الملك من بعده اهو الأسقف .. أم الأمير ..
يختار الشعب الأسقف ليتقلد زمام الملك .. بينما الأمير ميشيل كرومر ثائرا مهتاجا ينفس سموم الحقد والغدر على العالم كله .. بعد أن اصبح التاج بالنسبة له هو مبغاه الوحيد في هذه الحياة ليس لشيء سوى لان زوجته الجديدة الحسناء تطمح فيه سعيا وراء نبوءة لها منذ الصغر .. في حين ابنه الوحيد قسطنطين يقف بعيدا عن كل تلك الصراعات وهو الفارس الشجاع الذي يحقق النصر للملكة في كل معركة..
لا يخلو الأمر بالطبع من مؤامرة بين زوجة الأمير والعثمانيين .. تقضي بانسحاب الحراس من البوابات لتتمكن الجيوش التركية من عبورها .. ويصبح الأمير في الغد هو سيد البلقان ومليكها.. وسريعا ما يوافق الأمير نفسه على الخطة الغادرة وهو صاحب التاريخ النضالي المشرف .. ويوقع على وثيقة هذا الاتفاق الخائن باسم ال كرومينير .. ولكن ماذا عساه أن يفعل وقد ملكت عليه زوجه لبه وعقله ..
يعلم قسنطين بتلك المؤامرة الشائنة .. وفي الوقت الذي يصل فيه الأمير إلى البوابة الرئيسية ليسهل للعدو المرور دون أدنى إشارة تنبه الجيش المرابض بتقدم العدو .. يجد قسطنطين واقفا عنده مستحلفا له بأرواح الموتى من الضحايا والشهداء .. بتراب المملكة .. بكنائسها .. بنسائها وشيوخها وأطفالها .. بتاريخه النضالي .. مستحلفا له أن يذود عن وطنه .. وان يبريء ساحته من اثام الخيانه .. ولكن الأب الشقي يأبى ويأبى .. ويقف لقسطنطين بالمرصاد ويمنعه من التقدم لاطلاق إشارة التنبيه ويقاتله .. ويدور الصراع فما هي إلا جولة أو جولتان حتى حكم القاضي العدل حكمه فسقط الظالم ونجا المظلوم ..
تبدا المعركة ويتقدم قسطنطين على العدو ولا يذكر شيئا عن أمر والده .. وتصبح صورة الأمير الراحل لدى الجميع هي صورة البطل الشجاع الذي ضحى بنفسه وقتل في سبيل وطنه .. ويبنى له تمثالا ضخما تخليدا لذكراه العطرة..!!
يصاب قسنطين بآلالم والحسرة أن وفاة والده الذي احبه كثير كانت على يديه .. ويتعثر في قياده الجند .. يسري الغضب في صفوف الجنود والتشكيك في نزاهة قسنطين " ويصبح في نظرهم خائن متآمر مع العثمانين يتقهقر بالجيوش حتى يتقدم جيش المحتل ويحتل البلاد ويولونه على عرشها..
الملك الأسقف "اتين" أمام قسطنطين .. وزمرة واسعة من الجند يفند كل تلك الاتهامات .. ويجدد ثقته فيه ويطالبه بالاستمرار في قيادة الجيش .. تظهر من بين الصفوف زوجة أبيه الغادرة التي ما انفكت تقنعه بنفس تلك الخطة الماكرة التي انساق إليها والده من قبل وتريه تلك الوثيقة الموقعة باسم ال كرومينير مع العثمانيين في مقابل تنفيذ كل منهم لوعده .. هذا يسهل دخول القوات مقابل المملكة .. ولكنه يرفض تلك الصفق ... تتقدم تلك الافعى الماكرة الصفوف وتقدم الوثيقة للملك .. وكأن قسنطين هو الذي وقع تلك الوثيقة وليس ابوه .. يصعق الملك ويطلب تفسيرا من قسنطين لكنه لا يتحدث ويرفض أن يدافع عن نفسه فلا سبيل ان يبريء نفسه إلا إذا اتهم أبوه، وهو قد قتله مرة أفا يقتله مرة أخرى .. يأمر الملك بشد قسنطين بالأغلال إلى الساحة العامة المقام فيها تمثال أبيه، "انظر أيها الخائن ماذا بنى أبوك لنفسه من المجد، وماذا صنعت يداك"
في يوم المحاكمة تزدحم الساحة العامة .. يقبل الملك .. يحكم على قسطنطين بان يبقى مشدودا إلى تمثال أبيه ما حيا .. وان يقتص منه المارة والغوغاء ذهابا وإيابا وينال منه من يشاء إلا من يسلبه حياته .. اهكذا قدر لهذا الرجل العظيم .. الشريف ان تكون نهايته .. فيا للبؤس! ويا للشقاء لقد استحال كل شيئ عليه حتى الموت ..
