زياد جيوسي
11-01-2006, 06:44 PM
7 كانون ثاني 2005
آفة الفلتــان.. خسـائر وطـنـية
بقلم: آصف قزموز*
عندما يكون أمننا على كفّ عفريت، ومصلحة الوطن تحدق بها مخاطر التخطيط والتوريط والتهبيط، والانتخابات تراوح فوق الصفر وتحت التوريط. يصبح المشهد سلاحاً مؤذياً ذا حدين، والوطن محاصراً رهين مَحْبِسَيْن، يتلظّى متشظياً ما بين فكّين، فيضيع صيداً سهلاً أو فرقاً بخساً ما بين عملتين. يتبدد الحلم ويزداد الألم، ونندم حين لا ينفع الندم.
فقد قيل إن صبياً في سنّ المراهقة، كان يعمل أجيراً لدى خياط، فيقوم على خدمته ومساعدته في العمل. لكن الصبي كان يظل مشغولاً في التفكير بالزواج، ويحلم باليوم الذي سيكون فيه قادراً على تحقيق ذلك الحلم. ولأنه كان يدرك جيداً واقعه السيئ وراتبه القليل الذي لا يكاد يسدّ رمقه أو يؤمن له طعامه، ظل يتعامل مع المسألة في حدود الحلم الصعب المنال والباهظ الكلفة.
كان كل يوم وهو في طريقه إلى المخيطة وعند عودته منها، يحدث نفسه ويمنيها قائلاً: "بيفرجها اللّه". وفي كل يوم كان يمر ذهاباً وإياباً من أمام شحاد يجلس على قارعة الطريق، فيسمعه في كلّ مرة وهو يردّد عبارة "بيفرجها اللّه". ومرّت سنوات وهو على هذا الحال والمنوال إلى أن مرّ يوماً من أمام الشحاد وهو صامت لا يقول شيئاً. فاستوقفه الشحاد قائلاً: ها ها معناتو اللّه أفرجها عليك وصار لازم تفرجها علينا يا أخ العرب.
الصبي: من وين يا حسرة. هو صحيح انفرجت لكن بالمقلوب.
الشحاد: فُرجت وِفْهِمناها، بس بالمقلوب كيف يعني؟!
فأخبره الصبي بأن والده كان شيخاً كبيراً في السن، ويملك عربة يجرها حمار، وأنه كان طوال الوقت يقول في نفسه بأن الله لا بد وأن يتوفى والده العجوز يوماً، ويرث منه العربة والحمار، وبذلك تتحسن أحواله وبيصير عنده أمل يحقق حلمه الذي طال بالزواج والاستقرار. إلاّ أن قدر الموت لم يُغيّب والده بل غيّب الحمار الذي كان يتحمل مسؤولية جرّ العربة. ولأن والده كان فقيراً، لم يكن باستطاعته شراء حمار بديل، ما اضطره إلى أخذ مكان الحمار أمام العربة. "ونيّال اللّي بقدر يوخذ مكان حمار هاليام". وبدلاً من تحقيق حلمه بالزواج بموت والده، أصبح مكان الحمار يجر العربة التي كان يملكها والده، فكم كان الحلم جميلاً؟! وما أسوأ الواقع الذي كان يعيشه؟! فيا ليته بقي كما كان صبياً خادماً لدى الخياط. ويا ليتها لم تُفْرَجْ.
ان ما شهدناه من موجة انفلا أمني في قطاع غزة خلال الاشبوع الماضي، إنما هي أحداث ومؤشرات خطيرة لا تنبئ أبداً إلا بكل ما هو سيئ لشعبنا الفلسطيني الذي يستحق منا جميعاً أداءً وسلوكاً وطنياً طيباً، عكس كل هذا العبث الذي يجري في الشارع الفلسطيني وعلى الحدود الذي وضع السلطة والقيادة الفلسطينية لقمة سائغة في الأفواه الإسرائيلية التي باتت تهدد صباح مساء بإغلاق معبر رفح من جانبها، ما جعل الشارع الفلسطيني برمته يبقى منشغلاً في ما يجري من فلتان أمني وسياسي وتنظيمي داخلي فلسطيني، بل جعل هذا الأمر يحتل المرتبة الأولى في الخطورة الحاضرة والمتوقعة ويطغى أحياناً على ممارسات الاحتلال التي كان من المفترض أن تظل دائماً في صلب اهتماماتنا ومركز نشاطنا المقاوم لها يومياً.
