د سمير البهواشى
27-09-2005, 01:50 PM
القطار ..
تووووت .... طويلة وممدودة وعالية كانت صفارة القطار ..
ضببت كلمات الوداع فى جو صالة السفر أبخرة الدموع .. وحرارة الخد غبّشت زجاج النظارة ..
لداخل النفس انكمش .. مضغها كل الكلمات الحلوة التى تمنى أن يقولها لحظة الوداع ... جافة وصلبة أحسها تحت أسنانه وبصعوبة ابتلعها ؟؟ شعر فى حلقه بغصّة ، وخنقته العبرات ..التفاتة غير مقصودة منه وجد نفسه مدفوعا اليها .. بإيحاء داخلى ... الى خارج النافذة ألقته .. تعلّق بأمل أن الخلاص فى المعنى الذى يحسه ولا يتبينه ..!!
فمع تزايد سرعة القطار واختفاء رائحة الزيت والجاز المختلطة بتراب المحطة واندثار مجموعات المودعين بدأت أحياء بالكامل تطوى وعمارات شاهقة ودور قديمة وسيارات بعيدة على الطريق الأسفلتى وأشجار ودواب وأعمدة انارة وناس لا يعرفهم ولا يعرفونه وطيور .. حتى الارض التى كانت تقله .. كل ذلك بدأ يطوى ليصبح فى كيس الذاكرة .. الواقع الوحيد الذى أحسه أنه يجلس فى مقعده ببنوار القطار بجوار النافذة وأن القاطرة تجره من قفاه الى جهة الجنوب وأن الفضاء الشاسع أمام ناظره أصبح خيطا دقيقا يلف فوق بكرة الارض فى هذا الكون الفسيح .
مشيعا الى مثواه الاخير كان إحساسه .. وكان من الواجب عليها أن تودعه .. ما الذى اقترفه فى حقها ليحدث كل ما حدث ؟؟ لم يودعه أحد من أحبائه .. أطفاله ظلوا نائمين .. وهى – ونحن ما زلنا فى أعسطس – لفّت نفسها فى البطّانية حتى لا تشعر به وهو خارج ...!!
بدون نوم وبدون إفطار ومع الصباح خرج ..
لم يكن هناك داع لكل ما حدث فى الليل .. كل سنوات العشرة الخمسة عشرة كانت قد انتفخت كالبالون لتفجرها كلمة بريئة فى حوار برئ ... دون أن يدرى حدث ما حدث .. مع أن النيّة كانت متجهة نحو جعلها ليلة ممتعة كإحدى ليالى الف ليلة .. نعم .. فهى ليلة وداع لا يدرى أحدهم هل سيقابل الآخر مرة ثانية أم لا .. فهو ذاهب وحده حيث قررت الهيئة التابع لها ترقيته الى مدير عام .. والله والهيئة أعلم بموعد استدعائه مرة أخرى للعمل بالقاهرة . والعمل فى جنوب مصر منفى بكل معانى الكلمة ، فمع أن المسافات ليست طويلة أيضا فليست الطرق واسعة ولا السفر بين مدننا متعة .. اذن فقد كانت ليلة وداع بحق ..!!
بسمة وجهاد وأحمد .. ثمرة زواجهما .. قبّلهم بعد أن خرجوا من الحمّام ومشّط لهم شعرهم وفى حجرة نومهم حكى لهم حكاية ست الحسن والشّاطر حسن على أمل أن يكونوا فى وداعه مع أمهم فى الصباح .. أغلظ الأيمان أقسم لهم أنه لن يتركهموان فكرت امهم ان تتركهم فسوف يوقظهم بنفسه ليكونوا فى وداعه بالمحطة ويشاهدوا القطار وهو يقل أبيهم الى حيث مورد الرزق الجديد ومكان إحضار العجوة والمشمش المجفف لهم ... وغطوا فى النوم العميق منذ التاسعة ، وفى سره ابتسم ... فقد نام الاولاد مبكرين ..؟ ضحك عليهم وهو الذى قرر السهر .. وما أن خرج من حجرة الاولاد وفتح باب حجرة النوم حتى وجدها مرسلة شعرها الطويل الناعم مثل جدائل الذهب حتى أردافها الممتلئة وخطوط الكحل الداكنةساعدت على اتساع العينين وأبرزت جمالهما وبدت له الخدود وقد تتفّحت والشفاه وقد تفرولت والجسم البض الجميل وقد تحددت جغرافيته بقميص من أحب قمصان النوم الى نفسه .. كل التمنيات الوردية تراقصت أمام عينيه وأحس أن كل خلية من خلاياه تستعد لليلة عرس طويلة طويلة ..وبعد ان تبادلا كلمات تلاعجاب والاستحسان وبينما هو منهمك فى التهام كل قطع اللحم التى وضعتها بجواره على الكومودينو – كل ما فى الثلاجة .. ليس خسارة فيك .. قالت وهى تسقيه سلطانية القشطة وتفرط له عنقود العنب البناتى الذى يحبه هذا غير ما ازدرده من بلابيع بعد الظهر .. كل من أهداه بلبوعة ابتلعها وشكره .. احساس طيب من الاصدقاء لا شك فهم يقدرون مدى الحرمان الذى سيلحقه طيلة مدة البعاد ..!!
وأخذ وضعه فى السرير .. همسة منه .. وهمسة منها .. وقبلة منه .. وضمة منها .. ولا يدرى ما الذى دفعه فى هذه الأثناء بالذات أن يفتح الموضوع .. يجوز فيضان الرضا الذى غمرهما هو السبب .. ولكن بالرغم من ذلك فلم يكن هناك داع الا العبث أو الابتلاء ..!
ألم يكن من الملائم أن تحزمى أمرك وتسافرى معى ؟؟
أفضل أن أعيش وسطكم من ان يبعثرنا أصحاب القرارات بجرة قلم وهم يجلسون فى مقاعدهم الوثيرة !!
- ومدارس الاولاد ؟؟ ...سألت وهى تتأهب لتصعيد الموقف ... فقال وهو لا يزال هادئاً :
- مدارس الحكومة كلها واحدة .. المهم المتابعة فى البيت .. ثم ان كان السفر شاقا عليك فلا أقل من ان توافقينى على ما يدور برأسى ..
بذراعها العريان .. طوقت رأسه .. كان رأسه باردا وذراعها تشع حرارة أدفأت كل جسمه .. مع الدفء أحس بشجاعة الخوض فى التفاصيل ..
- تسألين ماذا يدور فى رأسى ؟؟ أشكرك على كل حال .. ونهض من رقدته وتربع فى حجر السرير وهو يلعن عمل الميرى الذى يستعبدنا نظير بضع وريقات فى آخر كل شهر لا تسد الرمق ولا تكفى احتياجات الفرد .. واستطرد .. أستقيل !!
- تست.... ماذا ؟؟ بطريقة استنكارية واعتدال من الرقدة هى الاخرى سألت وتحفزت لشيئ ما ..
- أستقييييل .. ممطوطة وهادئة نطقها ، واستدرك : مجرد فكرة معروضة للمناقشة .. اما لا .. واما نعم ... موافقة ؟؟ موافقة !! وضحك وهو يحاول تقليد جلسات مجلس الشعب !!