تبرز ميلتزا الجارية التي كان قد نجاها قسطنطين من قبل أشفق عليه وعاملها المعاملة الطيبة الكريمة على الرغم من ماضيها السيئ .. تندفع نحو قسطنطين تسبق المندفعين إليه .. تقيه بنفسها .. وتدافع الجماهير للنيل منهما معا .. سريعا ما تخرج الخنجر الذي عاهدت قسطنطين أن تحتفظ به حتى تقضي على حياتها وراءه إذا ما أصابه مكروه .. وتطعنه مت شريفا كما عشت شريفا .. ثم تطعن نفسها .. وسط سكون الجميع ..
لتكون النهايـــــــــه..
ولعلني الآن بعد قراءة هذه الملحمة أدرك السر وراء كلمات ذاك الإهداء العطر ببداية الرواية إلى "البطل المصري العظيم سعد زغلول " .. التي إنما أراد كاتبها كما يقول "أن يقدم البطل البلقاني إلى البطل المصري لتأنس روح كل منهما بروح صاحبه، وان باعد بينهما الزمن واختلفت بهما الدار.." .
كما أدرك أيضا أن الكاتب لم يكن يقصد أن يصور ذلك الصراع بين المسلمين وغير المسلمين بقدر ما كان يقصد أن يعرض لهذا الصراع الخفي بين قوى الخير(الابن) وقوى الشر (الأب) وكيف أن قوى الخير هي التي لابد لها وان تنتصر .. تنتصر بأن تعيش بشرف وتموت حتى بشرف.. وان يبين كل تلك الأمور التي يخسرها ذلك الساعي الذي في سبيل السلطة إنما يخسر ويخذل أسمى القيم والمبادي ويخون نفسه قبل أن يخون وطنه وشعبه..
كانت تلك هي قراءتي البسيطة جدا لأحداث هذا العمل الجميل ـ الجدير بقراءتكم له ـ الذي يعلي قيمة الوطن والتفاني في حبه والإخلاص له ..
ختاما أتمنى أن أكون قد استطعت أن انقل لكم ذاك القدر اليسير من التعريف بهذا الكاتب المجتمعي ـ إن صح التعبير ـ المنفلوطي عبر هذا العرض لأحد أعماله الأدبية الخالدة ..
مع خااالص الود والتقدير
:f2:
هالني في البداية أن تقف أحداث تلك القصة هذا الموقف من الإسلام والمسلمين وان تصفهم بالغزاة الذين لا يرحمون ولا يتركون لابناء البلاد حرية ممارسة شعائرهم الدينية .. هالني ذلك وهي القصة التي إنما نقلت إلى الأدب العربي على يد أحد خريجي الأزهر العظام .. ولكني شيئا فشيئا وجدتني أتابع وانبهر وانجذب إلى ذلك العرض المنفرد من تلك الملحمة الوطنية التي تحكى عن دولة البلقان التي تقدم أروع نموذج للبطولة الملحمية والتضحية في سبيل الوطن..
في سبيل التاج .. تعد إحدى الروايات الشهيرة التي قام بنقلها عن الأدب الفرنسي الأديب والقصصي والشاعر والكاتب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي الذي استطاع بمترجماته أن يؤثر في أجيال كاملة من بعده في مطلع القرن العشرين نقلوا مجموعة من اكبر الأعمال الروائية والقصصية في الأدبيين الفرنسي والإنجليزي بصفة خاصة ..
والمنفلوطي (1876-1924) لم يكن بمعزل بأي حال من الأحوال عن الحياة السياسية في مصر في ذلك الوقت أو عن الصراعات الطاحنة التي دارت رحاها حينئذ والتي لم تترك مجالا فكريا أو ثقافيا أو حتى اجتماعيا إلا وازدادت اشتعالا وضراوة في ذلك الوقت .. وكيف لا وقد كانت مصر عندها تعاني اشد ما تعاني من سطوة حكم أسرة محمد على إضافة إلى سطوة الاستعمار البغيض .. وبالطبع فان ظروفا مضطربة كهذه لقادرة على أن تؤثر على الجميع .. وما إن خرج المنفلوطي من الأزهر حتى لزم حلقة المصلح الكبير الشيخ محمد عبده، الذي كان لتعاليمه الأثر الأكبر في اتجاه المنفلوطي إلى الإصلاح الخلقي والاجتماعي .. كما انضم إلى الوفد وناصر سعدا..
