محمد الهادي
25-09-2005, 08:54 PM
عـروس للأديـب الأدبـاتي
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
قال أبي ناصحـاً ، عندما رأى حيرتي البـادية علي صفحـة وجهي :
ـ " اظفـر بـذات الـدين يا بني " .
وقالـتْ أمِّي ـ التي أقعـدها المرض لسنوات طوال ـ بحـزنٍ أوجـع قلبـي :
ـ " نفسي ومُنى عيـني .. أشـوف أولادك يا بني قبـل أن أمـوت " .
قلـتُ بانزعـاج :
ـ " بعـد الشـر عنـك يا أمَّاه " .
ضحـك أخي ملطـفاً الجـو المحيط بنـا ، ومخاطباً أمِّي :
ـ " ابنـك الأديب الأدبـاتي تـزوج الكتـب " .
نظرتْ أمِّـي للسقف ، و دعـتْ لي :
ـ " ربنا يعـلِّي مراتبـه .. وينجح مقاصـده .. ويرزقه ببنت حلال تسعـده " .
هل صحيح أنني تزوجتُ الكتـب ؟ ، كيف يتزوج الإنسان كتـباً ؟ . هل يمكن أن تحـل الكتـب محل الزوجة ؟ .. كنت أسأل نفسي وأنا أنظـر للكتب المرصوصة هنا وهناك : بأرفف المكتبة والكراتين الورقية وعلي المكتب والكراسي وسرير النـوم .. كتـب وكتـب وكتـب .. ومجـلات أدبيـة ، وقصاصات صحـف ، وأوراق بيضـاء ، ومسـودات أعمال لم تكتمل وحـزمة أقـلام ، وأعمال منشورة ..
يمكنني أن أقضي بينها أياماً ، دون أن أعرف نهاراتها من لياليـها ، لا يشغلني حتى الجوع أو العطـش ، يكفيني الهـدوء وكسرة خـبز وجرعة ماء وكوب شاي أو فنجان قهوة .. هل يمكن أن استغـني عن الناس بالكـتب ؟ .. لا يمكن ، فعقـب كل انقطاع ، أجـد نفسي غـارقاً في ضجيج الحيـاة .. ، إذن كيف أستغـني بالكتـب عن الزوجـة ؟ ..
الحقيقة أنني كنت اطمئن هواجسي ، لأنني كنتُ خائفـاً من كـلام أخي ، رغم أنّه يـدخل في عـداد المداعبـة ..
لكن مـرور الشهور والسنوات ، التـردد واختلاق الأعـذار ، شـروط الاختيار التي تنتصب أمـامي ، إذا ما أردت التقـدُّم خطـوةً للأمـام .. كل هذا جعلني آخـذ كلام أخي مأخذ الجـد .
سألنـي صديقي الـذي لا يهـتم بالقـراءة :
ـ " هل قـرأت كل هـذه الكتـب ؟ " .
ـ " قـرأتُ معظمها " .
ـ " ولماذا تشتري كتـباً لا تقـرأها ؟ " .
ـ " سوف أقـرأها عندما يتوفـر لـديَّ وقـتٌ لقراءتها " .
ـ " أنت تضيـع نقـود راتبـك علي شراء الكتب .. كيف توفـر ومتى تتزوج ؟ " .
ـ " النقـود ليست كل شيء .. المهم أن أجـد العـروس التي تناسبـني " .
ـ " لا .. النقـود كل شيء في هـذا الزمـن .. أمَّا العـرائس علي قفـا من يشـيل " .
ـ " يـدي علي يـدك .. دلّنـي علي من تناسبـني " .
ـ " يبـدو أن الأدبـاء لا يميلون للزواج .. إنهم يحبُّـون المرأة عن بعـد .. يتغـزلون في محاسنها بقصـائد أشعـارهم .. ويحتفظون بهـا في عقولهم بالمسافة التي تبعـدها .. يريدونها صـورة من صور أوهامهم ، أكـثر من كونـها امرأة من لحـم ودم .. هاأنت وقـد تجاوزت الخامسة والثلاثين ما زلت تبحـث عن عروس من عرائس أوهـامك " .
وعندما أبديتُ لـه اعتراضي علي أفكاره نحـوي ، وحيـال الأدباء بصفة عامة ، راح يـردد لي أسماء المشاهير من الأدبـاء ، الذين لم يتزوجـوا طـوال حياتهـم ..
وقلت لـه أن ما يقوله ليس قاعـدة يمكن تعميمها علي الكـل ، لكـل حالة ظروفها وأسبـابها ..
أمسك بمقدمة ذقنـه بين أصابع يـده ، وهـز رأسه وقال :
ـ " الأيام بيننا أيَّها الأديب الأدباتي .. ولا تنس أن تدعوني عندما تفكـِّر في الزواج " .
قلبتُ كلامه في رأسي عـدَّة مرَّات ، وكانت المحصلة سؤالاً نبت في التـو واللحظة ، لم أفكِّـر فيـه من قبـل : هل الأديبات هـن السبب في عـزوف الأدبـاء عن الزواج ؟ ..
