ثورة الرزوق
29-03-2006, 10:38 AM
قصتان
بقلم الكاتبة الأمريكية : كاثي فيش
ترجمة : صالح الرزوق
من هي كاثي فيش ؟
كاثي فيش ، كاتبة من كولورادو، الولايات المتحدة الأمريكية. تبلغ من العمر 45 عاما، متزوجة ، و أم لأربعة أولاد. لها عدد من القصص القصيرة المنشورة ، و بدأت بإنجاز مشروعها الروائي الأول.
و قد بدأت الكاتبة بجدية منذ عام1998 ، وكانت محررة لركن القصة في مجلة سموك لونغ كوارتيرلي " ، و رشحت عن إحدى قصصها لجائزة " بوش كارت " عام 2004 .
تعتبر كاثي من الجيل الذي اتصل بتقاليد العالم الثالث الخيالية، من ناحية التراكيب و الصياغة، و من ناحية الوعي الإستاطيقي ( و إن كانت هي شخصيا لا تؤيد ذلك ).
إن العقدة التاريخية في المشهد الأمريكي تدفع القصة لتكون مأساة أو ملحمة قيامية. و ربما يعود هذا إلى معاناة الدولة الأصلية ، الدولة المتروبوليتانية، التي قامت من عناء الاندماج في بوتقة واحدة قادرة على ضم خليط من الثقافات و الحضارات ، كما هي الحال عند فوكنر أو همنغواي.
غير أن كاتي تركز على عناصر من الطبيعة الخام ( غير المصنعة ) و البعيدة عن المعاناة السابقة للبنية، و على السيرورة العائلية و مخزونها من الذكريات.. العلاقات بين الأفراد و مع البيئة أو المناخ الاجتماعي ، ثم مع الذهن الحر غير المقيد ، الجوهري ، بالأحرى الذهن الفطري و طريقة إنتاجه للمعرفة من وراء سياق المادة ، و هو ما يعرف بالتجربة الطفولية ، و بمفردات فرويد " التثبيت " .
إن خبرات الوعي الثابت تتطور من تحت ستار الواقع و ما فوق الطبيعة ، لإنتاج عالم صوري غير قابل للتبدل ، و لكنه شاهد على السعة العاطفية للجنس البشري.
و من هنا تلتقي كاثي فيش مع ماركيز على نحو بعيد ، و مع المعنى الحيوي للطاقة كما يعبر عنها باولو كويلهو في : الخيميائي ، و فتيات فالكيري و غيرها من النماذج ، و مع خوسيه ساراماغو في : الطوف الحجري ، و عام وفاة ريكاردوريس ، إلخ...
هكذا تبدأ إشراقات كاثي الصغيرة ، و الهادئة ، و التي تعتبر إضافة على المشهد الأمريكي المعاصر.
قارب آخر نرى أشرعته الملونة و هو يبدأ رحلته في تيار إنساني و أنوثي ، معقد أحيانا ، مع إطنابات و استرسالات غير إنشائية أحيانا أخرى.
إلى كاثي فيش ...
o كيف تموت أشجار الدردار
ها هو الوالد على منضدة الإفطار ، يميل باتجاه شقيقي دين ، كأنه يخبر دين سرا فاحشا ، لو أنك استثنيت صوته المرتفع بما فيه الكفاية لنسمعه كلانا ، أنا و الوالدة.
طلب دين من أبي أن يشرح له لماذا كل الأشجار في البلدة تموت.
قال الوالد حين تهب الرياح الحارة فإنها تحث الأشجار على الاهتزاز و الحفيف فيما بينها . " ذلك هو مربط الفرس في الأمر يا ولد. الأشجار تحمل و تنشر الأوبئة أيضا. ".
ثم نظر إلى الوالدة مع ابتسامة و قال : " أليس هذا صحيحا يا عزيزتي الصغيرة ؟". كان من عادته أن يناديها : " كونستانس " ، و لكن منذ أول هذا الصيف و هو يدعوها " عزيزتي الصغيرة " . لا أعلم ما السبب.و ها هي الوالدة كذلك. لقد وضعت عصابة حول رأسها الذي انتشرت فيه تجاعيد وردية ، و دهنت شفتيها بالروج مع أننا على طاولة الإفطار و حسب. كانت تحسو القهو السوداء بكوب أخضر عليه نقوش لصورة غزال رشيق مع العبارة التالية : " لا شيء يعدو مثل غزال ".
ضحكت و قالت : " ألست أنت شاعرنا في هذا الصباح يا راي !".
ثم أضافت : " حفيف الأشجار . هذا بمنتهى الفصاحة ، حقا".
أقسم أنه جاء من في أعقاب حركة فمها المصبوغ باللون الأحمر رائحة عطر ( تايد ).
لم يكن بمقدوري تناول الطعام بسبب أزيز المنشار الأتوماتيكي. لقد كانت بحوزتنا شجرة دردار بعمر مائة عام ، و هي أمام باب بيتنا. هنالك قوس من أشجار الدردار على طول هذا الشارع ، و هي تحجب عنا السماء. كان صوت المناشير الأتوماتيكية يأتي كما لو أنه على مسافة ثلاثة أو أربعة بيوت.
توقف دين عن الإصغاء. وضع في فمه مقدار حفنة من البيض المخفوق الذي له شكل دماغ أصفر مطحون. كان عمره إثني عشر عاما ، أكبر مني بحوالي عامين. مضغ الوالد بأسنانه لقمة ، و راقب الوالدة.
قال : " التكهنات مميتة ، أليس كذلك يا صغيرتي العزيزة ". كان هناك شيء ما بصوته ينومني مغناطيسيا . فوضعت كلتا يدي على أطراف الكرسي.
كانت الوالدة تنظر في الجريدة ، تنظر إليها فقط. و آنذاك على وجه التقريب نهض الوالد بنية المغادرة. قالت له : " لا تنس قدر الطعام أيها الشاعر ".
حول المدينة رقدت الجذوع الخشبية على الأرض كما لو أنها عظامها. رغب دين و أصدقاؤه أن يقفزوا بين هذه الجذوع على طريقة الهنود ، قدم أمام أخرى ، مع أذرع ممدودة للتوازن على مستوى صدورهم. لقد جلست في ظل مدرستنا أتأمل حركاتهم. كانت السماء تبدو جديدة و واسعة و على وشك أن تبتلعني. حاولت أن لا أنظر إليها. كنت أعتز بذلك الإحساس : أن الإسمنت لا يزال تحت قدمي ، و أن طوب الجدران هو وراء ظهري.
سمعت رجلا يدمدم في مذياع الترانزستور بأغنية : " تعالي يا حبيبتي و أضرمي ناري ".
رفعت الصوت ، و نظفت جبيني من خصلات شعر بإعادتها إلى الوراء. كان الأولاد يلعبون الآن : اتبعوا الزعيم. أعلن دين و هو ينظر من فوق كتفه أنهم سوف يعودون إلى منازلهم في غضون خمس دقائق. و قد ركزت انتباهي على الخف الذي يرتديه و الذي يطير به فوق أطراف الجذوع الميتة.
لم أعد ألتزم بإخبار دين حول أي شيء منذ فترة. ليس منذ أخبرته سهوا عن مشاكلي مع الجاذبية الأرضية ، و هو بدوره ذهب فورا إلى الوالدة و أفشى السر. لقد وضعت يدها على جبيني لتتأكد من حرارتي ، و طلبت مني مزيدا من التوضيحات ، و لكن ماذا بمقدوري أن أقول ؟.
حصل هذا يوم أجبرت الأخت ويليام زميلنا ليونارد تاكير على الوقوف فوق منصة الصف أمام الملأ لأنه يعبث بثمار توت العليق أثناء درس " النشيد العسكري الوطني " .و سألته عن الأسرار العظيمة الخمس . لم تكن لديه إجابة ( و كانت تعلم ذلك مسبقا ) ، لذلك عاقبته بصفعات على مؤخرة رأسه بيديها التين تشبهان أطراف البرمائيات.
فجأة شعرت بالحبور و انعدام الوزن ، بعدئذ ، و بأحسن ظني ، كنت أراقب ليونارد تاكير و الأخت ويليام من مكان في الأعلى قرابة السقف. و رأيت تفاصيلي الذاتية أيضا ، و أنا وراء المقعد أقبض على كتاب الموسيقا ، تماما مثل الآخرين جميعا.
عاد الوالد إلى غرفتي بعد موعد العمل ، و كانت له رائحة نصال حلاقة معدنية حارة ، تأتي من بشرته ، و تحدث معي بالتفصيل عن الجاذبية الأرضية. كان أشبه بشاعر ، و هذا يعني أنني لم أفهم حرفا واحدا. و لكن علمت أن الجاذبية " لا تكبلني فوق صدر أمنا الأرض " كل الأوقات مثل الآخرين ، كما يبدو. و قد أومأت برأسي لأسعده ، غير أنني بعدئذ حاولت أن أتعلم كيف أصنع من أصابع قدمي ما يشبه خطاطيف معقوفة قوية حين أسير ، و أن أجلس على المقاعد بقسوة و صلابة.
في زقاق ميولان كان الجو باردا و معتما . مسحت أطول فروع الأشجار ببصري ، و شاهدت عناقيد الأوراق البنية الذابلة. وقفت عند أقدام شجرة الدردار المنصوبة أمام عتبات دارنا. و شاهدت الوالدة من خلال النافذة ، كانت تسعى وراء أعمالها ، و شعرها ينحدر على كتفيها في خصلات مجعدة. رائحة عطر ( تايد ) المنعش قهرت الهواء الراكد و الجاف ، ثم هبت على نحو أقوى ، و اختلطت مع النسائم الدافئة. بدأت الأشجار تتمايل ، و تهمس لي " هذه أمك ، هذه أمك ، إنها أمك ..."، و لكن لم يبلغ إلى علمي ماذا أرادت الأشجار أن تقول بالضبط.
و في الحال ظهر الوالد من أحد الزوايا ، و كان يتأرجح مع قدر غدائه. كان وجهه طويلا. عقدت العزم أن لا أعدو إليه ، و ضغطت بمؤخرتي على الأرض في ظل شجرة الدردار و بقوة.
لا شك أن الرجال حاملي المناشير الأتوماتيكية سوف يحضرون قريبا.
لا بد من الانتظار ، سأنتظرهم.
o لا تضع أمي أحمر الشفاه الناصع أبدا
لم تضع أمي أحمر شفاه ناصعا أبدا. كانت تفضل الظلال اللونية الداكنة و غير البراقة. لا أثر للوميض الملحوظ. و كانت تختار لنفسها ألوان ثياب محيطها ، لذلك حين تتحرك في أنحاء المطبخ تبدو أشبه بشبح من ماي تاغ ( 1 ) ، تنورات خضراء مصفرة بلون الأفوكادو ، و قمصان بلون الحصاد الذهبي. أحيانا كنا ننسى أنها هناك.
كانت تتكلم و تتحرك بطريقة سلسة و بطيئة ، و من غير عادة النظر مباشرة في العيون و التي تثير الأعصاب . كانت تترك كل طاقاتها المخزونة عما يجب أن توفره لنا لطعام الغداء في ذلك اليوم ، و لمتابعة علامات اختباراتنا المدرسية الأساسية التي حزنا عليها.
ذات صيف تغيرت الوالدة.
لقد بدأ ذلك برائحة ذكية من بدنها. حين دخلت الغرفة رائحة ذكية جديدة أعلنت عن نفسها بالإضافة إلى الخلفية المعروفة من روائح ميزت العائلة ، و هي عبير صابون ( زيست ) و عطور ( بان ) و ( تايد ) . شيء له علاقة بالورود و الثمار ، مثل ذاك لشعر مربية أطفال.
أصبحت والدتي مدمنة على النسيان. و تخلصت من عادة الاقتراب مني لتمسد على شعري و تسأل بطريقتها الرقيقة المعروفة ، و بعيون مفتوحة على آخرها : كيف كان يومي ، و هل ألقيت القبض على أية سمكة ؟. كانت هناك أيام لا نرى فيها عيون والدتي، لأنها تستدير فجأة ، مع ابتسامة سرية تشرق على وجهها. حديثها معنا في ذلك الصيف كان يقتصر دائما على إخبارنا باجتماع حان موعده أو بمشاغل كي لا نتوقع عودتها قبل مرور عدة ساعات.
كانت تقبلنا و تترك آثار أحمر الشفاه الناصع البراق علينا ، و هي تحاول تعديل موضع قبعتها ، و بيدها مفاتيح السيارة ، و بلا مزيد من الإشارات. غابت الإيماءات في خضم ذلك. حين نجلس لمشاهدة برنامج " أبطال هوغان " كانت تضحك بصوت مرتفع. و اعتادت على ارتداء جينز أزرق و هز ساقها من فوق مسند المقعد الذي تجلس عليه ، إلى أن يتأرجح هو بدوره.
سألها والدي : " ماذا دهاك يا كونستانس ؟".
فاحمر وجهها و سحبت ساقها و جلست باحتشام مجددا.
و يوم ألغيت مباراة البيسبول بسبب برق السماء الخطير ، عدت إلى المنزل ، و في اعتقادي أنني سأشاهد الملاحظة المعتادة ، أنا غير موجودة ، و أن أهتم بغذائي ، و أحصل على شطيرة خفيفة. و لكن كان البيت يبدو غريبا ، كأنما عاصفة ليلية ضربته . كان بلا ملاحظات ، و سمعت صوتها يأتي من غرفة النوم. قفزت على الدرجات و فتحت الباب و لكن لم أشاهدها. حاولت أن أصغي بسمع ثاقب. لقد كانت مثل من انهمك في حوار مؤلم مع رعد السماء.
ذهبت إلى الحمام و رأيتها هناك في المقصورة و بحالة عناق مع هاتف من موديل " الأميرة " ، و كان قرب أذنها . و هي تبكي.
عندما انتبهت مؤخرا أنني أقف هناك أغلقت السماعة بسرعة ، و مسحت خديها بيدين ترتعشان. , أخبرتني بصوت مقلق أن أغيب عن بصرها ، و هكذا هبطت على السلالم ، ثم خرجت من الباب بسرعة العاصفة. مطر كأنه طلقات الرصاص المنهمر أجبرني على التمهل عند المدخل. و هذا أحبطني حتى أنني لم أعلم أنى أذهب.
بعد قليل بدأت الوالدة تصيح من نافذة غرفة نومها لأعود. قالت تزعق : يا لهذا الجنون ؟ . كنت أرتجف في الممر و هي تأتي بالمنشفة. ألقتها على رأسي و قدمت لي " فيغ نيوتن " ( 2 ) ، ثم عادت إلى مهجعها.
وصل الوالد أخيرا ، و كان يمسح بيديه قطرات المطر عن معطفه . وضعت الوالدة إناء الحساء. و قدمت إليه بذراعين مفتوحتين ، و قالت ببساطة : " روجير " ، ثم ألقت رأسها على كتفه. لقد وقفا هناك هكذا لبعض الوقت قبل أن ينسحب والدي قليلا و يقبلها في الجبين. ثم سألها " ما معنى هذا كله ؟".
ابتسمت له ، و هزت رأسها.
بعد ذلك ، عادت والدتي إلى أحمر الشفاه الذي يناسب لون شفتيها الطبيعي و ثيابها، و لون ظل أدوات المطبخ أيضا.
لقد بدأت تتحدث بصوت رقيق ، و تجلس باحتشام ، و لا تضحك إلا قليلا و بمقدار. و لم تعد تبدو غريبة عن الأجواء.
------------------
* هوامش المترجم :
1- ماي تاغ : مدينة تابعة لولاية أيوا.
2- نوع من الحلويات الخاص بالحمية.
• مصدر النص الأصلي
* How Elm Trees Die, Story by : Kathy Fish, Pindeldyboz.
* My Mother Never Wore Bright Lipstick , Story by : Kathy Fish, Family Section,
Parenthetical note Magazine.
ترجمة : صالح الرزوق
بقلم الكاتبة الأمريكية : كاثي فيش
ترجمة : صالح الرزوق
من هي كاثي فيش ؟
كاثي فيش ، كاتبة من كولورادو، الولايات المتحدة الأمريكية. تبلغ من العمر 45 عاما، متزوجة ، و أم لأربعة أولاد. لها عدد من القصص القصيرة المنشورة ، و بدأت بإنجاز مشروعها الروائي الأول.
و قد بدأت الكاتبة بجدية منذ عام1998 ، وكانت محررة لركن القصة في مجلة سموك لونغ كوارتيرلي " ، و رشحت عن إحدى قصصها لجائزة " بوش كارت " عام 2004 .
تعتبر كاثي من الجيل الذي اتصل بتقاليد العالم الثالث الخيالية، من ناحية التراكيب و الصياغة، و من ناحية الوعي الإستاطيقي ( و إن كانت هي شخصيا لا تؤيد ذلك ).
إن العقدة التاريخية في المشهد الأمريكي تدفع القصة لتكون مأساة أو ملحمة قيامية. و ربما يعود هذا إلى معاناة الدولة الأصلية ، الدولة المتروبوليتانية، التي قامت من عناء الاندماج في بوتقة واحدة قادرة على ضم خليط من الثقافات و الحضارات ، كما هي الحال عند فوكنر أو همنغواي.
غير أن كاتي تركز على عناصر من الطبيعة الخام ( غير المصنعة ) و البعيدة عن المعاناة السابقة للبنية، و على السيرورة العائلية و مخزونها من الذكريات.. العلاقات بين الأفراد و مع البيئة أو المناخ الاجتماعي ، ثم مع الذهن الحر غير المقيد ، الجوهري ، بالأحرى الذهن الفطري و طريقة إنتاجه للمعرفة من وراء سياق المادة ، و هو ما يعرف بالتجربة الطفولية ، و بمفردات فرويد " التثبيت " .
إن خبرات الوعي الثابت تتطور من تحت ستار الواقع و ما فوق الطبيعة ، لإنتاج عالم صوري غير قابل للتبدل ، و لكنه شاهد على السعة العاطفية للجنس البشري.
و من هنا تلتقي كاثي فيش مع ماركيز على نحو بعيد ، و مع المعنى الحيوي للطاقة كما يعبر عنها باولو كويلهو في : الخيميائي ، و فتيات فالكيري و غيرها من النماذج ، و مع خوسيه ساراماغو في : الطوف الحجري ، و عام وفاة ريكاردوريس ، إلخ...
هكذا تبدأ إشراقات كاثي الصغيرة ، و الهادئة ، و التي تعتبر إضافة على المشهد الأمريكي المعاصر.
قارب آخر نرى أشرعته الملونة و هو يبدأ رحلته في تيار إنساني و أنوثي ، معقد أحيانا ، مع إطنابات و استرسالات غير إنشائية أحيانا أخرى.
إلى كاثي فيش ...
o كيف تموت أشجار الدردار
ها هو الوالد على منضدة الإفطار ، يميل باتجاه شقيقي دين ، كأنه يخبر دين سرا فاحشا ، لو أنك استثنيت صوته المرتفع بما فيه الكفاية لنسمعه كلانا ، أنا و الوالدة.
طلب دين من أبي أن يشرح له لماذا كل الأشجار في البلدة تموت.
قال الوالد حين تهب الرياح الحارة فإنها تحث الأشجار على الاهتزاز و الحفيف فيما بينها . " ذلك هو مربط الفرس في الأمر يا ولد. الأشجار تحمل و تنشر الأوبئة أيضا. ".
ثم نظر إلى الوالدة مع ابتسامة و قال : " أليس هذا صحيحا يا عزيزتي الصغيرة ؟". كان من عادته أن يناديها : " كونستانس " ، و لكن منذ أول هذا الصيف و هو يدعوها " عزيزتي الصغيرة " . لا أعلم ما السبب.و ها هي الوالدة كذلك. لقد وضعت عصابة حول رأسها الذي انتشرت فيه تجاعيد وردية ، و دهنت شفتيها بالروج مع أننا على طاولة الإفطار و حسب. كانت تحسو القهو السوداء بكوب أخضر عليه نقوش لصورة غزال رشيق مع العبارة التالية : " لا شيء يعدو مثل غزال ".
ضحكت و قالت : " ألست أنت شاعرنا في هذا الصباح يا راي !".
ثم أضافت : " حفيف الأشجار . هذا بمنتهى الفصاحة ، حقا".
أقسم أنه جاء من في أعقاب حركة فمها المصبوغ باللون الأحمر رائحة عطر ( تايد ).
لم يكن بمقدوري تناول الطعام بسبب أزيز المنشار الأتوماتيكي. لقد كانت بحوزتنا شجرة دردار بعمر مائة عام ، و هي أمام باب بيتنا. هنالك قوس من أشجار الدردار على طول هذا الشارع ، و هي تحجب عنا السماء. كان صوت المناشير الأتوماتيكية يأتي كما لو أنه على مسافة ثلاثة أو أربعة بيوت.
توقف دين عن الإصغاء. وضع في فمه مقدار حفنة من البيض المخفوق الذي له شكل دماغ أصفر مطحون. كان عمره إثني عشر عاما ، أكبر مني بحوالي عامين. مضغ الوالد بأسنانه لقمة ، و راقب الوالدة.
قال : " التكهنات مميتة ، أليس كذلك يا صغيرتي العزيزة ". كان هناك شيء ما بصوته ينومني مغناطيسيا . فوضعت كلتا يدي على أطراف الكرسي.
كانت الوالدة تنظر في الجريدة ، تنظر إليها فقط. و آنذاك على وجه التقريب نهض الوالد بنية المغادرة. قالت له : " لا تنس قدر الطعام أيها الشاعر ".
حول المدينة رقدت الجذوع الخشبية على الأرض كما لو أنها عظامها. رغب دين و أصدقاؤه أن يقفزوا بين هذه الجذوع على طريقة الهنود ، قدم أمام أخرى ، مع أذرع ممدودة للتوازن على مستوى صدورهم. لقد جلست في ظل مدرستنا أتأمل حركاتهم. كانت السماء تبدو جديدة و واسعة و على وشك أن تبتلعني. حاولت أن لا أنظر إليها. كنت أعتز بذلك الإحساس : أن الإسمنت لا يزال تحت قدمي ، و أن طوب الجدران هو وراء ظهري.
سمعت رجلا يدمدم في مذياع الترانزستور بأغنية : " تعالي يا حبيبتي و أضرمي ناري ".
رفعت الصوت ، و نظفت جبيني من خصلات شعر بإعادتها إلى الوراء. كان الأولاد يلعبون الآن : اتبعوا الزعيم. أعلن دين و هو ينظر من فوق كتفه أنهم سوف يعودون إلى منازلهم في غضون خمس دقائق. و قد ركزت انتباهي على الخف الذي يرتديه و الذي يطير به فوق أطراف الجذوع الميتة.
لم أعد ألتزم بإخبار دين حول أي شيء منذ فترة. ليس منذ أخبرته سهوا عن مشاكلي مع الجاذبية الأرضية ، و هو بدوره ذهب فورا إلى الوالدة و أفشى السر. لقد وضعت يدها على جبيني لتتأكد من حرارتي ، و طلبت مني مزيدا من التوضيحات ، و لكن ماذا بمقدوري أن أقول ؟.
حصل هذا يوم أجبرت الأخت ويليام زميلنا ليونارد تاكير على الوقوف فوق منصة الصف أمام الملأ لأنه يعبث بثمار توت العليق أثناء درس " النشيد العسكري الوطني " .و سألته عن الأسرار العظيمة الخمس . لم تكن لديه إجابة ( و كانت تعلم ذلك مسبقا ) ، لذلك عاقبته بصفعات على مؤخرة رأسه بيديها التين تشبهان أطراف البرمائيات.
فجأة شعرت بالحبور و انعدام الوزن ، بعدئذ ، و بأحسن ظني ، كنت أراقب ليونارد تاكير و الأخت ويليام من مكان في الأعلى قرابة السقف. و رأيت تفاصيلي الذاتية أيضا ، و أنا وراء المقعد أقبض على كتاب الموسيقا ، تماما مثل الآخرين جميعا.
عاد الوالد إلى غرفتي بعد موعد العمل ، و كانت له رائحة نصال حلاقة معدنية حارة ، تأتي من بشرته ، و تحدث معي بالتفصيل عن الجاذبية الأرضية. كان أشبه بشاعر ، و هذا يعني أنني لم أفهم حرفا واحدا. و لكن علمت أن الجاذبية " لا تكبلني فوق صدر أمنا الأرض " كل الأوقات مثل الآخرين ، كما يبدو. و قد أومأت برأسي لأسعده ، غير أنني بعدئذ حاولت أن أتعلم كيف أصنع من أصابع قدمي ما يشبه خطاطيف معقوفة قوية حين أسير ، و أن أجلس على المقاعد بقسوة و صلابة.
في زقاق ميولان كان الجو باردا و معتما . مسحت أطول فروع الأشجار ببصري ، و شاهدت عناقيد الأوراق البنية الذابلة. وقفت عند أقدام شجرة الدردار المنصوبة أمام عتبات دارنا. و شاهدت الوالدة من خلال النافذة ، كانت تسعى وراء أعمالها ، و شعرها ينحدر على كتفيها في خصلات مجعدة. رائحة عطر ( تايد ) المنعش قهرت الهواء الراكد و الجاف ، ثم هبت على نحو أقوى ، و اختلطت مع النسائم الدافئة. بدأت الأشجار تتمايل ، و تهمس لي " هذه أمك ، هذه أمك ، إنها أمك ..."، و لكن لم يبلغ إلى علمي ماذا أرادت الأشجار أن تقول بالضبط.
و في الحال ظهر الوالد من أحد الزوايا ، و كان يتأرجح مع قدر غدائه. كان وجهه طويلا. عقدت العزم أن لا أعدو إليه ، و ضغطت بمؤخرتي على الأرض في ظل شجرة الدردار و بقوة.
لا شك أن الرجال حاملي المناشير الأتوماتيكية سوف يحضرون قريبا.
لا بد من الانتظار ، سأنتظرهم.
o لا تضع أمي أحمر الشفاه الناصع أبدا
لم تضع أمي أحمر شفاه ناصعا أبدا. كانت تفضل الظلال اللونية الداكنة و غير البراقة. لا أثر للوميض الملحوظ. و كانت تختار لنفسها ألوان ثياب محيطها ، لذلك حين تتحرك في أنحاء المطبخ تبدو أشبه بشبح من ماي تاغ ( 1 ) ، تنورات خضراء مصفرة بلون الأفوكادو ، و قمصان بلون الحصاد الذهبي. أحيانا كنا ننسى أنها هناك.
كانت تتكلم و تتحرك بطريقة سلسة و بطيئة ، و من غير عادة النظر مباشرة في العيون و التي تثير الأعصاب . كانت تترك كل طاقاتها المخزونة عما يجب أن توفره لنا لطعام الغداء في ذلك اليوم ، و لمتابعة علامات اختباراتنا المدرسية الأساسية التي حزنا عليها.
ذات صيف تغيرت الوالدة.
لقد بدأ ذلك برائحة ذكية من بدنها. حين دخلت الغرفة رائحة ذكية جديدة أعلنت عن نفسها بالإضافة إلى الخلفية المعروفة من روائح ميزت العائلة ، و هي عبير صابون ( زيست ) و عطور ( بان ) و ( تايد ) . شيء له علاقة بالورود و الثمار ، مثل ذاك لشعر مربية أطفال.
أصبحت والدتي مدمنة على النسيان. و تخلصت من عادة الاقتراب مني لتمسد على شعري و تسأل بطريقتها الرقيقة المعروفة ، و بعيون مفتوحة على آخرها : كيف كان يومي ، و هل ألقيت القبض على أية سمكة ؟. كانت هناك أيام لا نرى فيها عيون والدتي، لأنها تستدير فجأة ، مع ابتسامة سرية تشرق على وجهها. حديثها معنا في ذلك الصيف كان يقتصر دائما على إخبارنا باجتماع حان موعده أو بمشاغل كي لا نتوقع عودتها قبل مرور عدة ساعات.
كانت تقبلنا و تترك آثار أحمر الشفاه الناصع البراق علينا ، و هي تحاول تعديل موضع قبعتها ، و بيدها مفاتيح السيارة ، و بلا مزيد من الإشارات. غابت الإيماءات في خضم ذلك. حين نجلس لمشاهدة برنامج " أبطال هوغان " كانت تضحك بصوت مرتفع. و اعتادت على ارتداء جينز أزرق و هز ساقها من فوق مسند المقعد الذي تجلس عليه ، إلى أن يتأرجح هو بدوره.
سألها والدي : " ماذا دهاك يا كونستانس ؟".
فاحمر وجهها و سحبت ساقها و جلست باحتشام مجددا.
و يوم ألغيت مباراة البيسبول بسبب برق السماء الخطير ، عدت إلى المنزل ، و في اعتقادي أنني سأشاهد الملاحظة المعتادة ، أنا غير موجودة ، و أن أهتم بغذائي ، و أحصل على شطيرة خفيفة. و لكن كان البيت يبدو غريبا ، كأنما عاصفة ليلية ضربته . كان بلا ملاحظات ، و سمعت صوتها يأتي من غرفة النوم. قفزت على الدرجات و فتحت الباب و لكن لم أشاهدها. حاولت أن أصغي بسمع ثاقب. لقد كانت مثل من انهمك في حوار مؤلم مع رعد السماء.
ذهبت إلى الحمام و رأيتها هناك في المقصورة و بحالة عناق مع هاتف من موديل " الأميرة " ، و كان قرب أذنها . و هي تبكي.
عندما انتبهت مؤخرا أنني أقف هناك أغلقت السماعة بسرعة ، و مسحت خديها بيدين ترتعشان. , أخبرتني بصوت مقلق أن أغيب عن بصرها ، و هكذا هبطت على السلالم ، ثم خرجت من الباب بسرعة العاصفة. مطر كأنه طلقات الرصاص المنهمر أجبرني على التمهل عند المدخل. و هذا أحبطني حتى أنني لم أعلم أنى أذهب.
بعد قليل بدأت الوالدة تصيح من نافذة غرفة نومها لأعود. قالت تزعق : يا لهذا الجنون ؟ . كنت أرتجف في الممر و هي تأتي بالمنشفة. ألقتها على رأسي و قدمت لي " فيغ نيوتن " ( 2 ) ، ثم عادت إلى مهجعها.
وصل الوالد أخيرا ، و كان يمسح بيديه قطرات المطر عن معطفه . وضعت الوالدة إناء الحساء. و قدمت إليه بذراعين مفتوحتين ، و قالت ببساطة : " روجير " ، ثم ألقت رأسها على كتفه. لقد وقفا هناك هكذا لبعض الوقت قبل أن ينسحب والدي قليلا و يقبلها في الجبين. ثم سألها " ما معنى هذا كله ؟".
ابتسمت له ، و هزت رأسها.
بعد ذلك ، عادت والدتي إلى أحمر الشفاه الذي يناسب لون شفتيها الطبيعي و ثيابها، و لون ظل أدوات المطبخ أيضا.
لقد بدأت تتحدث بصوت رقيق ، و تجلس باحتشام ، و لا تضحك إلا قليلا و بمقدار. و لم تعد تبدو غريبة عن الأجواء.
------------------
* هوامش المترجم :
1- ماي تاغ : مدينة تابعة لولاية أيوا.
2- نوع من الحلويات الخاص بالحمية.
• مصدر النص الأصلي
* How Elm Trees Die, Story by : Kathy Fish, Pindeldyboz.
* My Mother Never Wore Bright Lipstick , Story by : Kathy Fish, Family Section,
Parenthetical note Magazine.
ترجمة : صالح الرزوق