sayedattia
23-03-2006, 02:17 PM
أغنيـة الرخـــاء
سرعان ما يقودنا الأمل الي التوقف لحظات ... ثم اعادة النظر في كل ماتعارفنا عليه من عادات وارتضيناه ناموسا لعلاقتنا مع الآخرين .. فالأمل طاقة جديدة تضاف الي طاقات البشر لمواجهة مشكلات الحيـاة اليوميـة وتعقيداتها .. طاقة لاتكل ولاتهدأ لتحقيـق الذات واثبـات أن الحياة برغـم كل مافيها من قسوة وصراع .. الا أنها معشوقتــــنا المدللة ... وغايــة أملنا هو استئناسها ومهادنتها .. حتي لاتكشــر عن انيابها ..ثم تفتك بما تبقي لنا من رغبة أكيدة فيها .
كانت هذه هي خواطري التي دارت بداخلي وأنافي طريقــي الي الأرض الجديدة .. أرض بكر عذراء .. سأزف اليها ..... فأنا فارسها المنتظر الذي سوف أجعل من كل حبة رمل فيها .. نبت أخضر.. لون أخضر .. أمل أخضر .
وأخذت مكاني في قطار باهت العربات ..وأضواءه تكاد تختنــق بالزفرات المتصاعدة من أكوام البشر الذين يتزاحمون داخل عرباتــه المتهالكة ... وفزت بمقعد يئن من وطأة ماحمل ... ولم أشعر بماحولي من بشر يتحادثون بكل اللهجات ويتجاذبون أطـراف الحديــث في كل الموضوعات..وتتعالي اصوات الباعة يتنافسون في ابداءمحاسن سلعهم
الفجة الرخيصة ... كنت أحاسب ذاتي .. احاول ان استشف من خلالها سر تصرفاتي .. ابحث في ثناياها عن هذا الأنسان الكامن بداخلي .... أنسان لايستقر ولايهدأ ... تتنازعه تيارات المثالية واللامبالاة ..تحتويه نغمات الخير وتمزقه أنياب الشر.. ولم أتعجب كثيرا ..فهذا هو الأنسان
مجموعة من المتناقضات في اناء يموج ويفور ...لايستقر ابدا ....
مالي الآن أتذكر.. كلمات ابي وهي تصفع آمالي .. وتسكب الدماء علي كل ماخططت لخريطة حياتي .... ابي ... هذا الرجــــل الطيب المسكين .. نعم .. فأفكاره ماتزال تئن تحت وطأة هذا العرف السخيـف الذي ارتضيناه جميعا.... ودون أدني تفكير........ فطالما أسمعني هذه الكلمات الجوفاء ... " كم أتمني أن أراك موظف كبير .. مدير كبير ....
فأنا لم أتواني في تعليمك .. أدخلتك الجامعة .. وكم أتمني ان أراك مثل محمود أفندي مدير الجمعية الزراعية ... "
كنت أقابل هذه الكلمات بأبتسامة واسعة .. كنت أعــرف أن كل مبررات العالم لن تثنيه عن تحقيق الأمل الذي راوده كثيرا .. أن يراني (مستوظف كبير)علي حد تعبيره ...كم حاولت أن أتكلم معه ..أحادثه ..
أفتح قلبي له.. أصارحه بمكنون نفسي.. بأن الأرض هي حبي وحياتي فأنا أعشق سمرة تربتها .. أتلهف لأحتضان ريعان خضرتها .. نسيمها أنشودة تسري في دمائي المفعمة بعشقها ..فمن الأرض نشأت وتعلمت
الخضرة هي كياني .. هي الحياة ... هي الأمل .
وتعالت في جنبات بيتنا الريفي الصغير .. الزغاريد .. والضحكات
فاليوم ولاكل الأيام .. اليوم حصلت علي البكالوريس .. علي الشهـادة
الجامعية التي تمناها والدي لي .. قاسي ابي طويلا .. كانت قطــرات العرق المتساقطة من جبينه .. وكان الارهاق والتعــب الـلذان كنـت ألمحهما في كل قسمات وجهه .. كان الجهد المضني .. كان الامسـاك عن أغلب ضروريات الحياة .. كان كل هذا يترجم الي جنيهات تدخـر لترسل لي مع مطلع كل شهر للمساهمة في مجابهة متطلبات التعليـم الجامعي .