وبدلاً من تركيز جل اهتمامنا على إحداث النقلة النوعية المفترضة في أدائنا الفلسطيني الشامل، أمنياً وسياسياً وإدارياً، لنثبت للعالم أجمع أننا أهل للمسؤولية ونستحق الدولة المستقلة الحرة ذات السيادة الكاملة، والمواصفات الكاملة التي تليق بشعب ضحى بالغالي والنفيس، وقدم آلاف الشهداء والجرحى على مذبح الحرية والانعتاق من الاحتلال. جاءت آفة الفلتان والانفلات، لتحشر كل ما أنجز في زاوية حرجة، وتقدم صورة مغايرة تماماً، أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تدفع اليوم بالوضع الفلسطيني إلى الوراء ونحو المجهول الذي لا تحمد عقباه ولا يعلمه إلاّ اللّه في سماه.
إن مثل هذه الصورة من حالة الفوضى والفلتان السياسي والأمني والتنظيمي والمسلح. هي أشد الكوارث فتكاً بمنجزات ومقدرات الشعب الفلسطيني التي وصل اليها حتى الآن منذ سنوات طويلة. ولعل ما نشهده اليوم من صور دراماتيكية محزنة من عمليات خطف للأجانب المؤازرين للشعب الفلسطيني على أيدي مسلحين من بني جلدتنا، واستخدامهم كوسيلة ضغط وابتزاز مادي للسلطة وتحقيق مطالب شخصية ضيقة وصلت حد المتاجرة غير المشروعة مقابل إطلاق سراحهم. هو عملية قرصنة حقيقية إن شئنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، والخاسر الأكبر فيها على مختلف الصعد هو شعبنا الفلسطيني الذي سيدفع وحده كامل الثمن والكلفة والتبعات عن هذا السلوك اللامسؤول وحالة الفلتان برمتها.
لقد آن الأوان لأن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية، خصوصاً بعد أن أصبحنا ندفع ثمناً باهظاً لكل هذا العبث الذي يجري. بل وأصبح الثمن يستنزفنا سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وهو ما دفع مجلس الوزراء مؤخراً لاعتبار ما يقوم به المسلحون من خطف للأجانب وتعديات على مؤسسات السلطة ومقار المؤسسات الدولية في غزة، عوامل تدفع البلد إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار من جهة، وتحرم الشعب الفلسطيني من الاستثمارات التي يمكن أن تقوم في حالة وجدت الظروف الآمنة والمستقرة اللازمة.
لقد أصبح ثمن الفوضى يدفع اليوم من كيس الوطن ومن قوت المواطن. فأية تنمية وأي استثمار يمكن أن ينشأ في ظل ظروف كهذه؟! وهذا ما يجعلنا نعتقد جازمين بأن استمرار حالة الفلتان وفوضى السلاح سيضع مقدماً العصي في دواليب مؤتمر فلسطين للتنمية والاستثمار الذي يجري الإعداد له، ويقوّض نتائجه مقدماً. فجميع هذه الممارسات الفوضوية اللامسؤولة إذا ما استمرت سيدفع الشعب الفلسطيني ثمنها دماً وعرقاً ومالاً وسياسة.
هذا الخليط العجيب الغريب المتناقض الذي تعجّ به الساحة الفلسطينية، وتتجلى أبشع صوره في حالة فوضى السلاح وانفلات الأمن والأمان وأخذ القانون باليد لكل من يشاء وكيفما يشاء، ليتجاوز الأمر حدود ازدواجية السلطة باتجاه شرذمتها وتقويضها وتعدديتها على النحو الذي نرى. ربما تتحمل السلطة المسؤولية الأكبر في وصول الأمور لما وصلت إليه نتيجة سياسة التغاضي وعدم الحسم والحزم في الوقت المناسب، لكن المسؤولية اليوم باتت مسؤولية جميع الأطراف الفلسطينية أفراداً وجماعات وفصائل والذين يجب أن يثوبوا لها، ويقف كل منهم عند حدودها المسيّجة بتضحيات الشعب الفلسطيني وعذاباته وقهره. فالخسارة في جميع الأحوال خسارة وطنية بكافة معانيها الواسعة والضيقة شئنا أم أبينا.
* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله.
asefsaeed@yahoo.com
"RAMALLAH-ARTS"
آفة الفلتــان.. خسـائر وطـنـية
بقلم: آصف قزموز*
عندما يكون أمننا على كفّ عفريت، ومصلحة الوطن تحدق بها مخاطر التخطيط والتوريط والتهبيط، والانتخابات تراوح فوق الصفر وتحت التوريط. يصبح المشهد سلاحاً مؤذياً ذا حدين، والوطن محاصراً رهين مَحْبِسَيْن، يتلظّى متشظياً ما بين فكّين، فيضيع صيداً سهلاً أو فرقاً بخساً ما بين عملتين. يتبدد الحلم ويزداد الألم، ونندم حين لا ينفع الندم.
فقد قيل إن صبياً في سنّ المراهقة، كان يعمل أجيراً لدى خياط، فيقوم على خدمته ومساعدته في العمل. لكن الصبي كان يظل مشغولاً في التفكير بالزواج، ويحلم باليوم الذي سيكون فيه قادراً على تحقيق ذلك الحلم. ولأنه كان يدرك جيداً واقعه السيئ وراتبه القليل الذي لا يكاد يسدّ رمقه أو يؤمن له طعامه، ظل يتعامل مع المسألة في حدود الحلم الصعب المنال والباهظ الكلفة.
كان كل يوم وهو في طريقه إلى المخيطة وعند عودته منها، يحدث نفسه ويمنيها قائلاً: "بيفرجها اللّه". وفي كل يوم كان يمر ذهاباً وإياباً من أمام شحاد يجلس على قارعة الطريق، فيسمعه في كلّ مرة وهو يردّد عبارة "بيفرجها اللّه". ومرّت سنوات وهو على هذا الحال والمنوال إلى أن مرّ يوماً من أمام الشحاد وهو صامت لا يقول شيئاً. فاستوقفه الشحاد قائلاً: ها ها معناتو اللّه أفرجها عليك وصار لازم تفرجها علينا يا أخ العرب.
الصبي: من وين يا حسرة. هو صحيح انفرجت لكن بالمقلوب.
الشحاد: فُرجت وِفْهِمناها، بس بالمقلوب كيف يعني؟!
فأخبره الصبي بأن والده كان شيخاً كبيراً في السن، ويملك عربة يجرها حمار، وأنه كان طوال الوقت يقول في نفسه بأن الله لا بد وأن يتوفى والده العجوز يوماً، ويرث منه العربة والحمار، وبذلك تتحسن أحواله وبيصير عنده أمل يحقق حلمه الذي طال بالزواج والاستقرار. إلاّ أن قدر الموت لم يُغيّب والده بل غيّب الحمار الذي كان يتحمل مسؤولية جرّ العربة. ولأن والده كان فقيراً، لم يكن باستطاعته شراء حمار بديل، ما اضطره إلى أخذ مكان الحمار أمام العربة. "ونيّال اللّي بقدر يوخذ مكان حمار هاليام". وبدلاً من تحقيق حلمه بالزواج بموت والده، أصبح مكان الحمار يجر العربة التي كان يملكها والده، فكم كان الحلم جميلاً؟! وما أسوأ الواقع الذي كان يعيشه؟! فيا ليته بقي كما كان صبياً خادماً لدى الخياط. ويا ليتها لم تُفْرَجْ.
ان ما شهدناه من موجة انفلا أمني في قطاع غزة خلال الاشبوع الماضي، إنما هي أحداث ومؤشرات خطيرة لا تنبئ أبداً إلا بكل ما هو سيئ لشعبنا الفلسطيني الذي يستحق منا جميعاً أداءً وسلوكاً وطنياً طيباً، عكس كل هذا العبث الذي يجري في الشارع الفلسطيني وعلى الحدود الذي وضع السلطة والقيادة الفلسطينية لقمة سائغة في الأفواه الإسرائيلية التي باتت تهدد صباح مساء بإغلاق معبر رفح من جانبها، ما جعل الشارع الفلسطيني برمته يبقى منشغلاً في ما يجري من فلتان أمني وسياسي وتنظيمي داخلي فلسطيني، بل جعل هذا الأمر يحتل المرتبة الأولى في الخطورة الحاضرة والمتوقعة ويطغى أحياناً على ممارسات الاحتلال التي كان من المفترض أن تظل دائماً في صلب اهتماماتنا ومركز نشاطنا المقاوم لها يومياً.