- بالقطع لا موافقة ؟؟ هل تضحك ؟؟ من أين سنأكل ؟ كيف سنعيش وأنت لا تملك مليما واحدا غير راتب الحكومة ؟؟
- آى نعن ، ولكنك تملكين الألوف ، مالك من ميراث والدك لدى إخوتك ، نستطيع أن نستثمره .. بوتيك صغير .. أو سوبر ماركت أنيق على ناصية الشارع سوف يدر علينا أضعاف راتب الحكومة .. تسع أعشار الرزق فى التجارة ..!!.. وبدأ يعدد لها الامثلة .. مبتدئا بوالدها الله يرحمه وكيف ان كل ثروته الضخمة التى يرفل فى خيراتها أخوتها كانت من التجارة ، ومنتهيا بابن خاله زميل الدراسة الذى فشل فيها وأصبح الآن صاحب شركات فى أماكن متفرقة من القطر ، وهو صاحب الليسانس لم يستطع تغيير حالته من الفئة ج الى الفئة ب حتى فما بالك بالكون من حوله . قطعا بالعمل الذى يعمله لن يستطيع تغييره ... فى البلاد المتقدمة آلة صغيرة فى حجم الكف تستطيع ان تنجز عمل مائة من أمثاله فى وقت قصير وثوانى معدودة ، ثم انه ليس طبيبا ليبكيه المرضى أو مهندسا ليعتبر نفسه خبرة فى مجاله ، لكن وياللحسرة هو مجرد موظف لا عمل له الا تأصيل عقد الناس بتطبيق اللوائح والقوانين ..
- معنى ذلك ان تفكيرك منصب على ثروتى ؟؟
- ليس بالضبط .. ولكن طريقة استخدامها محل تفكير على كل حال ..
- أشم رائحة الطمع ..!!
- يا قدرة الله ؟؟ عندما أناشدك أن تلمينى بدلا من البعثرة التى نعانيها جميعا ، ومنظر أولادنا المخزى والمال متراكم لديك بحجة الزمن ؟؟
- سيجيئ الزمن الذى نحتاجه فيه ..
- ان لم يكن هذا هو زمن الحاجة ..فأى زمن تقصدين ؟؟
وتفكر .. كيف ان أغنياء العقول فقراء الجيوب وأغنياء الجيوب فقراء العقول ؟؟!! أوضاع تسلم الأذهان للزهق والذهول ...
ودخلا دوامة المعايرة ... والى حد البكاء ؟؟ .. الدموع أسالت الكحل فوق الخدود ، نحيبها بدأت تتداخل معه سقسقات العصافير وبدأت رائحة ندى الفجر تنساب من خلال شيش الشباك ، وامتدت يده تربت على كتفها ، ومحاولة أخيرة منه لتدارك ما حدث وصافى يا لبن ..!!؟
- غير حليب يا قشطة ؟؟
- أعوذ بالله .. ما كل هذا التحول .. ملعون ذلك المال .. ملعون كل من يفكر فى الغد ، فلنخفض الصوت اذن وننام فقد شقشق الفجر وساعات قليلة ويستيقظ الاطفال .. استغفرى الله ودعينى انام ففى الثامنة علينا ان نكون أمام باب القاطرة !!
- نومة بلا قومة ان شاء الله ؟؟!!
وتفكر كيف ان الله أعطى الانسان أشياء كثيرة ليستعملها فى إسعاد نفسه وإسعاد غيره ممن حوله ثم اذا به تقوده عقدة الخوف ، قرينة الشرك وعدم الايمان ، يستغلها فى تقويض سعادته وهدم حياته ..؟ سبح فى بحور التفكير اللانهائية ، لاطم أمواجها ولاطمته ، كل الرغبات المتوهجة فى نفسه خبت ، تجمدت كل غرائزه ، وبدا له انها تحتاج لكى تتوهج من جديد لحرارة أغسطس عند خط الاستواء ؟؟ ما أعظم هذا القطار ؟
انه بوعى وبلا وعى يشده من قفاه منتزعا من وجدانه كل ما عكر صفو النفس فى المساء ...
الارض خارج النافذة بساط يطوى .. وهو لا يزال يلاطم الامواج فى بحور التفكير ..
بعض أمور الحياة غريبة .. كل ما يخضع للتفكير مريح .. أما أن تفكر فلا تصل الى حدود الطمأنينةفهذا ما يسدل على الذهن خيمة من العتامة المجهولة الموحية بالخوض فى اللانهائيات من أجل أن ترتطم فى النهاية بحقيقة أن كل ما عشته وعاشه غيرك حلم عقل واحد هو العقل الموجود الكائن قبل الوجود والباقى بعد فناء كل موجود ؟؟!!
بكل الوجدان بدأ يعيش أجمل بداياته مع المرأة التى استطاعت أن تأسر قلبه المتفتح من خمسة عشرة سنة .. يا قدرة الله ؟ كأنه الآن .. الشوارع بناسها وأطفالها وأسفلتها وأشجارها ودهانات الحوائط ورائحة الهواء ، وهو بشعره الطويل وسوالفه العريضة الطويلة وبنطلونه الشارلستون الاصفر ، فاقع الاصفرار ، والجاكت الأخضر الطويل ... كانت الموضة وقتها موضة الخنافس .. وكان أول لقاء ومستوعبا محاضرة الصديق فى الليل ، بدأ فى تنفيذ كل ما اتفقا عليه ... لبس .. وتعطّر .. وسبسب الشعر .. وحلق الذقن والشارب .. واشترى علبة سجائر سوبر وعلبة كبريت وأمام المرآة جرّب استخراج السيجارة واشعال عود الكبريت وباقى البروتوكول المتعارف عليه فى مثل هذه الظروف ..وسعل واحمرّت عيناه ودمعت .. فأطفأ السيجارة ودعا الله ان يستر اللقاء ولا يفضحه أمام من اختارها قلبه لتكون أما لأولاده !!
ولم يطل انتظاره لها فى المكان المتفق عليه ، بالضبط فى الموعد المحدد حضرت .. وتهلل لمقدمها وهشّت هى لرؤيته .. كانت جميلة .. جمال اللقاء الأول ؟
ولن أخوض فى ذكر أوصافها ؛ فجلسة واحدة مع طفلتها بسمة كفيلة بتلخيص كل مزايا وخفة دم محبوبة قلبه ..صافحها .. وكأن لأول مرة يلمس فيها فتاة .. أحس بكفه تقبض على عصفورة صغيرة رقيقة لا راحة فتاة ، لذلك خفف من خشونة يده بأن جعل أصابعه العشرة تحتضن أناملها كجناح الطائر الأم وهو يحضن صغاره فى العش .. واتجها نحو الشارع .. أقرب شارع هادئ لمكان اللقاء وتصادف أن كان شارع الجبلاية .. سارا متجاورين .. عبرا الكوبرى متجاورين أيضا .. أطلّت رأس من إحدى السيارات العابرة وانطلق صوت غليظ ولكنه دغدغ مشاعر معينة فى نفسيهما : " إمسك إيدها يا غشيم !!" وازداد خجلا وتبسّمت هى فى حياء وظلا بالرغم متجاورين وما ان أصبحا فى بداية الشارع والشارع هادئ وخال الا من بعض المارة والسيارات الفارهة ونوايات الاسر المستقبلة وبعض المتسولين الذين يستجدون عواطف البشر ببيع الدعوات ، وباعة اللب والترمس والسميط .. أخرج علبة السجائر وبدأ مراسم التدخين كما تعلمها امام المرآة انتابه شعور من تعرّى مجبرا فى الشارع ؟؟وخجل من نفسه وأجج شعوره بالخجل امساكها للسيجارة بين أصابعها وفركها وبصوت حان ورقيق قالت " بدونها انت أقوى .."
