إسلام شمس الدين
16-01-2003, 01:45 PM
نعني بالحضارة الغربية : نهضة علمية وتقنية متقدمة، وتوسعًا استعماريًّا قديمًا ونظامًا عالميًّا للهيمنة حديثًا، يعتمد على الاستغلال الرأسمالي وأوهام عنصرية، وإفراز مغلوط لمسيحية صهيونية، وأحلام باستمرار الرفاهية على حساب الشعوب الأخرى وثرواتها. وإعلاء قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بين ذويه، وإهدارها عند الآخرين طبقا لمصالحه الاقتصادية والسياسية.
كما أن الغرب يعني التميز بأسلوب حياة يجمع بين النقيضين؛ الالتزام في ممارسات العمل والانضباط القانوني، والتحرر المفرط في أخلاقيات السلوك الاجتماعي؛ وهو ما أدى إلى مزيد من الفوضى الاجتماعية، والانحلال الأخلاقي، وارتفاع مقلق لمعدلات الجريمة والانتحار، والتخريب في أنماط الحياة الأسرية؛ بدعوى التحرر والانطلاق من قيود الفطرة الإنسانية للعلاقة بين الجنسين.
و نعني بالحضارة الإسلامية المعاصرة : كافة المجتمعات الإسلامية التي تمتعت بظلال الحضارة الإسلامية منذ نشأتها حتى أوج اعتلائها قمة الحضارات الإنسانية بعد تعميق ثوابت العقيدة الإسلامية، والأخذ بأسباب المعارف والعلوم وتأصيل قواعد المنهج العلمي التجريبي الذي تأسست عليه فيما بعد أسس النهضة الأوروبية في العلوم وكثير من المعارف الإنسانية؛ إلا أن التناقضات لم يفلت منها أهل الحضارة الإسلامية بالبعد عن الالتزام بمضمون الشريعة وروح الإسلام و التفريط في مبادئ وثوابت العقيدة التي تعزز مستلزمات التوحيد لله سبحانه وتعالى.
وكان ذلك من عوامل الوهن الحضاري، وتسرب التخلف في الفقه السياسي، وعدم تواصل المسيرة العلمية في شئون الطبيعة والحياة، والاستخفاف بالتعليم والتعلم بين جمهور الناس وشيوع الأمية، وعدم تطوير الحِرَف والصناعات، وجمود نظام الوقف الذي كان خير معين في شئون الحياة الاجتماعية من تعليم وتكافل وتقديم كافة الخدمات للتخفيف من غائلة الفقر والمرض ورعاية أبناء السبيل.
كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى اتجاهات سلبية في الاستمرار الحضاري في المجتمعات الإسلامية ، حتى أضحت لقمة سائغة لاستعمار الحضارة الأوربية الحديثة، فأضحت القضية بين اختيارين: نكون أو لا نكون بأرضنا وأهلنا وعقيدتنا.
على هدي ما سبق نجد أننا إزاء عالميْن وحضارتيْن فيهما سمات مشتركة بحكم انتماء كل من فيهما إلى الإنسانية؛ فطرتها ومصادر الحياة الكونية والمعرفية وبعض المصالح الاقتصادية، وأخرى سمات متباينة بحكم الاختلافات التاريخية والبيئية الجغرافية والسياسية والثقافية والدينية ومستويات التنمية المتقدمة والأخرى المتخلفة، ويبلور ذلك كله المفارقات الكائنة في نوعية وأساليب الحياة.
وغني عن البيان أن نوعية الحياة في الغرب قد ارتبطت أساليبها بوحشية النظام الإنتاجي الرأسمالي، وضرورة ضمان أسواق له في شتى بقاع العالم، وابتداع نظام الشركات المتعددة الجنسية وحمايتها بكل السبل، إلى درجة تبرير التدخل العسكري السافر. وأخيرًا قهر الدول للانضمام إلى اتفاقيات معينة تؤول فوائدها بشكل جوهري إلى الدول الأكثر تقدمًا على حساب الأخرى الأقل نموا.
أهم من ذلك بكثير أن الغرب يتصور واهمًا أن حضارته ومدنيته أسبق وأفضل الحضارات والمدنيات، ولها الحق في قيادة غيرهم من سائر البشر، يساعدهم على ذلك تمكنهم بسيطرة القوة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بالضرورة: كيف يمكن تقديم الإسلام للغرب في ظل ما سبق عليه القول؟ والشقة بين الحضارتين بعيدة، وأسباب ابتعادها تكمن في تضارب المصالح أولا، وفي الصورة الذهنية المشوهة عن الإسلام بفعل الكثير من العوامل .