لم استطع الإجـابة على السؤال ، لكن الشيء الذي كان مؤكَّـداً لي ، أن معظم الأدباء كانوا يفكـرون في الأمر بـذات الطريقة التي أفكِّـر بها الآن ، لابـد أنهم كانوا يحلمون بامرأة مثقـفة وأديبـة وجميـلة وست بيت ممـتازة وأم رءوم اجتماعيـة واقتصادية وخفيـفة الظـل و..
أو علي الأكـثر ، امرأة تمتلك بعـض الأشياء من كـل هـذه الأشيـاء ..
أو علي الأقـل ، امرأة تصلح أن تكون زوجةً لأديب ، وليست زوجة لطبيب أو مهندس أو نجَّـار أو فـلاَّح ..
كل نسـاء الأدب اللائي صادفتهن في حياتي ، بالمنتديات ، أو الجمعيات ، أو نوادي الأدب ، أو غيرها .. كن إمَّا جميلات أو عاديات أو دميمات ، لا يقلن في الأدب إلاَّ كلاماً ساذجاً ، وكنت موقناً أنهن يجئن ليس من أجل الأدب ، لكن من أجل اصطيـاد العريس المناسب ، من تنجح منهن في تحقيـق غرضها ، كانت سريعاً ما تختفي في عـش الزوجية ، وتُشفى سريعـاً من أعراض المرض الأدبي نهائياً ، أمَّا الأخريات ممن يفشلن ، ولا يستطعن الإيقاع بأحـد في شباكهن ، كن مع مرور الأيام ينقطعن يأساً ، لكن المرض الأدبي يظل كامناً هناك في بـؤرة مجهولة من ذواتهن ، فكـن لا ينقطـعن نهائياً ، بل يترددن علي فترات متباعـدة بنـوعٍ من العنـاد والإصـرار ..
أمَّا المتميزات من الأديبات ، اللائي قطعن شوطاً معقـولاً علي الطـريق ، كن يقلـدن الرجال من الأدباء ، بنوعٍ آخـر من الغـيرة والمنافسـة ، يقصصن خصلات شعـرهن ويفرقنه علي جانب الرأس ، ويضعن ساقاً علي ساق ، ويدخن السجائر ، ويتحدثن بجـرأة يجزع منها القرويون أمثالي ..
أمَّا اللائي كـن بين هؤلاء وهؤلاء ، لم تكن لهن شخصية محـددة ، كـن كالأشياء التي بلا لون أو طعـم أو رائحـة ، سريعاً ما يسقطن من ذاكـرة الرجـال ، في كـل حالات الحضـور والغيـاب ..
عنـدما أفقـتُ من شرودي ، كان اللـيل قـد عـبر منتصفه ، وعيناي المفتوحتان علي سعتهما تقتحمان السقف ، جافـاني النـوم ، وصحوتُ في الصباح بـذهن مشوش وبـدن ثقـيل هـزمه الإرهـاق ..
عندما اشتـدتْ وطـأة المرض علي أمِّي ، ولم تعـد قـادرةً علي القيـام بخـدمتنا ، كانت ترمقنا بخجل يخجلـنا حتى من أنفسنا ، نحن العاجزون عن فعـل شيء ، نـدفع به الألـم عنها ، لم تكن حزينة للروماتيزم الذي يضرب مفاصلها وغضاريفها ويكبلهـا ويُقعـدها ، لكن لأنها لم تعُـد قادرةً علي أداء دورهـا نحونا ..
كانتْ تقـول لنا مهونةً من محـنة مرضها :
ـ " الحمـد لله .. بـلاء أهون من بـلاء .. والكساح أهـون من العمـى " .
أمسـك أخي كفـَّها المعروقة بكفِّـه ، وقبلـها ، وقـال :
ـ " لطالما أطعمتـنا هـذه الكـف طـعاما جميـلاً " .
دمعـتْ عيناها تأثراً ، وكنتُ أودُّ أن أقول لها كـلاماً في تلك اللحظة بالذات ، لكنني لم أستطع قوله ، أهـو الحياء يعتقـل لسـاني ويكبلـه ؟ ، لماذا استحي من أمِّي التي أنجبتـني وربتني وتحبني أكثر من نفسها ؟ ، كيف أكون جـاهلاً وأنا في هـذا العمـر ؟ ، لماذا أفـترض أنهـا تعرف مشاعري نحوهـا دون قـول ؟ ..
قالت لي بأسى : لو إنني أقـدر علي المشي كما في الماضي ، لأخذتك من يـدك ، واخترتُ لك أجمـل عـروس في الكـون ..
وابتسمتُ وأنا أدعـو لها بالصحَّة وطـول العمـر .
لكنني عـندما انفردت بنفسي بحجـرة النـوم ، لم أتمكن من إكمال الـرواية التي كنتُ أقرأها ، رحت أستعـيد ملامحها وكلامها والدموع التي سقطتْ من عينيها ، غلبني الحـزن وبكـيتُ من أجـلها .
في صباح اليـوم التالي ، رأتْ زميلة العمل ـ التي تصغرني بسنواتٍ قليلةٍ ـ عينيَّ العكـرتين بحمـرة السهد ، سألـتْ ، فقلـتُ :
ـ " أمـِّي يا آنسـة " .
قالـتْ باستنـكار :
ـ " لماذا لا تتـزوج يا أخي .. طالما أمّـك مريضـة .. وتريحها من همَّـك ؟ " .