كانت صغيرة ولكن كبر حبه لها جعل كلامها فى قوة القانون .. ونفذ الأمر وزاد ان كره رائحة الدخان طول عمره بعد ذلك ..
مازال يلاطم أمواج البحر السابح فيه ومازال القطار يطوى شريط الارض ... كان وهو طفل يهوى النوم فى مركبات السفر والآن أجبرته الحياة اجترار الذكريات ...
يخرب عقلك يا سميحة !!
مستحيل ينسى أول ليلة أغلق عليهما فيها باب الحجرة تحت سمع وبصر كل من لاكوت حكايتهما قبل الزواج ، عندما اقترب منها يريد تقبيلها .. كانت أكثر بهاءاً وأكثر شيطنة من ممثلات هوليود .. يومها أحب هذه الشيطنة وتمنى دوامها ....
- بلاش تبوسنى فى عينية أحسن البوس فى العين يفرّق ؟؟
وهو الآن يتحسر .. ما الذى جرى لها بالأمس ؟ هل طول العشرة يؤدى الى هذا الفتور بل كل ذلك الفتور ؟؟ ياسرعة التحول لو كان لك مرادف لكان المرأة ولا شيئ غير .. فهو لا يصدق انها هى هى نفس الفتاة .. نفس المرأة التى كانت بجواره فى الفراش ليلة أمس ..؟ أقسى من حوار الامس وأمر منه .. حوارات شتى على مدار السنوات الخمسة عشرة الماضية وكلها كانت تمر بسلام .. لكنه الان مسافر وباستطاعته أن يحرق قلبها ويجعلها تندم على سوء الظن به وعدم تفهمها لوجهة نظره ... سأقضى أجازاتى كلها هناك .. سأدوس على قلبى بالحذاء الى ان تعرف قيمتى .. وقتها فقط ستعرف ان الله حق وقد تقول ياليت ما حدث لم يكن ..؟ وماذا لو أنشأت له السوبر ماركت او البوتيك ؟؟ فرصة تبقيه الى جوارها بدلا من بعده عنها ، فهى لا تدرى الآن أيغازل فتاة أم تحاول اصطياده لعوب مسنة ؟؟ بينما تتقلب هى وحيدة فى الفراش جسمها يغلى ولا تطفئه قبلات الاولاد الثلاثة الباردة ولا أحضانهم ... لتقل ما تقول ولترجع الى رشدها ان أرادت ولكنى لن أنسى أنها تمنت ألا أقوم من نومى الا الى القبر !!
بالرغم من كل توسلات الوجدان واسترحامات الذكريات وبالرغم من انها فعلا انسانة طيبة وودود وعذرها ان شخصيتها لم تتكون كما ينبغى فى بيت العائلة ، وبالرغم من إعتبارات ذهنية خاصة بها تدفعها للخوف أن يقال أنها تنفق على زوجها وأولاده وبالرغم من أنها تكحلت ليلة أمس من أجلى أنا ورغبة فى إسعادى انا .. بالرغم من كل هذا لن أرجع .. بكل معنى التصميم والتحدى لن أرجع ..
صدى الكلمات فى ردهات النفس وأغوارها أخذ يتردد ويتضاعف والذكريات ترقص أمام عينه .. ابتسم لدرجة رغرغة البكاء .. فى اللحظة التى اكتشف فيها انه ليس وحيدا فى البنوار وانما قبالته بالضبط بل وركبتها تلاصق ركبته وتناطحها أثناء هزهزات القطار .. سنيورة جميلة صوتها ناعم كالحرير تبينه وهى تعتذر له عن ضيق المكان عليهما بسبب امتلاء جسمها بعض الشيئ ؟؟
- لكنه امتلاء أنوثة يا آنسة !!
- سيدة من فضلك !!
- معقول ؟؟ كل هذا الجمال وكل هاتيك البراءة التى تشع من عينيك الجميلتين وهذا الجسم الفتى ملك لرجل ؟؟!!
بدأ يستدعى كل الغرائز التى هدأت ليلة أمس ، عاونته فى ذلك سياط الحرمان التى ألهبت مشاعره وتلك الشباك الدقيقة كخيوط العنكبوت التى نسجتها الانوثة الطاغية المدربة على ما يبدو للسيدة الشابة .. ساقت قسرا كل حاسة من حواسه لتتلصص كلٌ بمعرفتها ففتشت عيناه بين ثنيات جلد الفخذ الموضوع فوق الفخذ تتلمس ثغرة ولو قيد شعرة لترى تفصيلات أدق . وأكثر ولما صعبت عليه الرؤية مسح عدسات النظارة فازداد بياض البشرة ولكن لم تتوضح التفاصيل ..ونقلت الخياشيم همسات العطر الفواح لتزغزغ كل شعرة فى جسمه لدرجة هفهفت لها نفسه وخف وزن الروح وطارت لتستقر فى عيونها ..
بلع ريقه وهو يسألها مترددا خشية رد الفعل البارد :
- سعادتك وحدك ام معك البيه ؟؟
- لا وحيدة .. دائما أسافر وحيدة !!
- لكن المسافة طويلة ومتعبة .. أنت أيضا موظفة فى الصعيد ؟؟
- لا
- إذن سياحة أو زيارة لقريب ؟؟ ولكن ليس من المعقول ان يتركك تسافرين وحدك ألا يخاف عليك ؟!
- ثقته فى نفسه بلا حدود !!
قالتها وتأوهّت .. طويلة وحارة كانت آهتها .. تصادف مرور الجرسون بجوارهما .. هفهف بكفه أمام وجهه وهو يقول :
- أحرقتنى نار تأوهاتك .. إسمحى لى أن أطلب كوبا من العصير البارد .. ماذا تشربين ؟؟
- قهوة لو سمحت .. وأنت الى أين ؟
- الواحات
- يا خبر .. إذن ستمر بأسيوط ..؟
- بالطبع
- هل تعرف الشيخ بركات ؟؟ يقولون انه فى أسيوط ؟
- لم أسمع عنه ..
- كيف وهو مشهور جدا ؟ يقولون أنه بركة .. ولى من أولياء الله الصالحين ..!
- الصالحين فى ماذا ؟؟
- سره باتع !!
- نعم ولكن فى ماذا ؟
- حل المشاكل مثلاً ..
- وهل للجميل مشكلة ؟؟ أقصد ألديك مشكلة ؟؟
- لا أحد يخلو من بعض المشاكل ..
- هل لى أن أتطفل وأعرفها ؟؟ قال وهو يتناول من الجرسون فنجان القهوة وكوب العصير ومدت يدها فتناولت منه الفنجان ورشفت رشفة وقالت :
- انت مسكين .. واضح انك بذاتك مشكلة .. منذ ان تحرك القطار ودموعك فوق خدك وابتسامة حزينة فوق شفاهك .. لم تشعر بى الا بعد أن أفقت من غفوتك ..
- غفوتى ؟؟ هل نمت ؟ قال باستغراب ودهشة ..
- نعم وعلا شخيرك أيضا
- ياللخجل ؟؟
- لا خجل ولا يحزنون النوم نعمة المحزونين فى هذا الزمان
- اذن فقد استيقظت الآن ومن أجلك أنت فأنا انسان طازج صابح مثل الخضار الصابح واللبن من ثدى أمه كما يقولون .. قولى اذن مشكلتك ..وبكل عبث الشباب وحمى التصابى تلهف على السماع
- زوجى يا سيدى ..