وجاء والدي والفرحة تغمر كل ملامحه .. تحول الوجـه والفـم والأنف والعينين .. تحول كل ذلك الي لمحة نور وومضة فـرح عارم عظيم .. كانت الدموع تنساب علي خديه تحفر كلمات التهنئة لـي .. كانت حشرجات صوته تتمتم بكلمات لا أفهمها , ولكنها كانت صلوات شكر وترانيم روحية حمدا لله . كانت كل قريتنا الصغيرة ..... رجالها ونسائها وأطفالها تضج بالفرحة , وكأن والدي وزع فرحته علي جميع أهل القرية .. وتلقيت سيل التهاني من أهل القرية , وأحسست بالعفوية في كلماتهم البسيطة المعبرة عن مشاركة حقيقية في السعادة والفرحـة
بنجاحـــي .
ونامت القرية بعد ليلة سعيدة هانئة .. ولكن أبي لم ينم , وناداني لأسامره , وأقضي معه بقية الليل في ضوء القمر .. فأنا أعرف والدي جيدا ... الفرحة لاتتركه ينام ملء العين .. الفرحة تحوله الي راهب في جوف الليل , وبسعادة غامرة أطلق والدي قنبلتة المدوية , وزف الـي النبأ الهام العظيم ( لقدأخذ وعدا من .. محمود أفندي .. مدير الجمعيـة الزراعية بأن يتوسط لي للألتحاق بعمل حكومي ) .. وأخذ يعدد لــي مزايا هذا العمل من مرتب كبير ثابت ومضمون ..... ومعاش محترم .. وأهم شيء .. أنني سأصبح ( مستوظف كبير في الحكومة ) ..........
ولم أتمالك نفسي .. قاطعته بعنف لمت نفسي عليه .. ونظرت اليه بعيـون مستعطفة قلقة .
كانت نظراتي تلمس فيه القلب والروح ... كانت تناديه .. تستجديه
" أبي .. أنت النبع والغديروالقلب الذي يحس بكل آمالي,وكم أنت تعرف
مدي عشقي للأرض..وكم أعشق الخضرة.. فرائحة الطين المبللة بعرق
الكادحين هي العطر الذي يستهويني, والزرع الأخضرينمو أمامي ويشتد
عوده يوما فيوم هو أحلي مشاهداتي, وصوت الماء وهو يروي الأرض
العطشي , ويجري بين شقوقها هوالنغمة الحلوة التي تهدهد وجدانـي
وتعزف علي أوتار فؤادي ... فأرجوك ياوالدي .. دعني أشارك الرجال أسطورة النماء .. دعني أحول صحراء مصر ورمالها الي الخضرة التي أعشقها .. دعني أساهم في ايجاد طعام لكل فم , ورغيف عيش لكــل أنسان ... ارجوك ياوالدي .... لاتجعلني تمثالا مصلوباعلي مكتـب في ديوان من دوواوين الحكومة .. لاتجعل الشيخوخة تسكن في أوصـالي وأنا ما زلت في ريعان شبابي .. فأنا لاأرغب أن أنضم الي جيـــوش العاطلين , أو أكون رقما جديدا يضاف الي قائمة البطالة المقنــعة في أرشيف الحكومة ... دعني أحمل الفأس , وأبذل الجهد, وأعتصر الروح
لأحول ولو قطعة من أرض مصر الي جنة وارفةالظلال.. أحول الرمـال
الي أرض خضراءتنتج الطعام , وتنبت أعواد النماء , وتعزف أغنيــة
الرخــاء ... رخـــــــاء مصــــر .
وصمت ابي طويلا .. وعيناه تحتضان القمر الساطع في الرقعـة الزرقاء الصافية .... كانت مجموعة من المتناقضات تتصارع داخلـه
وأنعكس ذلك جلياعلي ملامح وجهه,وندت من عينيه دمعتان كبيرتـان وأنحدرتا علي الوجه ذو الأخاديد .. , ورفع عينيه الي , فوجدت فيهما
أشراقة من نور .. وبقايا من دموع أمتزج فيهما الحنان والطيبــة , وأحتضنني بقوة , ثم شد علي يدي .. ودعوات متناثرة بأن يوفقني الله في طريقي الجديد , ويمنحني القدرة علي المشاركة في طريق الرخاء .
ولم أنم هذه الليلة ... فغدا كان موعدي مع الأرض الجديدة ......
الأرض البكر .... فأنا فارسها .. عريسها .. وسأزف اليها ...فتنبت أعواد النماء ..وتعزف أغنية الرخاء .. رخــاء مصــــر .