أجبتهاُ بحيـاد :
ـ " أنت تعرفيـن .. لم أجـد من تناسبني بعـد " .
ردَّتْ بضـيق أكـثر ، رغم أني لم أسـألها :
ـ " وأنا لم أجـد من يناسبـني بعـد " .
لا أدري لماذا اغتصبتْ شفـتاي بسمـة ؟ ، ولماذا ادعيـتُ السـذاجة ؟ ، وأنا أسألها عـن الصورة التي ترسمها بخيـالها ، عمن تـريده عريساً لهـا ..
ردَّت بسرعة ، والغضب ما زال يضرب وجهـها بلـون قـاتم :
ـ " أريـده ضـابطاً " .
ورفعـتْ أصابع يـدها اليمنى علي كتفـها اليسرى ، وهـزتها وهي تضيـف :
ـ " ونجـوم تلعـلع علي كتـفه .. أفهمـت ؟ " .
هززتُ رأسي يمنةً ويسرةً بعـدم الفهـم .. فقـالت بغيـظ شـديد :
ـ " ولا تفـهم أيضاً ؟! .. وسأجعـله يقبـض علي أمثـالك من المغفلـين " .
وتركتـني ومضـتْ ..
في المساء ، تركتْ أختي الكبـيرة بيتـها وأولادها وزوجها ، وجاءتْ ترعى أمِّي .
صديقـي الأديـب الذي يكـبرني بسنـوات كثـيرة ، ويعرف أنني أبحث عن أديـبة شابة تكون عروساً لي ، قـال ناصحاً هو الآخر :
ـ " وأنت تختار زوجة .. لا تختر أديـبة .. لأنها ستكون زوجة لك وللآخرين " .
ولمَّا لاحـظ دهشـتي ، ضحك ، وقال :
ـ " لا تفهمني خطأ .. أقصـد أن الأديبـة ستبحث عن آخـرين .. يسمعونها ويشجعونها أو ينشـروا لها أو يكتـبوا عنهـا أو .. باختصار لن تكون أنت جمهورها الوحيـد .. ستبحث عن نـوادي الأدب والمنتديات والمؤتمرات وبرامج الإذاعة والتليفزيون .. ربما لا يعجبك هـذا وأنت ابن القـرية مثلي " .
هززتُ رأسي بعـدم اكتمـال الفهـم .. فأردف :
ـ " قـد تسأل عن فنجـان قهـوتك .. فتجـدها تكتب قصـيدة .. أو عـن طعـام غـدائك .. فتجـدها تقـرأ في كتبـك .. " .
قلـتُ :
ـ " لا أستطيع أن أعـيش مع زوجة تجهـل تماماً كل ما له صـلة بهوايتي الأدبـية " .
في الصباح ، وأنا أصبح علي أمِّي ، لاحظت أختي ترددي في الذهـاب للعمل ، قالت :
ـ " اذهـب لعمـلك .. أمُّـك بخـير " .
عنـد المحطَّة ، وأنا انتظـر الأوتوبيس ، رأيتُ أخي الذي يعـيش في مدينة بعيـدة قادماً بعربة ملاكي إلي القرية ، أشرتُ لـه بيـدي فتوقف وأنا أسـأل : لم يتصل به أحـد ، ولم يخبره أحـد بمرض أمِّي ، لمـاذا جاء الآن ؟ ، نزل وعانقـني بـود ، قـال :
ـ " صورتها لم تفـارقني باللـيل الفـائت .. صحوتُ من النـوم وجـئتُ إلي هنـا " . قـررتُ اصطحابه للبـيت ، فرفض بشـدَّة ، وقـال إنَّـه سينتظرني إلي أن أعـود من عمـلي ..
صـديقي الذي لا يهتـم بالقراءة ، ويـرى أن الأدبـاء لا يفضلون الزواج ، أخـذني عنـوةً لمدرسته التي يعمـل بهـا ، وحدثني عن بنت جميلة حـديثة التعيين ، العـيون حولها وعليها ، يرشحها لي قبـل أن يخطفها أحـدٌ غيري ..، بالفنـاء المدرسي أجلسني علي كرسي ، وأحضر زجاجة ميـاه غـازية مثلـجة ، وقـال :
ـ " اشـرب علي أقـل من مهـلك .. هي عنـدها حصَّة " .
وقبل أن أشرب آخر جرعة بالزجاجة ، أسـرع نحوي ، وأشار للمعلمة الصغيرة ، التي كانت خارجةً تـوَّاً من فصلها بيدهـا كشكول تحضيرها ، وحقيبتها السوداء تتدلَّى من كتفـها ، مرَّت أمامنا دون أن تنظر نحـونا ، ودخلتْ حجـرة المدرسـات ..
عرف ـ دون أن أخـبره ـ أنَّها لاقـتْ قبـولاً في نفسي .
في المساء ، كنتُ أسعـى معـه نحـو دارها نسـأل عن العنـوان ..
عندما توجهتُ أنا وأبي وأخوتي لخطبتها فيما بعـد ، كانت أمِّي قـد رحلتْ عن الدنيـا ، رحلتْ في ذلك اليوم الـذي جـاء فيه أخي الكبـير لزيارتها مصادفـةً ، ذلك أنني عندما عـدتُ من عملي ظهـراً ، واقـتربتُ من بيتـنا ، وجـدتُ جمعاً كبـيراً من الناس يفترشون الحصر بالشارع أمام الـدار ، انقبـض قلبي ، وعرفـتُ دون أن يخبرني أحـد ، وانهمرتْ دموعي بغـزارة ..