كانت تلك لمحة سريعة عن المنفلوطي ذلك الرجل الذي عاش وفيا لقضايا بلده معنيا بمشاكله الاجتماعية الخطيرة ..
وهاهي التضحية العظيمة التي اشتملت عليها الرواية .. والقائد الذي لا يرضى لوالده العيش خائنا منبوذا من جميع الجماهير التي طالما أحبته .. والذي لا يرضى لوطنه كذلك أن يعاني وطأة المحتل .. يقدم على التضحية بأغلى ما له بالوجود "والده الأمير" الذي يضحي به في سبيل الوطن .. وتمضي الأحداث لتنقلب في النهاية .. إلى ما لا يمكن أن نتخيل من أن حب السلطة والملك والسعي إليهما إنما ينتج عنهما الكثير والكثير من المأسي للأرواح البريئة النقية .. تمضي الأحداث ليصبح الخائن بطلا .. ويصبح البطل الشريف خائنا.. وكل هذا وذاك انما يزيد من عامل الفرقة بين صفوف الوطن الواحد .. ويعطي للعدو الفرصة للوصول الى القلب المضطرب ليثبت اركان ودعائم وجوده .. لانه بلا قلب وبلا مركز لا أمل في أي بقاء ..
مشاهد الرواية
الدولة البلقانية التي أعيت جيوش المسلمين عن دخولها والاستيلاء عليه ودافعت عن نفسها دفاعا استمر زمنا طويلا حتى غلبت على أمرها وسقطت وملك عليها ملكا من أهلها "ميلوش" عانت البلاد في عهده من الذل والهوان هكذا كانت البداية ..
الاسقف" أتين يعز عليه ضياع بلاده وسقوطها .. فاخذ يدعو الجميع باسم الدين مرة والوطنية مرة أخرى .. ثم أشار على ملكه أن يخلع طاعة الترك وينادي بالحرية والاستقلال .. وهكذا فعل الملك .. وتحصنت الدولة البلقانية بجيشا قويا بقيادة الأمير ميشيل برانكومير ..
موت الملك وحيرة الشعب بين من يتولى الملك من بعده اهو الأسقف .. أم الأمير ..
يختار الشعب الأسقف ليتقلد زمام الملك .. بينما الأمير ميشيل كرومر ثائرا مهتاجا ينفس سموم الحقد والغدر على العالم كله .. بعد أن اصبح التاج بالنسبة له هو مبغاه الوحيد في هذه الحياة ليس لشيء سوى لان زوجته الجديدة الحسناء تطمح فيه سعيا وراء نبوءة لها منذ الصغر .. في حين ابنه الوحيد قسطنطين يقف بعيدا عن كل تلك الصراعات وهو الفارس الشجاع الذي يحقق النصر للملكة في كل معركة..
لا يخلو الأمر بالطبع من مؤامرة بين زوجة الأمير والعثمانيين .. تقضي بانسحاب الحراس من البوابات لتتمكن الجيوش التركية من عبورها .. ويصبح الأمير في الغد هو سيد البلقان ومليكها.. وسريعا ما يوافق الأمير نفسه على الخطة الغادرة وهو صاحب التاريخ النضالي المشرف .. ويوقع على وثيقة هذا الاتفاق الخائن باسم ال كرومينير .. ولكن ماذا عساه أن يفعل وقد ملكت عليه زوجه لبه وعقله ..
يعلم قسنطين بتلك المؤامرة الشائنة .. وفي الوقت الذي يصل فيه الأمير إلى البوابة الرئيسية ليسهل للعدو المرور دون أدنى إشارة تنبه الجيش المرابض بتقدم العدو .. يجد قسطنطين واقفا عنده مستحلفا له بأرواح الموتى من الضحايا والشهداء .. بتراب المملكة .. بكنائسها .. بنسائها وشيوخها وأطفالها .. بتاريخه النضالي .. مستحلفا له أن يذود عن وطنه .. وان يبريء ساحته من اثام الخيانه .. ولكن الأب الشقي يأبى ويأبى .. ويقف لقسطنطين بالمرصاد ويمنعه من التقدم لاطلاق إشارة التنبيه ويقاتله .. ويدور الصراع فما هي إلا جولة أو جولتان حتى حكم القاضي العدل حكمه فسقط الظالم ونجا المظلوم ..
تبدا المعركة ويتقدم قسطنطين على العدو ولا يذكر شيئا عن أمر والده .. وتصبح صورة الأمير الراحل لدى الجميع هي صورة البطل الشجاع الذي ضحى بنفسه وقتل في سبيل وطنه .. ويبنى له تمثالا ضخما تخليدا لذكراه العطرة..!!