انتهــــت
سرعان ما يقودنا الأمل الي التوقف لحظات ... ثم اعادة النظر في كل ماتعارفنا عليه من عادات وارتضيناه ناموسا لعلاقتنا مع الآخرين .. فالأمل طاقة جديدة تضاف الي طاقات البشر لمواجهة مشكلات الحيـاة اليوميـة وتعقيداتها .. طاقة لاتكل ولاتهدأ لتحقيـق الذات واثبـات أن الحياة برغـم كل مافيها من قسوة وصراع .. الا أنها معشوقتــــنا المدللة ... وغايــة أملنا هو استئناسها ومهادنتها .. حتي لاتكشــر عن انيابها ..ثم تفتك بما تبقي لنا من رغبة أكيدة فيها .
كانت هذه هي خواطري التي دارت بداخلي وأنافي طريقــي الي الأرض الجديدة .. أرض بكر عذراء .. سأزف اليها ..... فأنا فارسها المنتظر الذي سوف أجعل من كل حبة رمل فيها .. نبت أخضر.. لون أخضر .. أمل أخضر .
وأخذت مكاني في قطار باهت العربات ..وأضواءه تكاد تختنــق بالزفرات المتصاعدة من أكوام البشر الذين يتزاحمون داخل عرباتــه المتهالكة ... وفزت بمقعد يئن من وطأة ماحمل ... ولم أشعر بماحولي من بشر يتحادثون بكل اللهجات ويتجاذبون أطـراف الحديــث في كل الموضوعات..وتتعالي اصوات الباعة يتنافسون في ابداءمحاسن سلعهم
الفجة الرخيصة ... كنت أحاسب ذاتي .. احاول ان استشف من خلالها سر تصرفاتي .. ابحث في ثناياها عن هذا الأنسان الكامن بداخلي .... أنسان لايستقر ولايهدأ ... تتنازعه تيارات المثالية واللامبالاة ..تحتويه نغمات الخير وتمزقه أنياب الشر.. ولم أتعجب كثيرا ..فهذا هو الأنسان
مجموعة من المتناقضات في اناء يموج ويفور ...لايستقر ابدا ....
مالي الآن أتذكر.. كلمات ابي وهي تصفع آمالي .. وتسكب الدماء علي كل ماخططت لخريطة حياتي .... ابي ... هذا الرجــــل الطيب المسكين .. نعم .. فأفكاره ماتزال تئن تحت وطأة هذا العرف السخيـف الذي ارتضيناه جميعا.... ودون أدني تفكير........ فطالما أسمعني هذه الكلمات الجوفاء ... " كم أتمني أن أراك موظف كبير .. مدير كبير ....
فأنا لم أتواني في تعليمك .. أدخلتك الجامعة .. وكم أتمني ان أراك مثل محمود أفندي مدير الجمعية الزراعية ... "
كنت أقابل هذه الكلمات بأبتسامة واسعة .. كنت أعــرف أن كل مبررات العالم لن تثنيه عن تحقيق الأمل الذي راوده كثيرا .. أن يراني (مستوظف كبير)علي حد تعبيره ...كم حاولت أن أتكلم معه ..أحادثه ..
أفتح قلبي له.. أصارحه بمكنون نفسي.. بأن الأرض هي حبي وحياتي فأنا أعشق سمرة تربتها .. أتلهف لأحتضان ريعان خضرتها .. نسيمها أنشودة تسري في دمائي المفعمة بعشقها ..فمن الأرض نشأت وتعلمت
الخضرة هي كياني .. هي الحياة ... هي الأمل .
وتعالت في جنبات بيتنا الريفي الصغير .. الزغاريد .. والضحكات
فاليوم ولاكل الأيام .. اليوم حصلت علي البكالوريس .. علي الشهـادة
الجامعية التي تمناها والدي لي .. قاسي ابي طويلا .. كانت قطــرات العرق المتساقطة من جبينه .. وكان الارهاق والتعــب الـلذان كنـت ألمحهما في كل قسمات وجهه .. كان الجهد المضني .. كان الامسـاك عن أغلب ضروريات الحياة .. كان كل هذا يترجم الي جنيهات تدخـر لترسل لي مع مطلع كل شهر للمساهمة في مجابهة متطلبات التعليـم الجامعي .