هـذا أول مـوت أواجهه في حياتي لأحـد أفـراد أسرتي ، موت أعـز الناس لقلبي ، هـل كنت أظـن مؤمـلاً أن أمِّي لن تمـوت في ذلك الوقت ؟ هل كان أبي وأخوتي الكبار يعرفـون بدنـو اللحظـة ، وأبعـدوني إشـفاقاً منهم ، حتى لا أواجه لحظة الموت والفراق للأبـد ؟ هـل كنت أظـن أنها ستعيش حتى تزوجـني ، وتحـمل أطفـالي ، وتربيـهم لي ؟ ..
قالـوا لي كي يجففوا دمعي ، إنها قبـل أن تموت ، طلبتْ من أختي أن تجهز لها ماءً كـي تستـحم ، وأن أختي فعلـتْ ذلك ، وساعدتها في ارتـداء ملابس جـديدة ، هل كانت تجهـز نفسهـا للسـفر ؟ .. قالـوا إنَّـها طلبت منهـم أن يـديروا مرقـدها صوب القبـلة ، وأنَّـها أخبـرتهم أنها سوف تتـركهم الآن ، وأنها ظلـَّتْ تـردد الشهـادتين حتى وهـَن صوتها منسحباً للبعيـد ، وصعـدتْ روحهـا لبـارئها ..
كم من المـرَّات بكيـتُ ؟ .. لا أدري ..
هـل ظلَّتُ صـورتها ماثلـةً أمامي ، في كل ركـن من أركان الـدار لأشهر طوال ، فتنساب الدمـوع تلقائيـاً من عينيَّ دون كـابح ؟ ..
امتـلأ بيتـنا بأغراب كثيرين جـداً ، لم أكـن أعرفهم جميعاً ، لكنهم كانوا أقـارب أمِّي ، كانت ملامحهم من نفس ملامحها ، والدم الذي يحـن بيني وبينهم من نفـس دمـائها ، كانوا طيبـين جـداً بمـثل طيبتـها ، لم أكـن أعرف أن لأمي كل هـؤلاء الناس ، الذين جاءوا علي عجـل من كل البـلاد للسعي في جنـازتها ؟ ..
كانوا هـم الذين حملوها حتى مثـواها الأخـير ، وهـم الذين واروها التراب ، وهـم الذين قرأوا القرآن علي قـبرها ، وهـم الذين أحيـوا ليـلة مأتمها عندما اصطـفوا حولنا ، يتقبلـون معـنا العـزاء ..
في صباح اليوم التالي ، انتحى الخـال ـ شقيقها الوحيـد البـاقي ـ بـنا ، وجَّـه كلامه لي ولأخـي الأصغـر :
ـ " يجـب أن تتـزوجا بسرعة .. أريـد لبيـت أختي رحمها الله أن يظـل مفتـوحاً " .
وأخـبرنا أن الأسرة ـ أسـرة أمِّي ـ بها الكثـير من الفتـيات الجميـلات ، فقـط ، علينـا أن نشـير بأصابعـنا ، وسيتكـفل هو بالبـاقي .. ، وختم كـلامه بالمثل العامي :
ـ " أهلـك .. لا تهـلك " .
قلـتُ :
ـ " عِشـت يا خـال " .
كلام خالي جعلني أتساءل : هـل النساء هن اللائي يفتحن البيوت بحق ؟ وبـدونهن تعتـبر البيوت مغلـقةً .. حتى ولو كان هـذا الغلق معنوياً ؟ ما دور الرجـال إذن في بيـوت غـابت عنها النسـاء ؟ ..
غـابتْ أمِّي بالرحيل .. فهـل صار بيتـنا الآن مغلقاً ؟ .. متى تعمـره امـرأة فيعـود مفتوحـاً أمام النـاس كما قـال خـالي ؟ .. وأي امـرأة ـ مهما كانت ـ يمكنها أن تحـل محـل أمِّي ؟ ..
عنـدما عـرف أصدقائي الأدبـاء ، وجـاءوا لمواساتي في اليوم التالي ، اكتشفتُ ـ وكأن أحزان المـوت قـد أزالتْ كثـيراً من الغشاوة عن عينيَّ ـ أن بعضهم ممن هـم أكـبر منِّي بسنوات كثـيرة لم يتزوجـوا بعـد ..
ـ " شِـد حيلك .. كلـنا لهـا " .
ـ " الشـدَّة علي الله "
لا بـد أنهم لاحظـوا أنني أطيـل النظر إليهم بنـظرات تقتحم دواخلهم ، وهم يرشفون القهـوة .. هـذا الذي تلفُّـه الإشاعات المشبوهة عن علاقاته بالساقطات .. وهذا الملتزم الذي يخـاف النساء ويبتعـد عنهن ، حتى انتقمن منه ووصفنه بالجنون ، فصار مع ذيـوع الوصف وانتشـاره ، يهـتز ويتصرف بالفعـل تصرفات غـير طبيعـية إذا ما اصطـدم بواحـدةٍ منهـن .. وهـذا ..