وبدلاً من تركيز جل اهتمامنا على إحداث النقلة النوعية المفترضة في أدائنا الفلسطيني الشامل، أمنياً وسياسياً وإدارياً، لنثبت للعالم أجمع أننا أهل للمسؤولية ونستحق الدولة المستقلة الحرة ذات السيادة الكاملة، والمواصفات الكاملة التي تليق بشعب ضحى بالغالي والنفيس، وقدم آلاف الشهداء والجرحى على مذبح الحرية والانعتاق من الاحتلال. جاءت آفة الفلتان والانفلات، لتحشر كل ما أنجز في زاوية حرجة، وتقدم صورة مغايرة تماماً، أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تدفع اليوم بالوضع الفلسطيني إلى الوراء ونحو المجهول الذي لا تحمد عقباه ولا يعلمه إلاّ اللّه في سماه.
إن مثل هذه الصورة من حالة الفوضى والفلتان السياسي والأمني والتنظيمي والمسلح. هي أشد الكوارث فتكاً بمنجزات ومقدرات الشعب الفلسطيني التي وصل اليها حتى الآن منذ سنوات طويلة. ولعل ما نشهده اليوم من صور دراماتيكية محزنة من عمليات خطف للأجانب المؤازرين للشعب الفلسطيني على أيدي مسلحين من بني جلدتنا، واستخدامهم كوسيلة ضغط وابتزاز مادي للسلطة وتحقيق مطالب شخصية ضيقة وصلت حد المتاجرة غير المشروعة مقابل إطلاق سراحهم. هو عملية قرصنة حقيقية إن شئنا أن نسمي الأمور بمسمياتها، والخاسر الأكبر فيها على مختلف الصعد هو شعبنا الفلسطيني الذي سيدفع وحده كامل الثمن والكلفة والتبعات عن هذا السلوك اللامسؤول وحالة الفلتان برمتها.
لقد آن الأوان لأن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية، خصوصاً بعد أن أصبحنا ندفع ثمناً باهظاً لكل هذا العبث الذي يجري. بل وأصبح الثمن يستنزفنا سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وهو ما دفع مجلس الوزراء مؤخراً لاعتبار ما يقوم به المسلحون من خطف للأجانب وتعديات على مؤسسات السلطة ومقار المؤسسات الدولية في غزة، عوامل تدفع البلد إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار من جهة، وتحرم الشعب الفلسطيني من الاستثمارات التي يمكن أن تقوم في حالة وجدت الظروف الآمنة والمستقرة اللازمة.
لقد أصبح ثمن الفوضى يدفع اليوم من كيس الوطن ومن قوت المواطن. فأية تنمية وأي استثمار يمكن أن ينشأ في ظل ظروف كهذه؟! وهذا ما يجعلنا نعتقد جازمين بأن استمرار حالة الفلتان وفوضى السلاح سيضع مقدماً العصي في دواليب مؤتمر فلسطين للتنمية والاستثمار الذي يجري الإعداد له، ويقوّض نتائجه مقدماً. فجميع هذه الممارسات الفوضوية اللامسؤولة إذا ما استمرت سيدفع الشعب الفلسطيني ثمنها دماً وعرقاً ومالاً وسياسة.
هذا الخليط العجيب الغريب المتناقض الذي تعجّ به الساحة الفلسطينية، وتتجلى أبشع صوره في حالة فوضى السلاح وانفلات الأمن والأمان وأخذ القانون باليد لكل من يشاء وكيفما يشاء، ليتجاوز الأمر حدود ازدواجية السلطة باتجاه شرذمتها وتقويضها وتعدديتها على النحو الذي نرى. ربما تتحمل السلطة المسؤولية الأكبر في وصول الأمور لما وصلت إليه نتيجة سياسة التغاضي وعدم الحسم والحزم في الوقت المناسب، لكن المسؤولية اليوم باتت مسؤولية جميع الأطراف الفلسطينية أفراداً وجماعات وفصائل والذين يجب أن يثوبوا لها، ويقف كل منهم عند حدودها المسيّجة بتضحيات الشعب الفلسطيني وعذاباته وقهره. فالخسارة في جميع الأحوال خسارة وطنية بكافة معانيها الواسعة والضيقة شئنا أم أبينا.
* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله.
asefsaeed@yahoo.com
"RAMALLAH-ARTS"