- ما به ؟
- ليس به شيئ !! قالت وهى تبتسم بخبث وتميل برأسها على كفها الأيمن ، ثم رفعتها وحاولت استقطاب دهشته .. أعنى أننا متزوجان من خمسة أعوام ولم نرزق حتى الآن بذرية .. والسبب هو .. كل الاطباء الذين فحصونى أكدوا سلامتى .. مائة بالمائة سليمة .. وأن على زوجى عرض نفسه على أخصائى خصوبة ..
- بسيطة وهل عرض نفسه على الأخصائى ؟
- كلا .. فهو غير مقتنع بالمرة أن يكون العيب فيه او ان يكون العيب منه !! فهو يوميا وعلى مدار الخمسة أعوام يحاول بمنطقه هو أن يثبت لى أنه فحل .. وكم من مرة قلت له فيها أنا لا أريدك فحلا أريدك رجلا .. ولم يفهم ومصمم ان أبحث أنا عن حل لمشكلة الانجاب .. رأسى كل ليلة تدور وأنا أسلمه جسدى يفعل به ما يراه دون أن أكون معه !! ثمرة الزواج الذرية .. بدونها يصبح الزواج روتين يومى ..
- أو النضال المشترك من أجل فكرة واحدة هو القادر على كسر وتيرة هذا الروتين وتعميق الحب ... قال فى أسى وهو يتذكر مشادة البارحة ..
- ولكن السائد ان تكون الذرية هى الثمرة .. ان أنفقت حتى الآن من أجل هذه الثمرة أكثر من عشرين ألفا من الجنيهات هى نصف ما ورثته عن أبوى .. فأنا يتيمة الأبوين ..! وبصراحة توّاقة أن أكون أماً !!
- منه بالذات ؟؟ سأل وهو يغمض عينا ويفتح أخرى ...
- يعنى ؟؟... واستدركت : ولو انه من سابع المستحيلات ، ولكن أيضا الطلاق مستحيل وغير مناسب لى ولزوجى .. منتهى الخيانة لمن تحب أن تحرجه عمليا وتكشفه أمام الناس !!
- إذن ما هو الحل ؟
- ما يريده الله سيكون ..
- لكن ما أراده الله كان وأنت غير راضية عنه وغير راضية به ..فما سيكون هو ما نريده نحن ..
- لكن فى النهاية لن يكون الا ما يريده الله ..
- آى نعم
- الحل لدى الشيخ بركات .. أكيد ... قالت شبه شاردة وثمة أمور تراءت لذهنها !! فنضحت على جسدها إيحاءات جعلت ريقه يجف وعضلاته ترتجف وعنّت له فكرة فنهض من مكانه واستدار وزنقها بجوار النافذة ومدد ساقاه على الكرسى المقابل ليمتص الرجفة .. وتعجب ..إذ شعر انه يمتطى حصاناً لا يستقل قطاراً فمنذ لحظة فقط كان القطار يجره من قفاه كمن يجرجره بعيدا عن مكان لا يحبه وتعارك فيه والآن يشعر أنه خطف ست الحسن وامتطى بها الجواد الأبيض وشق عباب الأرض نحو الهدف .. ومستجمعا كل شجاعة العمر وبمنتهى السفالة والسوقية نطقها كالمسطول :
- هل لى أن أحل محل الشيخ بركات ؟؟
أنزلت ساقها وضمت فخذيها وبدهاء وحنكة فى التعبير بعضلات الوجه استفهمت عن ماذا يقصد ؟ فقال وقد زالت عن قلبه رهبة الحديث مع إنسانة غريبة عنه
- أقصد ان فى الواحات لا أحد يعرفك ثم أننى جديد على المنطقة فلا يعرفنى أحد أيضا .. تهبينى نفسك أسبوعا وندخل الواحات كزوجين أعطيك ما تريدين من ذرية .. هدية .. وأقسم .. هدية .. مقابل ألف فقط بجملة الألوف التى أنفقتها وعندما تعودين الى زوجك أشربيه الحجاب ومن ببطنك إنسبيه اليه فأنا لا أريده .. عندى منهم ثلاثة ..!!
ويبدو ان الفكرة راقتها فهو فى نظرها غريب لا تعرفه ولا يعرفها ولم يسألها لا عن إسمها ولا أين تعيش ولا ماذا تعمل ؟ ولا هى سألته والبلد الذى لا يعرفك بها أحد ان مشيت بشوارعها عرياناً فلن يحاسبك انسان .. هذا مضمون المثل الشعبى .. فالجبن لا يكون الا مع القريب اللصيق بالانسان أما المعرفة الطيّارى فمن الممكن أن نظهر عوراتنا أمامها ..
وقالت بتردد
- لكنك طماع تريد المتعة والمال أيضاً ؟؟!!
- من الطماع ؟؟ من يريد سرقة الضنى نظير بذل الجسم مع أنه لن يستطيع سرقته الا بالتعرية ؟؟ أم من يجود بضناه لضعف مشاعره وعوزه ؟؟ ثم أننى سأعفيك من الحقن والجراحة والأدوية والدجل وقد يكون ما سأهبك توأماً ستكونين أنت الفائزة وقتئذ ..لكن سيكون لى فى ذمتك ألفا آخرين ... ضحك وضحكت هى الاخرى .. طويلة ومسرسعة خرجت ضحكتها .. رحرحت فى الجلسة وقالت على البركة .. فلتكن تجربة فقد رآنى أكثر من ثلاثين طبيباً فلتكن أنت الواحد والثلاثين ... قهقهت وتغامزت وفكّت منديل الرأس ..
بهذه السرعة .. مؤكد حلم .. فهى نفسها أكدت له منذ لحظات أنه كان غافياً وأن شخيره كان عالياً .. انه الحلم وإلا فما كل هذا الرضا ؟ حليلته تمنعت عليه فى ليلة الوداع .. وهذه الشيطانة تروقها فكرة المساطيل فور ان سمعتها وكأن لسان حالها يقول : كنت ها قولها !!وهو لا يستطيع ان يقاوم تلك الرغبة المتأججة التى تسرى سريان الكهرباء فى كل عضو من أعضاء جسمه .. هو يجلس الآن بجوار كتلة من النار .. أتون وهيج ... أين أنت أيتها الواحات ؟؟ ماللقطار يجرى ببطء ؟؟ لماذا لم نتقابل فى طيارة او صاروخ ؟؟ أما كنا وصلنا الى الهدف أسرع ؟؟ مازال أمامى ستة ساعات أخرى .. مؤكد ساعتى غير مضبوطة فهى دائما تؤخر خمس دقائق !! انها فرق ولا شك .. ففى الخمس دقائق . الفرق أكون قد تزوجت على نفسى ؟؟ ردد الكلمات وابتسم فقد أصبح يقول نكتا فى نفسه !! يا سلام .. مجرد تغيير المكان فى القطار وتغيير الوجوه أعطانى احساس بالتقدم .. جعلنى أفكر لما بعد ست ساعات من الآن .. اننى أطوى الدقائق والساعات بسرعة رهيبة ... سامحك الله يا زوجتى .. أنت السبب ..؟
- وعد لن تعدلى عنه أليس كذلك ؟؟ سأل شيطانته وهو يحاول استدعاء كل النهم الغرائزى من كل بوصة فى جسمه ..
- وعد يا رجل .. لست طفلة تلهو !! وهل كان الشيخ بركات سيفعل أكثر مما ستفعل أنت ؟؟
- من يدرى .. فكل شيخ وله طريقة ..!!
ضحك الاثنان معاً وغرقا فى الضحك .. واهتز القطار اهتزازة عنيفة قبل أن ينفصل عن القضبان ويحترق .. فى ثانية بكل من فيه إحترق
الا سائق القطار...
صباح الاحد 15/9/1991
تووووت .... طويلة وممدودة وعالية كانت صفارة القطار ..
ضببت كلمات الوداع فى جو صالة السفر أبخرة الدموع .. وحرارة الخد غبّشت زجاج النظارة ..
لداخل النفس انكمش .. مضغها كل الكلمات الحلوة التى تمنى أن يقولها لحظة الوداع ... جافة وصلبة أحسها تحت أسنانه وبصعوبة ابتلعها ؟؟ شعر فى حلقه بغصّة ، وخنقته العبرات ..التفاتة غير مقصودة منه وجد نفسه مدفوعا اليها .. بإيحاء داخلى ... الى خارج النافذة ألقته .. تعلّق بأمل أن الخلاص فى المعنى الذى يحسه ولا يتبينه ..!!
فمع تزايد سرعة القطار واختفاء رائحة الزيت والجاز المختلطة بتراب المحطة واندثار مجموعات المودعين بدأت أحياء بالكامل تطوى وعمارات شاهقة ودور قديمة وسيارات بعيدة على الطريق الأسفلتى وأشجار ودواب وأعمدة انارة وناس لا يعرفهم ولا يعرفونه وطيور .. حتى الارض التى كانت تقله .. كل ذلك بدأ يطوى ليصبح فى كيس الذاكرة .. الواقع الوحيد الذى أحسه أنه يجلس فى مقعده ببنوار القطار بجوار النافذة وأن القاطرة تجره من قفاه الى جهة الجنوب وأن الفضاء الشاسع أمام ناظره أصبح خيطا دقيقا يلف فوق بكرة الارض فى هذا الكون الفسيح .
مشيعا الى مثواه الاخير كان إحساسه .. وكان من الواجب عليها أن تودعه .. ما الذى اقترفه فى حقها ليحدث كل ما حدث ؟؟ لم يودعه أحد من أحبائه .. أطفاله ظلوا نائمين .. وهى – ونحن ما زلنا فى أعسطس – لفّت نفسها فى البطّانية حتى لا تشعر به وهو خارج ...!!
بدون نوم وبدون إفطار ومع الصباح خرج ..
لم يكن هناك داع لكل ما حدث فى الليل .. كل سنوات العشرة الخمسة عشرة كانت قد انتفخت كالبالون لتفجرها كلمة بريئة فى حوار برئ ... دون أن يدرى حدث ما حدث .. مع أن النيّة كانت متجهة نحو جعلها ليلة ممتعة كإحدى ليالى الف ليلة .. نعم .. فهى ليلة وداع لا يدرى أحدهم هل سيقابل الآخر مرة ثانية أم لا .. فهو ذاهب وحده حيث قررت الهيئة التابع لها ترقيته الى مدير عام .. والله والهيئة أعلم بموعد استدعائه مرة أخرى للعمل بالقاهرة . والعمل فى جنوب مصر منفى بكل معانى الكلمة ، فمع أن المسافات ليست طويلة أيضا فليست الطرق واسعة ولا السفر بين مدننا متعة .. اذن فقد كانت ليلة وداع بحق ..!!
بسمة وجهاد وأحمد .. ثمرة زواجهما .. قبّلهم بعد أن خرجوا من الحمّام ومشّط لهم شعرهم وفى حجرة نومهم حكى لهم حكاية ست الحسن والشّاطر حسن على أمل أن يكونوا فى وداعه مع أمهم فى الصباح .. أغلظ الأيمان أقسم لهم أنه لن يتركهموان فكرت امهم ان تتركهم فسوف يوقظهم بنفسه ليكونوا فى وداعه بالمحطة ويشاهدوا القطار وهو يقل أبيهم الى حيث مورد الرزق الجديد ومكان إحضار العجوة والمشمش المجفف لهم ... وغطوا فى النوم العميق منذ التاسعة ، وفى سره ابتسم ... فقد نام الاولاد مبكرين ..؟ ضحك عليهم وهو الذى قرر السهر .. وما أن خرج من حجرة الاولاد وفتح باب حجرة النوم حتى وجدها مرسلة شعرها الطويل الناعم مثل جدائل الذهب حتى أردافها الممتلئة وخطوط الكحل الداكنةساعدت على اتساع العينين وأبرزت جمالهما وبدت له الخدود وقد تتفّحت والشفاه وقد تفرولت والجسم البض الجميل وقد تحددت جغرافيته بقميص من أحب قمصان النوم الى نفسه .. كل التمنيات الوردية تراقصت أمام عينيه وأحس أن كل خلية من خلاياه تستعد لليلة عرس طويلة طويلة ..وبعد ان تبادلا كلمات تلاعجاب والاستحسان وبينما هو منهمك فى التهام كل قطع اللحم التى وضعتها بجواره على الكومودينو – كل ما فى الثلاجة .. ليس خسارة فيك .. قالت وهى تسقيه سلطانية القشطة وتفرط له عنقود العنب البناتى الذى يحبه هذا غير ما ازدرده من بلابيع بعد الظهر .. كل من أهداه بلبوعة ابتلعها وشكره .. احساس طيب من الاصدقاء لا شك فهم يقدرون مدى الحرمان الذى سيلحقه طيلة مدة البعاد ..!!
وأخذ وضعه فى السرير .. همسة منه .. وهمسة منها .. وقبلة منه .. وضمة منها .. ولا يدرى ما الذى دفعه فى هذه الأثناء بالذات أن يفتح الموضوع .. يجوز فيضان الرضا الذى غمرهما هو السبب .. ولكن بالرغم من ذلك فلم يكن هناك داع الا العبث أو الابتلاء ..!
ألم يكن من الملائم أن تحزمى أمرك وتسافرى معى ؟؟
أفضل أن أعيش وسطكم من ان يبعثرنا أصحاب القرارات بجرة قلم وهم يجلسون فى مقاعدهم الوثيرة !!
- ومدارس الاولاد ؟؟ ...سألت وهى تتأهب لتصعيد الموقف ... فقال وهو لا يزال هادئاً :
- مدارس الحكومة كلها واحدة .. المهم المتابعة فى البيت .. ثم ان كان السفر شاقا عليك فلا أقل من ان توافقينى على ما يدور برأسى ..
بذراعها العريان .. طوقت رأسه .. كان رأسه باردا وذراعها تشع حرارة أدفأت كل جسمه .. مع الدفء أحس بشجاعة الخوض فى التفاصيل ..
- تسألين ماذا يدور فى رأسى ؟؟ أشكرك على كل حال .. ونهض من رقدته وتربع فى حجر السرير وهو يلعن عمل الميرى الذى يستعبدنا نظير بضع وريقات فى آخر كل شهر لا تسد الرمق ولا تكفى احتياجات الفرد .. واستطرد .. أستقيل !!
- تست.... ماذا ؟؟ بطريقة استنكارية واعتدال من الرقدة هى الاخرى سألت وتحفزت لشيئ ما ..
- أستقييييل .. ممطوطة وهادئة نطقها ، واستدرك : مجرد فكرة معروضة للمناقشة .. اما لا .. واما نعم ... موافقة ؟؟ موافقة !! وضحك وهو يحاول تقليد جلسات مجلس الشعب !!
- بالقطع لا موافقة ؟؟ هل تضحك ؟؟ من أين سنأكل ؟ كيف سنعيش وأنت لا تملك مليما واحدا غير راتب الحكومة ؟؟
- آى نعن ، ولكنك تملكين الألوف ، مالك من ميراث والدك لدى إخوتك ، نستطيع أن نستثمره .. بوتيك صغير .. أو سوبر ماركت أنيق على ناصية الشارع سوف يدر علينا أضعاف راتب الحكومة .. تسع أعشار الرزق فى التجارة ..!!.. وبدأ يعدد لها الامثلة .. مبتدئا بوالدها الله يرحمه وكيف ان كل ثروته الضخمة التى يرفل فى خيراتها أخوتها كانت من التجارة ، ومنتهيا بابن خاله زميل الدراسة الذى فشل فيها وأصبح الآن صاحب شركات فى أماكن متفرقة من القطر ، وهو صاحب الليسانس لم يستطع تغيير حالته من الفئة ج الى الفئة ب حتى فما بالك بالكون من حوله . قطعا بالعمل الذى يعمله لن يستطيع تغييره ... فى البلاد المتقدمة آلة صغيرة فى حجم الكف تستطيع ان تنجز عمل مائة من أمثاله فى وقت قصير وثوانى معدودة ، ثم انه ليس طبيبا ليبكيه المرضى أو مهندسا ليعتبر نفسه خبرة فى مجاله ، لكن وياللحسرة هو مجرد موظف لا عمل له الا تأصيل عقد الناس بتطبيق اللوائح والقوانين ..
- معنى ذلك ان تفكيرك منصب على ثروتى ؟؟
- ليس بالضبط .. ولكن طريقة استخدامها محل تفكير على كل حال ..
- أشم رائحة الطمع ..!!
- يا قدرة الله ؟؟ عندما أناشدك أن تلمينى بدلا من البعثرة التى نعانيها جميعا ، ومنظر أولادنا المخزى والمال متراكم لديك بحجة الزمن ؟؟
- سيجيئ الزمن الذى نحتاجه فيه ..
- ان لم يكن هذا هو زمن الحاجة ..فأى زمن تقصدين ؟؟
وتفكر .. كيف ان أغنياء العقول فقراء الجيوب وأغنياء الجيوب فقراء العقول ؟؟!! أوضاع تسلم الأذهان للزهق والذهول ...
ودخلا دوامة المعايرة ... والى حد البكاء ؟؟ .. الدموع أسالت الكحل فوق الخدود ، نحيبها بدأت تتداخل معه سقسقات العصافير وبدأت رائحة ندى الفجر تنساب من خلال شيش الشباك ، وامتدت يده تربت على كتفها ، ومحاولة أخيرة منه لتدارك ما حدث وصافى يا لبن ..!!؟
- غير حليب يا قشطة ؟؟
- أعوذ بالله .. ما كل هذا التحول .. ملعون ذلك المال .. ملعون كل من يفكر فى الغد ، فلنخفض الصوت اذن وننام فقد شقشق الفجر وساعات قليلة ويستيقظ الاطفال .. استغفرى الله ودعينى انام ففى الثامنة علينا ان نكون أمام باب القاطرة !!
- نومة بلا قومة ان شاء الله ؟؟!!
وتفكر كيف ان الله أعطى الانسان أشياء كثيرة ليستعملها فى إسعاد نفسه وإسعاد غيره ممن حوله ثم اذا به تقوده عقدة الخوف ، قرينة الشرك وعدم الايمان ، يستغلها فى تقويض سعادته وهدم حياته ..؟ سبح فى بحور التفكير اللانهائية ، لاطم أمواجها ولاطمته ، كل الرغبات المتوهجة فى نفسه خبت ، تجمدت كل غرائزه ، وبدا له انها تحتاج لكى تتوهج من جديد لحرارة أغسطس عند خط الاستواء ؟؟ ما أعظم هذا القطار ؟
انه بوعى وبلا وعى يشده من قفاه منتزعا من وجدانه كل ما عكر صفو النفس فى المساء ...
الارض خارج النافذة بساط يطوى .. وهو لا يزال يلاطم الامواج فى بحور التفكير ..
بعض أمور الحياة غريبة .. كل ما يخضع للتفكير مريح .. أما أن تفكر فلا تصل الى حدود الطمأنينةفهذا ما يسدل على الذهن خيمة من العتامة المجهولة الموحية بالخوض فى اللانهائيات من أجل أن ترتطم فى النهاية بحقيقة أن كل ما عشته وعاشه غيرك حلم عقل واحد هو العقل الموجود الكائن قبل الوجود والباقى بعد فناء كل موجود ؟؟!!
بكل الوجدان بدأ يعيش أجمل بداياته مع المرأة التى استطاعت أن تأسر قلبه المتفتح من خمسة عشرة سنة .. يا قدرة الله ؟ كأنه الآن .. الشوارع بناسها وأطفالها وأسفلتها وأشجارها ودهانات الحوائط ورائحة الهواء ، وهو بشعره الطويل وسوالفه العريضة الطويلة وبنطلونه الشارلستون الاصفر ، فاقع الاصفرار ، والجاكت الأخضر الطويل ... كانت الموضة وقتها موضة الخنافس .. وكان أول لقاء ومستوعبا محاضرة الصديق فى الليل ، بدأ فى تنفيذ كل ما اتفقا عليه ... لبس .. وتعطّر .. وسبسب الشعر .. وحلق الذقن والشارب .. واشترى علبة سجائر سوبر وعلبة كبريت وأمام المرآة جرّب استخراج السيجارة واشعال عود الكبريت وباقى البروتوكول المتعارف عليه فى مثل هذه الظروف ..وسعل واحمرّت عيناه ودمعت .. فأطفأ السيجارة ودعا الله ان يستر اللقاء ولا يفضحه أمام من اختارها قلبه لتكون أما لأولاده !!
ولم يطل انتظاره لها فى المكان المتفق عليه ، بالضبط فى الموعد المحدد حضرت .. وتهلل لمقدمها وهشّت هى لرؤيته .. كانت جميلة .. جمال اللقاء الأول ؟
ولن أخوض فى ذكر أوصافها ؛ فجلسة واحدة مع طفلتها بسمة كفيلة بتلخيص كل مزايا وخفة دم محبوبة قلبه ..صافحها .. وكأن لأول مرة يلمس فيها فتاة .. أحس بكفه تقبض على عصفورة صغيرة رقيقة لا راحة فتاة ، لذلك خفف من خشونة يده بأن جعل أصابعه العشرة تحتضن أناملها كجناح الطائر الأم وهو يحضن صغاره فى العش .. واتجها نحو الشارع .. أقرب شارع هادئ لمكان اللقاء وتصادف أن كان شارع الجبلاية .. سارا متجاورين .. عبرا الكوبرى متجاورين أيضا .. أطلّت رأس من إحدى السيارات العابرة وانطلق صوت غليظ ولكنه دغدغ مشاعر معينة فى نفسيهما : " إمسك إيدها يا غشيم !!" وازداد خجلا وتبسّمت هى فى حياء وظلا بالرغم متجاورين وما ان أصبحا فى بداية الشارع والشارع هادئ وخال الا من بعض المارة والسيارات الفارهة ونوايات الاسر المستقبلة وبعض المتسولين الذين يستجدون عواطف البشر ببيع الدعوات ، وباعة اللب والترمس والسميط .. أخرج علبة السجائر وبدأ مراسم التدخين كما تعلمها امام المرآة انتابه شعور من تعرّى مجبرا فى الشارع ؟؟وخجل من نفسه وأجج شعوره بالخجل امساكها للسيجارة بين أصابعها وفركها وبصوت حان ورقيق قالت " بدونها انت أقوى .."
كانت صغيرة ولكن كبر حبه لها جعل كلامها فى قوة القانون .. ونفذ الأمر وزاد ان كره رائحة الدخان طول عمره بعد ذلك ..
مازال يلاطم أمواج البحر السابح فيه ومازال القطار يطوى شريط الارض ... كان وهو طفل يهوى النوم فى مركبات السفر والآن أجبرته الحياة اجترار الذكريات ...
يخرب عقلك يا سميحة !!
مستحيل ينسى أول ليلة أغلق عليهما فيها باب الحجرة تحت سمع وبصر كل من لاكوت حكايتهما قبل الزواج ، عندما اقترب منها يريد تقبيلها .. كانت أكثر بهاءاً وأكثر شيطنة من ممثلات هوليود .. يومها أحب هذه الشيطنة وتمنى دوامها ....
- بلاش تبوسنى فى عينية أحسن البوس فى العين يفرّق ؟؟
وهو الآن يتحسر .. ما الذى جرى لها بالأمس ؟ هل طول العشرة يؤدى الى هذا الفتور بل كل ذلك الفتور ؟؟ ياسرعة التحول لو كان لك مرادف لكان المرأة ولا شيئ غير .. فهو لا يصدق انها هى هى نفس الفتاة .. نفس المرأة التى كانت بجواره فى الفراش ليلة أمس ..؟ أقسى من حوار الامس وأمر منه .. حوارات شتى على مدار السنوات الخمسة عشرة الماضية وكلها كانت تمر بسلام .. لكنه الان مسافر وباستطاعته أن يحرق قلبها ويجعلها تندم على سوء الظن به وعدم تفهمها لوجهة نظره ... سأقضى أجازاتى كلها هناك .. سأدوس على قلبى بالحذاء الى ان تعرف قيمتى .. وقتها فقط ستعرف ان الله حق وقد تقول ياليت ما حدث لم يكن ..؟ وماذا لو أنشأت له السوبر ماركت او البوتيك ؟؟ فرصة تبقيه الى جوارها بدلا من بعده عنها ، فهى لا تدرى الآن أيغازل فتاة أم تحاول اصطياده لعوب مسنة ؟؟ بينما تتقلب هى وحيدة فى الفراش جسمها يغلى ولا تطفئه قبلات الاولاد الثلاثة الباردة ولا أحضانهم ... لتقل ما تقول ولترجع الى رشدها ان أرادت ولكنى لن أنسى أنها تمنت ألا أقوم من نومى الا الى القبر !!
بالرغم من كل توسلات الوجدان واسترحامات الذكريات وبالرغم من انها فعلا انسانة طيبة وودود وعذرها ان شخصيتها لم تتكون كما ينبغى فى بيت العائلة ، وبالرغم من إعتبارات ذهنية خاصة بها تدفعها للخوف أن يقال أنها تنفق على زوجها وأولاده وبالرغم من أنها تكحلت ليلة أمس من أجلى أنا ورغبة فى إسعادى انا .. بالرغم من كل هذا لن أرجع .. بكل معنى التصميم والتحدى لن أرجع ..
صدى الكلمات فى ردهات النفس وأغوارها أخذ يتردد ويتضاعف والذكريات ترقص أمام عينه .. ابتسم لدرجة رغرغة البكاء .. فى اللحظة التى اكتشف فيها انه ليس وحيدا فى البنوار وانما قبالته بالضبط بل وركبتها تلاصق ركبته وتناطحها أثناء هزهزات القطار .. سنيورة جميلة صوتها ناعم كالحرير تبينه وهى تعتذر له عن ضيق المكان عليهما بسبب امتلاء جسمها بعض الشيئ ؟؟
- لكنه امتلاء أنوثة يا آنسة !!
- سيدة من فضلك !!
- معقول ؟؟ كل هذا الجمال وكل هاتيك البراءة التى تشع من عينيك الجميلتين وهذا الجسم الفتى ملك لرجل ؟؟!!
بدأ يستدعى كل الغرائز التى هدأت ليلة أمس ، عاونته فى ذلك سياط الحرمان التى ألهبت مشاعره وتلك الشباك الدقيقة كخيوط العنكبوت التى نسجتها الانوثة الطاغية المدربة على ما يبدو للسيدة الشابة .. ساقت قسرا كل حاسة من حواسه لتتلصص كلٌ بمعرفتها ففتشت عيناه بين ثنيات جلد الفخذ الموضوع فوق الفخذ تتلمس ثغرة ولو قيد شعرة لترى تفصيلات أدق . وأكثر ولما صعبت عليه الرؤية مسح عدسات النظارة فازداد بياض البشرة ولكن لم تتوضح التفاصيل ..ونقلت الخياشيم همسات العطر الفواح لتزغزغ كل شعرة فى جسمه لدرجة هفهفت لها نفسه وخف وزن الروح وطارت لتستقر فى عيونها ..
بلع ريقه وهو يسألها مترددا خشية رد الفعل البارد :
- سعادتك وحدك ام معك البيه ؟؟
- لا وحيدة .. دائما أسافر وحيدة !!
- لكن المسافة طويلة ومتعبة .. أنت أيضا موظفة فى الصعيد ؟؟
- لا
- إذن سياحة أو زيارة لقريب ؟؟ ولكن ليس من المعقول ان يتركك تسافرين وحدك ألا يخاف عليك ؟!
- ثقته فى نفسه بلا حدود !!
قالتها وتأوهّت .. طويلة وحارة كانت آهتها .. تصادف مرور الجرسون بجوارهما .. هفهف بكفه أمام وجهه وهو يقول :
- أحرقتنى نار تأوهاتك .. إسمحى لى أن أطلب كوبا من العصير البارد .. ماذا تشربين ؟؟
- قهوة لو سمحت .. وأنت الى أين ؟
- الواحات
- يا خبر .. إذن ستمر بأسيوط ..؟
- بالطبع
- هل تعرف الشيخ بركات ؟؟ يقولون انه فى أسيوط ؟
- لم أسمع عنه ..
- كيف وهو مشهور جدا ؟ يقولون أنه بركة .. ولى من أولياء الله الصالحين ..!
- الصالحين فى ماذا ؟؟
- سره باتع !!
- نعم ولكن فى ماذا ؟
- حل المشاكل مثلاً ..
- وهل للجميل مشكلة ؟؟ أقصد ألديك مشكلة ؟؟
- لا أحد يخلو من بعض المشاكل ..
- هل لى أن أتطفل وأعرفها ؟؟ قال وهو يتناول من الجرسون فنجان القهوة وكوب العصير ومدت يدها فتناولت منه الفنجان ورشفت رشفة وقالت :
- انت مسكين .. واضح انك بذاتك مشكلة .. منذ ان تحرك القطار ودموعك فوق خدك وابتسامة حزينة فوق شفاهك .. لم تشعر بى الا بعد أن أفقت من غفوتك ..
- غفوتى ؟؟ هل نمت ؟ قال باستغراب ودهشة ..
- نعم وعلا شخيرك أيضا
- ياللخجل ؟؟
- لا خجل ولا يحزنون النوم نعمة المحزونين فى هذا الزمان
- اذن فقد استيقظت الآن ومن أجلك أنت فأنا انسان طازج صابح مثل الخضار الصابح واللبن من ثدى أمه كما يقولون .. قولى اذن مشكلتك ..وبكل عبث الشباب وحمى التصابى تلهف على السماع
- زوجى يا سيدى ..