ـ " شكـر الله سعيـكم " .
ـ " غفـر الله ذنبـكم " .
عنـدما عـدتُ للعمل بعـد أسبـوع ، كانت لحيتي قـد طالتْ ، والحزن قـد تـرك بصمته علي كل ملامحي ، فقفـز بها للأمام سنوات ،عنـدما رأتـني زميـلة العمل ، تقـدمتْ صـوبي ، وقالـتْ وهي تبتسـمْ :
ـ " البقـاء لله "
سـألتُ نفسـي : لمـاذا تبتسـم إذا كانت تعـزيني ؟ .. هل يجـوز هـذا ؟ ..
أهـديتُ خطيبتي كتـابين ، هما كـل ما صـدر لي من كتـب : " رواية ومجموعة قصصية " ، وعلي الصفـحة الأولى من كل كتـاب ، كتبـتُ لها إهـداءً :
" لمن اختـارها قلـبي وعقـلي .. لمن أحببتـها من أول نظـرة .. لمن .. " .
كانت فتـرة الخطـوبة قصـيرة ، وأنا أجهـز الشقَّة الجـديدة ..
كنتْ أتردد علي خطيبتي عنـد أهلـها مرتين في الأسبوع ، سألتها عن الكتابـين ، قالتْ إنها فتحتهما وقـرأت كل الكـلام الجمـيل الذي كتبـته ، سعـدتُ بكلامها ، وأنا أسـأل نفسي : هـل حققتُ بخطبتي لهـا المعـادلة الصعـبة ؟ ، هل وجـدتُ الزوجة التي تقـرأ لي ، وتشجعـني وتعينـني ، ولا تكون عائقـاً لي ؟ ، قلـتُ لنفسي : يكفيني أن تكون قريبـةً من عالمي ، تكون قارئتي الأولى وتخـبرني برأيها ، تفهـم ظروف إبـداعي وتوفـرها لي ..
كانت تؤكِّـد لي أنهـا تفتـح الكتابـين ، وتقـرأ فيهـما كل ليـلة ، عنـدما تخلـو لنفسـها ..
في حفـل الزواج كان الكُـل سعـداء ، لأنني أخـيراً أدخـل القفـص الذهـبي برضـاي ، أو هكـذا اعتقـدتُ ، حضر الأهـل والأصدقاء ، وشـدَّ صديقي الأديب الذي يكـبرني بسنوات علي يـدي ، مهنئاً إيَّاي علي حُسـن اختـياري والعمل بنصيحته ، وهمس صديقي الذي لا يقـرأ في أذني ناصحاً : ألاَّ أصـدع رأس عروسي في شهر العسـل بحكـاية الكتب والكتـابة .. وأضـاف : بعـد ذلك اعمل ما يحلـو لك .. ، وجاءتْ زميـلة العمـل وقـد ارتـدتْ أجمـل ما لـديها من ثيـاب ، فبـدتْ كعروس المولـد ، واقتحمتْ الحفـل بعزيمـة عروس أخرى جاءتْ لمنافسة عروسي ، وبعـثرتْ الزغاريـد بكـل أرجاء القـاعة ، وهي تنظـر حواليها في كل الوجـوه ..، ضحكـتُ وكـدتُ أن أخـبرها ، بأن عائلـتي وأصدقـائي ليس بينـهم ـ للأسف ـ ضـابط واحـد ..
بعـد أسبـوع من حفـل الزفـاف ، كانت عروسي ترتب أشياءها الحميـمة في دولابهـا ، ولمحتُ من بينها الكتـابين اللذين كنـتُ قـد أهديتهما لها ففـرحتُ ، تناولتهـما منها ، كانا كما هما نسختين جـديدتين تماماً ، لم تعبـث بأوراقهما يـدُ قارئ ، اندهشتُ ، وسألتها :
ـ " الكتـابان جـديدان .. لقد أخبرتني أنك قرأتِهما عشرات المرَّات " .
نظرت لي بدهشة لا تقـل عن دهشـتي ، وقالت بتأكيـد :
ـ " بل مئات المـرَّات .. كنت أنـام وهما في حضني أو تحت وسادتي " .
سـألتها بدهشة مضافة :
ـ " كيف .. والرواية والمجموعة القصصية كما هما .. لم تقلب صفحاتهما يـدُ قارئ ؟ " .
انفجـرتْ ضاحكةً من غبـائي ، وقالـتْ :
ـ " لم أكـن أقـرأ كل الكتـاب .. كنت أقـرأ صفحة الإهـداء التي كتبتها لي يا حبيبي " .
وجـذبتْ الكتاب من يـدي متصنعةً الغضب ، وفتحـته علي الصفحة الأولى ، وراحتْ تـردد ما خطَّـه قلمـي إليهـا ، بصـوتٍ حـالمٍ :
" لمن اختـارها عقـلي وقلـبي .. لمن أحببتـها من أول نظـرة .. لمن ... " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
الأهرام المسائي4 / 9 / 2005 م .
بقلم
محمد عبد الله الهادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
قال أبي ناصحـاً ، عندما رأى حيرتي البـادية علي صفحـة وجهي :
ـ " اظفـر بـذات الـدين يا بني " .
وقالـتْ أمِّي ـ التي أقعـدها المرض لسنوات طوال ـ بحـزنٍ أوجـع قلبـي :
ـ " نفسي ومُنى عيـني .. أشـوف أولادك يا بني قبـل أن أمـوت " .
قلـتُ بانزعـاج :
ـ " بعـد الشـر عنـك يا أمَّاه " .
ضحـك أخي ملطـفاً الجـو المحيط بنـا ، ومخاطباً أمِّي :
ـ " ابنـك الأديب الأدبـاتي تـزوج الكتـب " .
نظرتْ أمِّـي للسقف ، و دعـتْ لي :
ـ " ربنا يعـلِّي مراتبـه .. وينجح مقاصـده .. ويرزقه ببنت حلال تسعـده " .
هل صحيح أنني تزوجتُ الكتـب ؟ ، كيف يتزوج الإنسان كتـباً ؟ . هل يمكن أن تحـل الكتـب محل الزوجة ؟ .. كنت أسأل نفسي وأنا أنظـر للكتب المرصوصة هنا وهناك : بأرفف المكتبة والكراتين الورقية وعلي المكتب والكراسي وسرير النـوم .. كتـب وكتـب وكتـب .. ومجـلات أدبيـة ، وقصاصات صحـف ، وأوراق بيضـاء ، ومسـودات أعمال لم تكتمل وحـزمة أقـلام ، وأعمال منشورة ..
يمكنني أن أقضي بينها أياماً ، دون أن أعرف نهاراتها من لياليـها ، لا يشغلني حتى الجوع أو العطـش ، يكفيني الهـدوء وكسرة خـبز وجرعة ماء وكوب شاي أو فنجان قهوة .. هل يمكن أن استغـني عن الناس بالكـتب ؟ .. لا يمكن ، فعقـب كل انقطاع ، أجـد نفسي غـارقاً في ضجيج الحيـاة .. ، إذن كيف أستغـني بالكتـب عن الزوجـة ؟ ..
الحقيقة أنني كنت اطمئن هواجسي ، لأنني كنتُ خائفـاً من كـلام أخي ، رغم أنّه يـدخل في عـداد المداعبـة ..
لكن مـرور الشهور والسنوات ، التـردد واختلاق الأعـذار ، شـروط الاختيار التي تنتصب أمـامي ، إذا ما أردت التقـدُّم خطـوةً للأمـام .. كل هذا جعلني آخـذ كلام أخي مأخذ الجـد .
سألنـي صديقي الـذي لا يهـتم بالقـراءة :
ـ " هل قـرأت كل هـذه الكتـب ؟ " .
ـ " قـرأتُ معظمها " .
ـ " ولماذا تشتري كتـباً لا تقـرأها ؟ " .
ـ " سوف أقـرأها عندما يتوفـر لـديَّ وقـتٌ لقراءتها " .
ـ " أنت تضيـع نقـود راتبـك علي شراء الكتب .. كيف توفـر ومتى تتزوج ؟ " .
ـ " النقـود ليست كل شيء .. المهم أن أجـد العـروس التي تناسبـني " .
ـ " لا .. النقـود كل شيء في هـذا الزمـن .. أمَّا العـرائس علي قفـا من يشـيل " .
ـ " يـدي علي يـدك .. دلّنـي علي من تناسبـني " .
ـ " يبـدو أن الأدبـاء لا يميلون للزواج .. إنهم يحبُّـون المرأة عن بعـد .. يتغـزلون في محاسنها بقصـائد أشعـارهم .. ويحتفظون بهـا في عقولهم بالمسافة التي تبعـدها .. يريدونها صـورة من صور أوهامهم ، أكـثر من كونـها امرأة من لحـم ودم .. هاأنت وقـد تجاوزت الخامسة والثلاثين ما زلت تبحـث عن عروس من عرائس أوهـامك " .
وعندما أبديتُ لـه اعتراضي علي أفكاره نحـوي ، وحيـال الأدباء بصفة عامة ، راح يـردد لي أسماء المشاهير من الأدبـاء ، الذين لم يتزوجـوا طـوال حياتهـم ..
وقلت لـه أن ما يقوله ليس قاعـدة يمكن تعميمها علي الكـل ، لكـل حالة ظروفها وأسبـابها ..
أمسك بمقدمة ذقنـه بين أصابع يـده ، وهـز رأسه وقال :
ـ " الأيام بيننا أيَّها الأديب الأدباتي .. ولا تنس أن تدعوني عندما تفكـِّر في الزواج " .
قلبتُ كلامه في رأسي عـدَّة مرَّات ، وكانت المحصلة سؤالاً نبت في التـو واللحظة ، لم أفكِّـر فيـه من قبـل : هل الأديبات هـن السبب في عـزوف الأدبـاء عن الزواج ؟ ..
لم استطع الإجـابة على السؤال ، لكن الشيء الذي كان مؤكَّـداً لي ، أن معظم الأدباء كانوا يفكـرون في الأمر بـذات الطريقة التي أفكِّـر بها الآن ، لابـد أنهم كانوا يحلمون بامرأة مثقـفة وأديبـة وجميـلة وست بيت ممـتازة وأم رءوم اجتماعيـة واقتصادية وخفيـفة الظـل و..
أو علي الأكـثر ، امرأة تمتلك بعـض الأشياء من كـل هـذه الأشيـاء ..
أو علي الأقـل ، امرأة تصلح أن تكون زوجةً لأديب ، وليست زوجة لطبيب أو مهندس أو نجَّـار أو فـلاَّح ..
كل نسـاء الأدب اللائي صادفتهن في حياتي ، بالمنتديات ، أو الجمعيات ، أو نوادي الأدب ، أو غيرها .. كن إمَّا جميلات أو عاديات أو دميمات ، لا يقلن في الأدب إلاَّ كلاماً ساذجاً ، وكنت موقناً أنهن يجئن ليس من أجل الأدب ، لكن من أجل اصطيـاد العريس المناسب ، من تنجح منهن في تحقيـق غرضها ، كانت سريعاً ما تختفي في عـش الزوجية ، وتُشفى سريعـاً من أعراض المرض الأدبي نهائياً ، أمَّا الأخريات ممن يفشلن ، ولا يستطعن الإيقاع بأحـد في شباكهن ، كن مع مرور الأيام ينقطعن يأساً ، لكن المرض الأدبي يظل كامناً هناك في بـؤرة مجهولة من ذواتهن ، فكـن لا ينقطـعن نهائياً ، بل يترددن علي فترات متباعـدة بنـوعٍ من العنـاد والإصـرار ..
أمَّا المتميزات من الأديبات ، اللائي قطعن شوطاً معقـولاً علي الطـريق ، كن يقلـدن الرجال من الأدباء ، بنوعٍ آخـر من الغـيرة والمنافسـة ، يقصصن خصلات شعـرهن ويفرقنه علي جانب الرأس ، ويضعن ساقاً علي ساق ، ويدخن السجائر ، ويتحدثن بجـرأة يجزع منها القرويون أمثالي ..
أمَّا اللائي كـن بين هؤلاء وهؤلاء ، لم تكن لهن شخصية محـددة ، كـن كالأشياء التي بلا لون أو طعـم أو رائحـة ، سريعاً ما يسقطن من ذاكـرة الرجـال ، في كـل حالات الحضـور والغيـاب ..
عنـدما أفقـتُ من شرودي ، كان اللـيل قـد عـبر منتصفه ، وعيناي المفتوحتان علي سعتهما تقتحمان السقف ، جافـاني النـوم ، وصحوتُ في الصباح بـذهن مشوش وبـدن ثقـيل هـزمه الإرهـاق ..
عندما اشتـدتْ وطـأة المرض علي أمِّي ، ولم تعـد قـادرةً علي القيـام بخـدمتنا ، كانت ترمقنا بخجل يخجلـنا حتى من أنفسنا ، نحن العاجزون عن فعـل شيء ، نـدفع به الألـم عنها ، لم تكن حزينة للروماتيزم الذي يضرب مفاصلها وغضاريفها ويكبلهـا ويُقعـدها ، لكن لأنها لم تعُـد قادرةً علي أداء دورهـا نحونا ..
كانتْ تقـول لنا مهونةً من محـنة مرضها :
ـ " الحمـد لله .. بـلاء أهون من بـلاء .. والكساح أهـون من العمـى " .
أمسـك أخي كفـَّها المعروقة بكفِّـه ، وقبلـها ، وقـال :
ـ " لطالما أطعمتـنا هـذه الكـف طـعاما جميـلاً " .
دمعـتْ عيناها تأثراً ، وكنتُ أودُّ أن أقول لها كـلاماً في تلك اللحظة بالذات ، لكنني لم أستطع قوله ، أهـو الحياء يعتقـل لسـاني ويكبلـه ؟ ، لماذا استحي من أمِّي التي أنجبتـني وربتني وتحبني أكثر من نفسها ؟ ، كيف أكون جـاهلاً وأنا في هـذا العمـر ؟ ، لماذا أفـترض أنهـا تعرف مشاعري نحوهـا دون قـول ؟ ..
قالت لي بأسى : لو إنني أقـدر علي المشي كما في الماضي ، لأخذتك من يـدك ، واخترتُ لك أجمـل عـروس في الكـون ..
وابتسمتُ وأنا أدعـو لها بالصحَّة وطـول العمـر .
لكنني عـندما انفردت بنفسي بحجـرة النـوم ، لم أتمكن من إكمال الـرواية التي كنتُ أقرأها ، رحت أستعـيد ملامحها وكلامها والدموع التي سقطتْ من عينيها ، غلبني الحـزن وبكـيتُ من أجـلها .
في صباح اليـوم التالي ، رأتْ زميلة العمل ـ التي تصغرني بسنواتٍ قليلةٍ ـ عينيَّ العكـرتين بحمـرة السهد ، سألـتْ ، فقلـتُ :
ـ " أمـِّي يا آنسـة " .
قالـتْ باستنـكار :
ـ " لماذا لا تتـزوج يا أخي .. طالما أمّـك مريضـة .. وتريحها من همَّـك ؟ " .
أجبتهاُ بحيـاد :
ـ " أنت تعرفيـن .. لم أجـد من تناسبني بعـد " .
ردَّتْ بضـيق أكـثر ، رغم أني لم أسـألها :
ـ " وأنا لم أجـد من يناسبـني بعـد " .