هنا تبرز بالضرورة أهمية تصحيح الصورة الذهنية لدى الغرب عن الإسلام. ولكن يسبق ذلك -في رأيي- تصحيح المفاهيم الأساسية في العالم العربي الإسلامي، وتنقية التراث من شوائب البدع والغلو، والاتجاه نحو الوسطية والاعتدال "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"، والسير قُدما نحو تحقيق دعائم الاستخلاف وتنمية المجتمعات العربية الإسلامية، والأخذ بأسباب القوة بالتقدم المعرفي والعلمي والتقني، وتطوير المنظومة التربوية والتعليمية في إطارها الإيماني.
خلاصة القول أن الإسلام بقيمه الإنسانية في العدل والحرية والمساواة يجب أن ينعكس في ضروب السلوك الاجتماعية والسياسية لدى الشعوب والحكام.
وهذا هو السبيل الموضوعي لقناعة الآخر بإنسانية وعالمية الإسلام وجدوى حضارته. وحتى يتحقق ذلك فلا يخلو الأمر من أهمية الدراسة والبحث والتخطيط المحكم لتنشيط حركة الدبلوماسية الاجتماعية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني على المستويات الإقليمية والدولية، وتوثيق الروابط والخبرات بين الشخصيات والمنظمات الثقافية والجامعية في الغرب والشرق.
وهذا كله وغيره لا يغني عن جهود مستمرة لتطوير السياسة الإعلامية الفضائية، ووضع منهجية ملائمة للخطاب الإسلامي الموجَّه للشعوب الغربية والآسيوية والأفريقية وغيرها، وإن كان الأمر المُلِحّ في الوقت الراهن هو التركيز بهذه الجهود في العالم الغربي الذي احتدَّت فيه نغمة التخوف من الإسلام وأهله، وتحامل فيه منظروه ومفكروه على كل ما ينبثق من العالم العربي الإسلامي من تيارات فكرية وحركات إسلامية تبغي تثبيت الهوية الإسلامية، وتسعى للتحرر الوطني والتنمية المتواصلة نحو الحياة الطيبة التي تجمع بين حسنات الدنيا والآخرة.
ملخص دراسة للدكتور صلاح عبد المتعال أستاذ علم الاجتماع
كما أن الغرب يعني التميز بأسلوب حياة يجمع بين النقيضين؛ الالتزام في ممارسات العمل والانضباط القانوني، والتحرر المفرط في أخلاقيات السلوك الاجتماعي؛ وهو ما أدى إلى مزيد من الفوضى الاجتماعية، والانحلال الأخلاقي، وارتفاع مقلق لمعدلات الجريمة والانتحار، والتخريب في أنماط الحياة الأسرية؛ بدعوى التحرر والانطلاق من قيود الفطرة الإنسانية للعلاقة بين الجنسين.
و نعني بالحضارة الإسلامية المعاصرة : كافة المجتمعات الإسلامية التي تمتعت بظلال الحضارة الإسلامية منذ نشأتها حتى أوج اعتلائها قمة الحضارات الإنسانية بعد تعميق ثوابت العقيدة الإسلامية، والأخذ بأسباب المعارف والعلوم وتأصيل قواعد المنهج العلمي التجريبي الذي تأسست عليه فيما بعد أسس النهضة الأوروبية في العلوم وكثير من المعارف الإنسانية؛ إلا أن التناقضات لم يفلت منها أهل الحضارة الإسلامية بالبعد عن الالتزام بمضمون الشريعة وروح الإسلام و التفريط في مبادئ وثوابت العقيدة التي تعزز مستلزمات التوحيد لله سبحانه وتعالى.
وكان ذلك من عوامل الوهن الحضاري، وتسرب التخلف في الفقه السياسي، وعدم تواصل المسيرة العلمية في شئون الطبيعة والحياة، والاستخفاف بالتعليم والتعلم بين جمهور الناس وشيوع الأمية، وعدم تطوير الحِرَف والصناعات، وجمود نظام الوقف الذي كان خير معين في شئون الحياة الاجتماعية من تعليم وتكافل وتقديم كافة الخدمات للتخفيف من غائلة الفقر والمرض ورعاية أبناء السبيل.
كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى اتجاهات سلبية في الاستمرار الحضاري في المجتمعات الإسلامية ، حتى أضحت لقمة سائغة لاستعمار الحضارة الأوربية الحديثة، فأضحت القضية بين اختيارين: نكون أو لا نكون بأرضنا وأهلنا وعقيدتنا.
على هدي ما سبق نجد أننا إزاء عالميْن وحضارتيْن فيهما سمات مشتركة بحكم انتماء كل من فيهما إلى الإنسانية؛ فطرتها ومصادر الحياة الكونية والمعرفية وبعض المصالح الاقتصادية، وأخرى سمات متباينة بحكم الاختلافات التاريخية والبيئية الجغرافية والسياسية والثقافية والدينية ومستويات التنمية المتقدمة والأخرى المتخلفة، ويبلور ذلك كله المفارقات الكائنة في نوعية وأساليب الحياة.
وغني عن البيان أن نوعية الحياة في الغرب قد ارتبطت أساليبها بوحشية النظام الإنتاجي الرأسمالي، وضرورة ضمان أسواق له في شتى بقاع العالم، وابتداع نظام الشركات المتعددة الجنسية وحمايتها بكل السبل، إلى درجة تبرير التدخل العسكري السافر. وأخيرًا قهر الدول للانضمام إلى اتفاقيات معينة تؤول فوائدها بشكل جوهري إلى الدول الأكثر تقدمًا على حساب الأخرى الأقل نموا.
أهم من ذلك بكثير أن الغرب يتصور واهمًا أن حضارته ومدنيته أسبق وأفضل الحضارات والمدنيات، ولها الحق في قيادة غيرهم من سائر البشر، يساعدهم على ذلك تمكنهم بسيطرة القوة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بالضرورة: كيف يمكن تقديم الإسلام للغرب في ظل ما سبق عليه القول؟ والشقة بين الحضارتين بعيدة، وأسباب ابتعادها تكمن في تضارب المصالح أولا، وفي الصورة الذهنية المشوهة عن الإسلام بفعل الكثير من العوامل .
هنا تبرز بالضرورة أهمية تصحيح الصورة الذهنية لدى الغرب عن الإسلام. ولكن يسبق ذلك -في رأيي- تصحيح المفاهيم الأساسية في العالم العربي الإسلامي، وتنقية التراث من شوائب البدع والغلو، والاتجاه نحو الوسطية والاعتدال "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"، والسير قُدما نحو تحقيق دعائم الاستخلاف وتنمية المجتمعات العربية الإسلامية، والأخذ بأسباب القوة بالتقدم المعرفي والعلمي والتقني، وتطوير المنظومة التربوية والتعليمية في إطارها الإيماني.
خلاصة القول أن الإسلام بقيمه الإنسانية في العدل والحرية والمساواة يجب أن ينعكس في ضروب السلوك الاجتماعية والسياسية لدى الشعوب والحكام.
وهذا هو السبيل الموضوعي لقناعة الآخر بإنسانية وعالمية الإسلام وجدوى حضارته. وحتى يتحقق ذلك فلا يخلو الأمر من أهمية الدراسة والبحث والتخطيط المحكم لتنشيط حركة الدبلوماسية الاجتماعية والشعبية ومنظمات المجتمع المدني على المستويات الإقليمية والدولية، وتوثيق الروابط والخبرات بين الشخصيات والمنظمات الثقافية والجامعية في الغرب والشرق.
وهذا كله وغيره لا يغني عن جهود مستمرة لتطوير السياسة الإعلامية الفضائية، ووضع منهجية ملائمة للخطاب الإسلامي الموجَّه للشعوب الغربية والآسيوية والأفريقية وغيرها، وإن كان الأمر المُلِحّ في الوقت الراهن هو التركيز بهذه الجهود في العالم الغربي الذي احتدَّت فيه نغمة التخوف من الإسلام وأهله، وتحامل فيه منظروه ومفكروه على كل ما ينبثق من العالم العربي الإسلامي من تيارات فكرية وحركات إسلامية تبغي تثبيت الهوية الإسلامية، وتسعى للتحرر الوطني والتنمية المتواصلة نحو الحياة الطيبة التي تجمع بين حسنات الدنيا والآخرة.
ملخص دراسة للدكتور صلاح عبد المتعال أستاذ علم الاجتماع