- ما به ؟
- ليس به شيئ !! قالت وهى تبتسم بخبث وتميل برأسها على كفها الأيمن ، ثم رفعتها وحاولت استقطاب دهشته .. أعنى أننا متزوجان من خمسة أعوام ولم نرزق حتى الآن بذرية .. والسبب هو .. كل الاطباء الذين فحصونى أكدوا سلامتى .. مائة بالمائة سليمة .. وأن على زوجى عرض نفسه على أخصائى خصوبة ..
- بسيطة وهل عرض نفسه على الأخصائى ؟
- كلا .. فهو غير مقتنع بالمرة أن يكون العيب فيه او ان يكون العيب منه !! فهو يوميا وعلى مدار الخمسة أعوام يحاول بمنطقه هو أن يثبت لى أنه فحل .. وكم من مرة قلت له فيها أنا لا أريدك فحلا أريدك رجلا .. ولم يفهم ومصمم ان أبحث أنا عن حل لمشكلة الانجاب .. رأسى كل ليلة تدور وأنا أسلمه جسدى يفعل به ما يراه دون أن أكون معه !! ثمرة الزواج الذرية .. بدونها يصبح الزواج روتين يومى ..
- أو النضال المشترك من أجل فكرة واحدة هو القادر على كسر وتيرة هذا الروتين وتعميق الحب ... قال فى أسى وهو يتذكر مشادة البارحة ..
- ولكن السائد ان تكون الذرية هى الثمرة .. ان أنفقت حتى الآن من أجل هذه الثمرة أكثر من عشرين ألفا من الجنيهات هى نصف ما ورثته عن أبوى .. فأنا يتيمة الأبوين ..! وبصراحة توّاقة أن أكون أماً !!
- منه بالذات ؟؟ سأل وهو يغمض عينا ويفتح أخرى ...
- يعنى ؟؟... واستدركت : ولو انه من سابع المستحيلات ، ولكن أيضا الطلاق مستحيل وغير مناسب لى ولزوجى .. منتهى الخيانة لمن تحب أن تحرجه عمليا وتكشفه أمام الناس !!
- إذن ما هو الحل ؟
- ما يريده الله سيكون ..
- لكن ما أراده الله كان وأنت غير راضية عنه وغير راضية به ..فما سيكون هو ما نريده نحن ..
- لكن فى النهاية لن يكون الا ما يريده الله ..
- آى نعم
- الحل لدى الشيخ بركات .. أكيد ... قالت شبه شاردة وثمة أمور تراءت لذهنها !! فنضحت على جسدها إيحاءات جعلت ريقه يجف وعضلاته ترتجف وعنّت له فكرة فنهض من مكانه واستدار وزنقها بجوار النافذة ومدد ساقاه على الكرسى المقابل ليمتص الرجفة .. وتعجب ..إذ شعر انه يمتطى حصاناً لا يستقل قطاراً فمنذ لحظة فقط كان القطار يجره من قفاه كمن يجرجره بعيدا عن مكان لا يحبه وتعارك فيه والآن يشعر أنه خطف ست الحسن وامتطى بها الجواد الأبيض وشق عباب الأرض نحو الهدف .. ومستجمعا كل شجاعة العمر وبمنتهى السفالة والسوقية نطقها كالمسطول :
- هل لى أن أحل محل الشيخ بركات ؟؟
أنزلت ساقها وضمت فخذيها وبدهاء وحنكة فى التعبير بعضلات الوجه استفهمت عن ماذا يقصد ؟ فقال وقد زالت عن قلبه رهبة الحديث مع إنسانة غريبة عنه
- أقصد ان فى الواحات لا أحد يعرفك ثم أننى جديد على المنطقة فلا يعرفنى أحد أيضا .. تهبينى نفسك أسبوعا وندخل الواحات كزوجين أعطيك ما تريدين من ذرية .. هدية .. وأقسم .. هدية .. مقابل ألف فقط بجملة الألوف التى أنفقتها وعندما تعودين الى زوجك أشربيه الحجاب ومن ببطنك إنسبيه اليه فأنا لا أريده .. عندى منهم ثلاثة ..!!
ويبدو ان الفكرة راقتها فهو فى نظرها غريب لا تعرفه ولا يعرفها ولم يسألها لا عن إسمها ولا أين تعيش ولا ماذا تعمل ؟ ولا هى سألته والبلد الذى لا يعرفك بها أحد ان مشيت بشوارعها عرياناً فلن يحاسبك انسان .. هذا مضمون المثل الشعبى .. فالجبن لا يكون الا مع القريب اللصيق بالانسان أما المعرفة الطيّارى فمن الممكن أن نظهر عوراتنا أمامها ..
وقالت بتردد
- لكنك طماع تريد المتعة والمال أيضاً ؟؟!!
- من الطماع ؟؟ من يريد سرقة الضنى نظير بذل الجسم مع أنه لن يستطيع سرقته الا بالتعرية ؟؟ أم من يجود بضناه لضعف مشاعره وعوزه ؟؟ ثم أننى سأعفيك من الحقن والجراحة والأدوية والدجل وقد يكون ما سأهبك توأماً ستكونين أنت الفائزة وقتئذ ..لكن سيكون لى فى ذمتك ألفا آخرين ... ضحك وضحكت هى الاخرى .. طويلة ومسرسعة خرجت ضحكتها .. رحرحت فى الجلسة وقالت على البركة .. فلتكن تجربة فقد رآنى أكثر من ثلاثين طبيباً فلتكن أنت الواحد والثلاثين ... قهقهت وتغامزت وفكّت منديل الرأس ..
بهذه السرعة .. مؤكد حلم .. فهى نفسها أكدت له منذ لحظات أنه كان غافياً وأن شخيره كان عالياً .. انه الحلم وإلا فما كل هذا الرضا ؟ حليلته تمنعت عليه فى ليلة الوداع .. وهذه الشيطانة تروقها فكرة المساطيل فور ان سمعتها وكأن لسان حالها يقول : كنت ها قولها !!وهو لا يستطيع ان يقاوم تلك الرغبة المتأججة التى تسرى سريان الكهرباء فى كل عضو من أعضاء جسمه .. هو يجلس الآن بجوار كتلة من النار .. أتون وهيج ... أين أنت أيتها الواحات ؟؟ ماللقطار يجرى ببطء ؟؟ لماذا لم نتقابل فى طيارة او صاروخ ؟؟ أما كنا وصلنا الى الهدف أسرع ؟؟ مازال أمامى ستة ساعات أخرى .. مؤكد ساعتى غير مضبوطة فهى دائما تؤخر خمس دقائق !! انها فرق ولا شك .. ففى الخمس دقائق . الفرق أكون قد تزوجت على نفسى ؟؟ ردد الكلمات وابتسم فقد أصبح يقول نكتا فى نفسه !! يا سلام .. مجرد تغيير المكان فى القطار وتغيير الوجوه أعطانى احساس بالتقدم .. جعلنى أفكر لما بعد ست ساعات من الآن .. اننى أطوى الدقائق والساعات بسرعة رهيبة ... سامحك الله يا زوجتى .. أنت السبب ..؟
- وعد لن تعدلى عنه أليس كذلك ؟؟ سأل شيطانته وهو يحاول استدعاء كل النهم الغرائزى من كل بوصة فى جسمه ..
- وعد يا رجل .. لست طفلة تلهو !! وهل كان الشيخ بركات سيفعل أكثر مما ستفعل أنت ؟؟
- من يدرى .. فكل شيخ وله طريقة ..!!
ضحك الاثنان معاً وغرقا فى الضحك .. واهتز القطار اهتزازة عنيفة قبل أن ينفصل عن القضبان ويحترق .. فى ثانية بكل من فيه إحترق
الا سائق القطار...
صباح الاحد 15/9/1991