يصاب قسنطين بآلالم والحسرة أن وفاة والده الذي احبه كثير كانت على يديه .. ويتعثر في قياده الجند .. يسري الغضب في صفوف الجنود والتشكيك في نزاهة قسنطين " ويصبح في نظرهم خائن متآمر مع العثمانين يتقهقر بالجيوش حتى يتقدم جيش المحتل ويحتل البلاد ويولونه على عرشها..
الملك الأسقف "اتين" أمام قسطنطين .. وزمرة واسعة من الجند يفند كل تلك الاتهامات .. ويجدد ثقته فيه ويطالبه بالاستمرار في قيادة الجيش .. تظهر من بين الصفوف زوجة أبيه الغادرة التي ما انفكت تقنعه بنفس تلك الخطة الماكرة التي انساق إليها والده من قبل وتريه تلك الوثيقة الموقعة باسم ال كرومينير مع العثمانيين في مقابل تنفيذ كل منهم لوعده .. هذا يسهل دخول القوات مقابل المملكة .. ولكنه يرفض تلك الصفق ... تتقدم تلك الافعى الماكرة الصفوف وتقدم الوثيقة للملك .. وكأن قسنطين هو الذي وقع تلك الوثيقة وليس ابوه .. يصعق الملك ويطلب تفسيرا من قسنطين لكنه لا يتحدث ويرفض أن يدافع عن نفسه فلا سبيل ان يبريء نفسه إلا إذا اتهم أبوه، وهو قد قتله مرة أفا يقتله مرة أخرى .. يأمر الملك بشد قسنطين بالأغلال إلى الساحة العامة المقام فيها تمثال أبيه، "انظر أيها الخائن ماذا بنى أبوك لنفسه من المجد، وماذا صنعت يداك"
في يوم المحاكمة تزدحم الساحة العامة .. يقبل الملك .. يحكم على قسطنطين بان يبقى مشدودا إلى تمثال أبيه ما حيا .. وان يقتص منه المارة والغوغاء ذهابا وإيابا وينال منه من يشاء إلا من يسلبه حياته .. اهكذا قدر لهذا الرجل العظيم .. الشريف ان تكون نهايته .. فيا للبؤس! ويا للشقاء لقد استحال كل شيئ عليه حتى الموت ..
تبرز ميلتزا الجارية التي كان قد نجاها قسطنطين من قبل أشفق عليه وعاملها المعاملة الطيبة الكريمة على الرغم من ماضيها السيئ .. تندفع نحو قسطنطين تسبق المندفعين إليه .. تقيه بنفسها .. وتدافع الجماهير للنيل منهما معا .. سريعا ما تخرج الخنجر الذي عاهدت قسطنطين أن تحتفظ به حتى تقضي على حياتها وراءه إذا ما أصابه مكروه .. وتطعنه مت شريفا كما عشت شريفا .. ثم تطعن نفسها .. وسط سكون الجميع ..
لتكون النهايـــــــــه..
ولعلني الآن بعد قراءة هذه الملحمة أدرك السر وراء كلمات ذاك الإهداء العطر ببداية الرواية إلى "البطل المصري العظيم سعد زغلول " .. التي إنما أراد كاتبها كما يقول "أن يقدم البطل البلقاني إلى البطل المصري لتأنس روح كل منهما بروح صاحبه، وان باعد بينهما الزمن واختلفت بهما الدار.." .
كما أدرك أيضا أن الكاتب لم يكن يقصد أن يصور ذلك الصراع بين المسلمين وغير المسلمين بقدر ما كان يقصد أن يعرض لهذا الصراع الخفي بين قوى الخير(الابن) وقوى الشر (الأب) وكيف أن قوى الخير هي التي لابد لها وان تنتصر .. تنتصر بأن تعيش بشرف وتموت حتى بشرف.. وان يبين كل تلك الأمور التي يخسرها ذلك الساعي الذي في سبيل السلطة إنما يخسر ويخذل أسمى القيم والمبادي ويخون نفسه قبل أن يخون وطنه وشعبه..
كانت تلك هي قراءتي البسيطة جدا لأحداث هذا العمل الجميل ـ الجدير بقراءتكم له ـ الذي يعلي قيمة الوطن والتفاني في حبه والإخلاص له ..
ختاما أتمنى أن أكون قد استطعت أن انقل لكم ذاك القدر اليسير من التعريف بهذا الكاتب المجتمعي ـ إن صح التعبير ـ المنفلوطي عبر هذا العرض لأحد أعماله الأدبية الخالدة ..
مع خااالص الود والتقدير
:f2: