إسلام شمس الدين
14-02-2003, 07:54 AM
اختلط على كثير من الأدباء و النقاد في العالم العربي مفهوم الواقعية في الأدب، التي هي واقعية لها سماتها الفنية الإبداعية وذات بعد تخيلي .
إن الفن الأدبي في جميع مذاهبه يهدف إلى تصوير المشاعر و التجارب الإنسانية في صورة تنبض بالحياة، وتنزلها من عالم التجريد إلى عالم التجسيد، فكان الواقع ماثلاً في هذه الإبداعات الأدبية، ومن ثم أصبحت الواقعية في الأعمال القصصية والروائية شرطاً يلتزم به المؤلف والناقد لكي يكون العمل الأدبي ناجحا.
إلا أن هذه الواقعية التي لازمت الأدب اكتسبت خلال العصور مفهوماً خاصاً بها، فهي واقعية فنية لا تطابق الواقع، ولا تحاكيه محاكاة حمقاء. وقد ندد روجروم بسفيلد بأولئك الذين يرون أن الواقعية هي الأمانة في تصوير الأحداث والشخصيات، ونقلها نقلاً حرفياً كما تلتقطه آلة التصوير، حين قال عن هذا المفهوم"ليس هذا التفسير إلا أسطورة من الأساطير".
التفاوت بين الفن و الواقع
اختلط على كثير من الأدباء و النقاد في العالم العربي، مفهوم الواقعية في الأدب، فطالبوا الواقع مائلاً في الأعمال الروائية و القصصية و المسرحية، بزعم الواقعية ، لكن شتان ما بين الواقع والأدب.
ولو أخذت البشرية بمبدأ مطابقة الواقع لخرج الأدب عن فنياته، وفقد سر تفرده الذي هو مصدر تفوقه وبقائه، ولاستحالت بقية الفنون الأخرى فلم تقم لها وزناً.
وقد عبر فكتور هوجو في تعريفه للمسرح عن الواقعية الفنية بصورة تبرز التفاوت الواضح بين الفن والواقع، و تنفى تطابقهما، وذلك حين قال "ليس المسرح بلد الواقع، ففيه أشجار من ورق، وقصور من نسيج، و سماء أسمال و قطع ألماس من الزجاج، ذهب من صفائح، وجواهر زائفة بالخضاب، وخدود عليها بهرج الزينة، وشمس تبرز من تحت الأرض ولكنه بلد الحقيقة، ففيه قلوب إنسانية على المشهد وقلوب إنسانية خلف المسرح، وقلوب إنسانية أمام العرض".
و هو تصوير دقيق يظهر عمق الواقعية المختصة بالفن، وهى واقعية نفسية تعتمد على المشاعر والأحاسيس و صدق العواطف، لكنها ليست بأي حال مطابقة للواقع المعاش، بل تختلف عن اختلاف الحقيقة عن صورتها الزائفة، إلا أنها صورة غنية بالتعبير، صادقة في رسم مكنونات النفس، و دخائل الصدور.
فالأدب في جميع أنواعه ابتداء بالشعر، و انتهاء بالقصة القصيرة ليس نقلاً غفلاً للواقع، وإلا كان كل كلام أدباً، و كل ناطق من الناس أديب، و ليس الأمر كذلك.
لهذا فإن واقعية الأدب بسماتها الفنية الإبداعية ذات البعد التخيلي، غير الواقع بقيوده الصادقة، ويمكننا أن نشير إلى شئ من أوجه الاختلاف بين هذين الواقعين.
أولاً: تصور الواقعية
لاتصور الواقعية في الشعر الأِشياء كما هي، و إلا لما رأينا تلك الصور والأخيلة المتفاوتة للشعراء والشاعرات، ولما اختلفت وجهات نظرهم في حقائق الحياة، فكم من بدر كان في ليل الشاعر حزين شاحباً، و كم من هلال في جو ملبد بالغيوم خاله آخر وجه الحبيب يطل من خلف الستار.
ثانياً : الزمن التصورى للرواية
الرواية تصور فترات زمنية قد تصل إلى عقود من الزمن و لكنها لا ترصد في سردها إلا فترات قصيرة، و لا تنتقى إلا أحداثاً محددة يوظفها الكاتب لتطوير عمله.
و لو طالبنا بمطابقة الواقعية الأدبية للواقع، للزم المؤلف تتبع كل الأحداث و المشاهد و لاحتاج الأمر إلى مئات الصفحات لتسجيل حقبة زمنية محددة.
ثالثاً : مسافرة الخيال عبر الزمان و المكان
يسمح الخيال الأدبي للمؤلف بالانتقال خلال الزمان و المكان في القصة والرواية و المسرحية، عن طريق عبارة أو إشارة ، فيتابعه المتلقي، ويسافر خياله إلى أماكن الرواية وأزمانها، والمتلقي يستمتع بهذا كله على الرغم من هذه التنقلات التي لا يمكن أن تتحقق في الواقع.
ففي عمله واقعية أدبية ينشدها المتلقي، وهى سر متابعته و تشوقه، لكنها تبقى غير نقل للحقيقة.
رابعاً : واقعية و خيالية الحوار الأدبي
إن الحوار القصصي و المسرحي ليس مطابقاً للواقع بإي حال من الأحوال، لأننا لو طالبنا بهذه المطابقة فإننا نطالب بجمل متقطعة تفتقد الترابط و التسلسل. "إن الناس عادة ما يثرثرون أكثر مما يتحدثون، و ينتقلون من موضوع إلى موضوع و بلا هدف معين"، لكن المؤلف يهذب أحاديث الناس و ينسقها ولتصب في الخط الأساسي الذي تجرى فيه الأحداث. يقول ولسن ثورنلى لمؤلف القصة "يجب أن تدرك أن الحوار الذي تكتبه في قصتك لن يكون حواراً حقيقياً"، وإن كان "أشخاص قصتك سوف يتكلمون و يستعملون ما يستعمله الناس من تعابير و طرق كلام، ومع ذلك فمازالوا في إطار شروطك و حول الغرض الذي تريد، و ليس بشكل عشوائي كما يحدث أحياناً في واقع الحياة".
ومصدر الخلاف هنا بين حوار الأدب و حوار الواقع هو الهدف الذ من أجله أدير الحوار، فهو ليس مجرد كلام عارض يأتي في سياق العمل، لكن له أغراضاً يقصدها المؤلف، و من أجلها أدار حواراً بين الشخصيات، ومن هنا كان الحوار القصصي يمتاز بأمور ترفعه عن مستوى الكلام العالي في الواقع المعاش، فليس غرض الحوار أن يحكى الحادثة حكاية طبيعية، بل أن يقدم في ثوب المحادثة ما لا يوجد في محادثة، فيكون مسلياً حيث المحادثة مملة، مقتصداً حيث المحادثة مضيعة، مبيناً واضحاً حيث المحادثة متمتمة أو غامضة.
خامساً : الحدث المسرحي المتباين
الحدث المسرحي يختلف عن الحدث في الواقع ، ففي حدث الواقع يبقى كل شخص معزولاً في طبقته و مهنته التي ينتمي إليها، على حين ليس من حدث معزول فردى في المسرحية بل إنه يمارس تأثيرات مباشرة في مختلف الشخصيات و لا حياة فنية للمسرحية، ما لم تتفاعل الشخصيات، و يحتدم الصراع بينها.
والحوادث في الواقع تأتى مزعزعة فيها انطباعات، وهامشية للكثير منها، لكنها في الأدب تأتى مرتبة متوالية مهرولة و بإعداد تام مقصود، و هذا على غير ما هو فيه في واقع الحياة.
مفهوم الشخصية في الحوار
ميز النقاد الغربيون بين كلام الأشخاص في الحياة العادية، وبين كلام الشخصيات الروائية والمسرحية، حيث استعملوا مصطلح "محادثة " للكلام في الحياة العادية، ومصطلح "حوار" لكلام الشخصيات في الروايات والمسرح وقد أشار إلى ذلك هرمان اولد واستعمل هذا الاصطلاح بقية النقاد و في هذا التفريط إدراك واع للدور الذي يقوم به الحوار في نمو العمل، ورسم الشخصيات، فالسرد مهما أجاده المؤلف، يبقى تقريراً لأمور غائبة عن المتلقي، لكن جملة أو كلمة في الحوار تستطيع أن ترسم صورة الشخصية ببعديها الظاهر والباطن، وتظهر الموقف أمام خيال المتلقي رأى العين و لهذا فإنه يستحيل إنشاء محادثة طبيعية تماماً، إذا كان لابد، أن تسهم كل عبارة منها في تطوير المسرحية، و إذا كان يلزم أن تكشف كل عبارة، و كل كلمة عن المعالم الجوهرية والعميقة في الشخصية.
إن المقصود بالواقعية الأدبية هو أن يلتزم المؤلف حدود الشخصية المرسومة فلا ينطقها إلا بما يتلاءم معها، لا أن ينقلها كما هي في واقع حياتها.
والمؤلف بلا ريب يستمد من الواقع مادته لكنه لا ينقلها كما هي، بل يبث فيها الروح الفنية التي تميزها وتمنحها سماتها، ولو أدار الحوار على ألسنة شخصياته كما يتحدثون في الحياة الواقعية، دون اختيار و لا تهذيب، لجاء حواره لهواً و هذراً لا طائل من ورائه، يستحيل أن يقوم عليه نص أدبي متميز.
والخطر الفني الحقيقي، هو مجافاة المسرحية أو القصة للواقع المضمون و الفن لا في لغة الأداء.
فلا ضير أن يحاور صبى أو عامي باللغة العربية التي لا إغراب فيها و لا فيهقة، و لكن الضرر كل الضرر أن يجرى المؤلف على لسان صبى أو عامل عبارات متكلفة لا يتصور في الواقع أن تمر ببالها.
وكتب أدباء باللغات الأخرى أعمالاً أدبية رسمت في ثناياها صوراً و مشاهداً لشعوب أخرى، نقلوا من خلالها مواقف لشخصيات تتحدث بلغاتها، ومع ذلك انطقها كل مؤلف بلغته، وبأساليب التعبير فيها.
ولم يشر إلى أساليب الحوار اللغوية للغة الأصلية للشخصيات، و قد أبدع أدباء العالم فناً راقياً وتراثاً خالداً، و لم يقل أحد إن هذا المؤلف أو ذاك لم يكن واقعياً في حوار شخصياته، فلم ينطقها بلغاتها أو بلهجاتها الأصلية.
الا أن ينقل ذلك الأصل كما شاهده، و لا أن يملأ عمله بتسجيل كلام الناس، و ما يجرى بينهم من أحاديث في أنديتهم وأسواقهم، لأن الإبداع الأدبي ليس في الكاتب لمشاعر شخصياته، و رصد التعبيرات التى تكتنفها، من جراء معاناتها من واقعها، والقدرة على إجراء الحوار بينها بصورة تظهر آثار تفاعلها مع بعضها، و اصطدامها مع واقعها، و آثار ذلك التفاعل على تصرفاتها، بحيث تكون الشخصية أنموذجاً فنياً لواقعها المادي.
---------------------
يتبع
إن الفن الأدبي في جميع مذاهبه يهدف إلى تصوير المشاعر و التجارب الإنسانية في صورة تنبض بالحياة، وتنزلها من عالم التجريد إلى عالم التجسيد، فكان الواقع ماثلاً في هذه الإبداعات الأدبية، ومن ثم أصبحت الواقعية في الأعمال القصصية والروائية شرطاً يلتزم به المؤلف والناقد لكي يكون العمل الأدبي ناجحا.
إلا أن هذه الواقعية التي لازمت الأدب اكتسبت خلال العصور مفهوماً خاصاً بها، فهي واقعية فنية لا تطابق الواقع، ولا تحاكيه محاكاة حمقاء. وقد ندد روجروم بسفيلد بأولئك الذين يرون أن الواقعية هي الأمانة في تصوير الأحداث والشخصيات، ونقلها نقلاً حرفياً كما تلتقطه آلة التصوير، حين قال عن هذا المفهوم"ليس هذا التفسير إلا أسطورة من الأساطير".
التفاوت بين الفن و الواقع
اختلط على كثير من الأدباء و النقاد في العالم العربي، مفهوم الواقعية في الأدب، فطالبوا الواقع مائلاً في الأعمال الروائية و القصصية و المسرحية، بزعم الواقعية ، لكن شتان ما بين الواقع والأدب.
ولو أخذت البشرية بمبدأ مطابقة الواقع لخرج الأدب عن فنياته، وفقد سر تفرده الذي هو مصدر تفوقه وبقائه، ولاستحالت بقية الفنون الأخرى فلم تقم لها وزناً.
وقد عبر فكتور هوجو في تعريفه للمسرح عن الواقعية الفنية بصورة تبرز التفاوت الواضح بين الفن والواقع، و تنفى تطابقهما، وذلك حين قال "ليس المسرح بلد الواقع، ففيه أشجار من ورق، وقصور من نسيج، و سماء أسمال و قطع ألماس من الزجاج، ذهب من صفائح، وجواهر زائفة بالخضاب، وخدود عليها بهرج الزينة، وشمس تبرز من تحت الأرض ولكنه بلد الحقيقة، ففيه قلوب إنسانية على المشهد وقلوب إنسانية خلف المسرح، وقلوب إنسانية أمام العرض".
و هو تصوير دقيق يظهر عمق الواقعية المختصة بالفن، وهى واقعية نفسية تعتمد على المشاعر والأحاسيس و صدق العواطف، لكنها ليست بأي حال مطابقة للواقع المعاش، بل تختلف عن اختلاف الحقيقة عن صورتها الزائفة، إلا أنها صورة غنية بالتعبير، صادقة في رسم مكنونات النفس، و دخائل الصدور.
فالأدب في جميع أنواعه ابتداء بالشعر، و انتهاء بالقصة القصيرة ليس نقلاً غفلاً للواقع، وإلا كان كل كلام أدباً، و كل ناطق من الناس أديب، و ليس الأمر كذلك.
لهذا فإن واقعية الأدب بسماتها الفنية الإبداعية ذات البعد التخيلي، غير الواقع بقيوده الصادقة، ويمكننا أن نشير إلى شئ من أوجه الاختلاف بين هذين الواقعين.
أولاً: تصور الواقعية
لاتصور الواقعية في الشعر الأِشياء كما هي، و إلا لما رأينا تلك الصور والأخيلة المتفاوتة للشعراء والشاعرات، ولما اختلفت وجهات نظرهم في حقائق الحياة، فكم من بدر كان في ليل الشاعر حزين شاحباً، و كم من هلال في جو ملبد بالغيوم خاله آخر وجه الحبيب يطل من خلف الستار.
ثانياً : الزمن التصورى للرواية
الرواية تصور فترات زمنية قد تصل إلى عقود من الزمن و لكنها لا ترصد في سردها إلا فترات قصيرة، و لا تنتقى إلا أحداثاً محددة يوظفها الكاتب لتطوير عمله.
و لو طالبنا بمطابقة الواقعية الأدبية للواقع، للزم المؤلف تتبع كل الأحداث و المشاهد و لاحتاج الأمر إلى مئات الصفحات لتسجيل حقبة زمنية محددة.
ثالثاً : مسافرة الخيال عبر الزمان و المكان
يسمح الخيال الأدبي للمؤلف بالانتقال خلال الزمان و المكان في القصة والرواية و المسرحية، عن طريق عبارة أو إشارة ، فيتابعه المتلقي، ويسافر خياله إلى أماكن الرواية وأزمانها، والمتلقي يستمتع بهذا كله على الرغم من هذه التنقلات التي لا يمكن أن تتحقق في الواقع.
ففي عمله واقعية أدبية ينشدها المتلقي، وهى سر متابعته و تشوقه، لكنها تبقى غير نقل للحقيقة.
رابعاً : واقعية و خيالية الحوار الأدبي
إن الحوار القصصي و المسرحي ليس مطابقاً للواقع بإي حال من الأحوال، لأننا لو طالبنا بهذه المطابقة فإننا نطالب بجمل متقطعة تفتقد الترابط و التسلسل. "إن الناس عادة ما يثرثرون أكثر مما يتحدثون، و ينتقلون من موضوع إلى موضوع و بلا هدف معين"، لكن المؤلف يهذب أحاديث الناس و ينسقها ولتصب في الخط الأساسي الذي تجرى فيه الأحداث. يقول ولسن ثورنلى لمؤلف القصة "يجب أن تدرك أن الحوار الذي تكتبه في قصتك لن يكون حواراً حقيقياً"، وإن كان "أشخاص قصتك سوف يتكلمون و يستعملون ما يستعمله الناس من تعابير و طرق كلام، ومع ذلك فمازالوا في إطار شروطك و حول الغرض الذي تريد، و ليس بشكل عشوائي كما يحدث أحياناً في واقع الحياة".
ومصدر الخلاف هنا بين حوار الأدب و حوار الواقع هو الهدف الذ من أجله أدير الحوار، فهو ليس مجرد كلام عارض يأتي في سياق العمل، لكن له أغراضاً يقصدها المؤلف، و من أجلها أدار حواراً بين الشخصيات، ومن هنا كان الحوار القصصي يمتاز بأمور ترفعه عن مستوى الكلام العالي في الواقع المعاش، فليس غرض الحوار أن يحكى الحادثة حكاية طبيعية، بل أن يقدم في ثوب المحادثة ما لا يوجد في محادثة، فيكون مسلياً حيث المحادثة مملة، مقتصداً حيث المحادثة مضيعة، مبيناً واضحاً حيث المحادثة متمتمة أو غامضة.
خامساً : الحدث المسرحي المتباين
الحدث المسرحي يختلف عن الحدث في الواقع ، ففي حدث الواقع يبقى كل شخص معزولاً في طبقته و مهنته التي ينتمي إليها، على حين ليس من حدث معزول فردى في المسرحية بل إنه يمارس تأثيرات مباشرة في مختلف الشخصيات و لا حياة فنية للمسرحية، ما لم تتفاعل الشخصيات، و يحتدم الصراع بينها.
والحوادث في الواقع تأتى مزعزعة فيها انطباعات، وهامشية للكثير منها، لكنها في الأدب تأتى مرتبة متوالية مهرولة و بإعداد تام مقصود، و هذا على غير ما هو فيه في واقع الحياة.
مفهوم الشخصية في الحوار
ميز النقاد الغربيون بين كلام الأشخاص في الحياة العادية، وبين كلام الشخصيات الروائية والمسرحية، حيث استعملوا مصطلح "محادثة " للكلام في الحياة العادية، ومصطلح "حوار" لكلام الشخصيات في الروايات والمسرح وقد أشار إلى ذلك هرمان اولد واستعمل هذا الاصطلاح بقية النقاد و في هذا التفريط إدراك واع للدور الذي يقوم به الحوار في نمو العمل، ورسم الشخصيات، فالسرد مهما أجاده المؤلف، يبقى تقريراً لأمور غائبة عن المتلقي، لكن جملة أو كلمة في الحوار تستطيع أن ترسم صورة الشخصية ببعديها الظاهر والباطن، وتظهر الموقف أمام خيال المتلقي رأى العين و لهذا فإنه يستحيل إنشاء محادثة طبيعية تماماً، إذا كان لابد، أن تسهم كل عبارة منها في تطوير المسرحية، و إذا كان يلزم أن تكشف كل عبارة، و كل كلمة عن المعالم الجوهرية والعميقة في الشخصية.
إن المقصود بالواقعية الأدبية هو أن يلتزم المؤلف حدود الشخصية المرسومة فلا ينطقها إلا بما يتلاءم معها، لا أن ينقلها كما هي في واقع حياتها.
والمؤلف بلا ريب يستمد من الواقع مادته لكنه لا ينقلها كما هي، بل يبث فيها الروح الفنية التي تميزها وتمنحها سماتها، ولو أدار الحوار على ألسنة شخصياته كما يتحدثون في الحياة الواقعية، دون اختيار و لا تهذيب، لجاء حواره لهواً و هذراً لا طائل من ورائه، يستحيل أن يقوم عليه نص أدبي متميز.
والخطر الفني الحقيقي، هو مجافاة المسرحية أو القصة للواقع المضمون و الفن لا في لغة الأداء.
فلا ضير أن يحاور صبى أو عامي باللغة العربية التي لا إغراب فيها و لا فيهقة، و لكن الضرر كل الضرر أن يجرى المؤلف على لسان صبى أو عامل عبارات متكلفة لا يتصور في الواقع أن تمر ببالها.
وكتب أدباء باللغات الأخرى أعمالاً أدبية رسمت في ثناياها صوراً و مشاهداً لشعوب أخرى، نقلوا من خلالها مواقف لشخصيات تتحدث بلغاتها، ومع ذلك انطقها كل مؤلف بلغته، وبأساليب التعبير فيها.
ولم يشر إلى أساليب الحوار اللغوية للغة الأصلية للشخصيات، و قد أبدع أدباء العالم فناً راقياً وتراثاً خالداً، و لم يقل أحد إن هذا المؤلف أو ذاك لم يكن واقعياً في حوار شخصياته، فلم ينطقها بلغاتها أو بلهجاتها الأصلية.
الا أن ينقل ذلك الأصل كما شاهده، و لا أن يملأ عمله بتسجيل كلام الناس، و ما يجرى بينهم من أحاديث في أنديتهم وأسواقهم، لأن الإبداع الأدبي ليس في الكاتب لمشاعر شخصياته، و رصد التعبيرات التى تكتنفها، من جراء معاناتها من واقعها، والقدرة على إجراء الحوار بينها بصورة تظهر آثار تفاعلها مع بعضها، و اصطدامها مع واقعها، و آثار ذلك التفاعل على تصرفاتها، بحيث تكون الشخصية أنموذجاً فنياً لواقعها المادي.
---------------------
يتبع