وجاء والدي والفرحة تغمر كل ملامحه .. تحول الوجـه والفـم والأنف والعينين .. تحول كل ذلك الي لمحة نور وومضة فـرح عارم عظيم .. كانت الدموع تنساب علي خديه تحفر كلمات التهنئة لـي .. كانت حشرجات صوته تتمتم بكلمات لا أفهمها , ولكنها كانت صلوات شكر وترانيم روحية حمدا لله . كانت كل قريتنا الصغيرة ..... رجالها ونسائها وأطفالها تضج بالفرحة , وكأن والدي وزع فرحته علي جميع أهل القرية .. وتلقيت سيل التهاني من أهل القرية , وأحسست بالعفوية في كلماتهم البسيطة المعبرة عن مشاركة حقيقية في السعادة والفرحـة
بنجاحـــي .
ونامت القرية بعد ليلة سعيدة هانئة .. ولكن أبي لم ينم , وناداني لأسامره , وأقضي معه بقية الليل في ضوء القمر .. فأنا أعرف والدي جيدا ... الفرحة لاتتركه ينام ملء العين .. الفرحة تحوله الي راهب في جوف الليل , وبسعادة غامرة أطلق والدي قنبلتة المدوية , وزف الـي النبأ الهام العظيم ( لقدأخذ وعدا من .. محمود أفندي .. مدير الجمعيـة الزراعية بأن يتوسط لي للألتحاق بعمل حكومي ) .. وأخذ يعدد لــي مزايا هذا العمل من مرتب كبير ثابت ومضمون ..... ومعاش محترم .. وأهم شيء .. أنني سأصبح ( مستوظف كبير في الحكومة ) ..........
ولم أتمالك نفسي .. قاطعته بعنف لمت نفسي عليه .. ونظرت اليه بعيـون مستعطفة قلقة .
كانت نظراتي تلمس فيه القلب والروح ... كانت تناديه .. تستجديه
" أبي .. أنت النبع والغديروالقلب الذي يحس بكل آمالي,وكم أنت تعرف
مدي عشقي للأرض..وكم أعشق الخضرة.. فرائحة الطين المبللة بعرق
الكادحين هي العطر الذي يستهويني, والزرع الأخضرينمو أمامي ويشتد
عوده يوما فيوم هو أحلي مشاهداتي, وصوت الماء وهو يروي الأرض
العطشي , ويجري بين شقوقها هوالنغمة الحلوة التي تهدهد وجدانـي
وتعزف علي أوتار فؤادي ... فأرجوك ياوالدي .. دعني أشارك الرجال أسطورة النماء .. دعني أحول صحراء مصر ورمالها الي الخضرة التي أعشقها .. دعني أساهم في ايجاد طعام لكل فم , ورغيف عيش لكــل أنسان ... ارجوك ياوالدي .... لاتجعلني تمثالا مصلوباعلي مكتـب في ديوان من دوواوين الحكومة .. لاتجعل الشيخوخة تسكن في أوصـالي وأنا ما زلت في ريعان شبابي .. فأنا لاأرغب أن أنضم الي جيـــوش العاطلين , أو أكون رقما جديدا يضاف الي قائمة البطالة المقنــعة في أرشيف الحكومة ... دعني أحمل الفأس , وأبذل الجهد, وأعتصر الروح
لأحول ولو قطعة من أرض مصر الي جنة وارفةالظلال.. أحول الرمـال
الي أرض خضراءتنتج الطعام , وتنبت أعواد النماء , وتعزف أغنيــة
الرخــاء ... رخـــــــاء مصــــر .
وصمت ابي طويلا .. وعيناه تحتضان القمر الساطع في الرقعـة الزرقاء الصافية .... كانت مجموعة من المتناقضات تتصارع داخلـه
وأنعكس ذلك جلياعلي ملامح وجهه,وندت من عينيه دمعتان كبيرتـان وأنحدرتا علي الوجه ذو الأخاديد .. , ورفع عينيه الي , فوجدت فيهما
أشراقة من نور .. وبقايا من دموع أمتزج فيهما الحنان والطيبــة , وأحتضنني بقوة , ثم شد علي يدي .. ودعوات متناثرة بأن يوفقني الله في طريقي الجديد , ويمنحني القدرة علي المشاركة في طريق الرخاء .
ولم أنم هذه الليلة ... فغدا كان موعدي مع الأرض الجديدة ......
الأرض البكر .... فأنا فارسها .. عريسها .. وسأزف اليها ...فتنبت أعواد النماء ..وتعزف أغنية الرخاء .. رخــاء مصــــر .
انتهــــت