لا أدري لماذا اغتصبتْ شفـتاي بسمـة ؟ ، ولماذا ادعيـتُ السـذاجة ؟ ، وأنا أسألها عـن الصورة التي ترسمها بخيـالها ، عمن تـريده عريساً لهـا ..
ردَّت بسرعة ، والغضب ما زال يضرب وجهـها بلـون قـاتم :
ـ " أريـده ضـابطاً " .
ورفعـتْ أصابع يـدها اليمنى علي كتفـها اليسرى ، وهـزتها وهي تضيـف :
ـ " ونجـوم تلعـلع علي كتـفه .. أفهمـت ؟ " .
هززتُ رأسي يمنةً ويسرةً بعـدم الفهـم .. فقـالت بغيـظ شـديد :
ـ " ولا تفـهم أيضاً ؟! .. وسأجعـله يقبـض علي أمثـالك من المغفلـين " .
وتركتـني ومضـتْ ..
في المساء ، تركتْ أختي الكبـيرة بيتـها وأولادها وزوجها ، وجاءتْ ترعى أمِّي .
صديقـي الأديـب الذي يكـبرني بسنـوات كثـيرة ، ويعرف أنني أبحث عن أديـبة شابة تكون عروساً لي ، قـال ناصحاً هو الآخر :
ـ " وأنت تختار زوجة .. لا تختر أديـبة .. لأنها ستكون زوجة لك وللآخرين " .
ولمَّا لاحـظ دهشـتي ، ضحك ، وقال :
ـ " لا تفهمني خطأ .. أقصـد أن الأديبـة ستبحث عن آخـرين .. يسمعونها ويشجعونها أو ينشـروا لها أو يكتـبوا عنهـا أو .. باختصار لن تكون أنت جمهورها الوحيـد .. ستبحث عن نـوادي الأدب والمنتديات والمؤتمرات وبرامج الإذاعة والتليفزيون .. ربما لا يعجبك هـذا وأنت ابن القـرية مثلي " .
هززتُ رأسي بعـدم اكتمـال الفهـم .. فأردف :
ـ " قـد تسأل عن فنجـان قهـوتك .. فتجـدها تكتب قصـيدة .. أو عـن طعـام غـدائك .. فتجـدها تقـرأ في كتبـك .. " .
قلـتُ :
ـ " لا أستطيع أن أعـيش مع زوجة تجهـل تماماً كل ما له صـلة بهوايتي الأدبـية " .
في الصباح ، وأنا أصبح علي أمِّي ، لاحظت أختي ترددي في الذهـاب للعمل ، قالت :
ـ " اذهـب لعمـلك .. أمُّـك بخـير " .
عنـد المحطَّة ، وأنا انتظـر الأوتوبيس ، رأيتُ أخي الذي يعـيش في مدينة بعيـدة قادماً بعربة ملاكي إلي القرية ، أشرتُ لـه بيـدي فتوقف وأنا أسـأل : لم يتصل به أحـد ، ولم يخبره أحـد بمرض أمِّي ، لمـاذا جاء الآن ؟ ، نزل وعانقـني بـود ، قـال :
ـ " صورتها لم تفـارقني باللـيل الفـائت .. صحوتُ من النـوم وجـئتُ إلي هنـا " . قـررتُ اصطحابه للبـيت ، فرفض بشـدَّة ، وقـال إنَّـه سينتظرني إلي أن أعـود من عمـلي ..
صـديقي الذي لا يهتـم بالقراءة ، ويـرى أن الأدبـاء لا يفضلون الزواج ، أخـذني عنـوةً لمدرسته التي يعمـل بهـا ، وحدثني عن بنت جميلة حـديثة التعيين ، العـيون حولها وعليها ، يرشحها لي قبـل أن يخطفها أحـدٌ غيري ..، بالفنـاء المدرسي أجلسني علي كرسي ، وأحضر زجاجة ميـاه غـازية مثلـجة ، وقـال :
ـ " اشـرب علي أقـل من مهـلك .. هي عنـدها حصَّة " .
وقبل أن أشرب آخر جرعة بالزجاجة ، أسـرع نحوي ، وأشار للمعلمة الصغيرة ، التي كانت خارجةً تـوَّاً من فصلها بيدهـا كشكول تحضيرها ، وحقيبتها السوداء تتدلَّى من كتفـها ، مرَّت أمامنا دون أن تنظر نحـونا ، ودخلتْ حجـرة المدرسـات ..
عرف ـ دون أن أخـبره ـ أنَّها لاقـتْ قبـولاً في نفسي .
في المساء ، كنتُ أسعـى معـه نحـو دارها نسـأل عن العنـوان ..
عندما توجهتُ أنا وأبي وأخوتي لخطبتها فيما بعـد ، كانت أمِّي قـد رحلتْ عن الدنيـا ، رحلتْ في ذلك اليوم الـذي جـاء فيه أخي الكبـير لزيارتها مصادفـةً ، ذلك أنني عندما عـدتُ من عملي ظهـراً ، واقـتربتُ من بيتـنا ، وجـدتُ جمعاً كبـيراً من الناس يفترشون الحصر بالشارع أمام الـدار ، انقبـض قلبي ، وعرفـتُ دون أن يخبرني أحـد ، وانهمرتْ دموعي بغـزارة ..
هـذا أول مـوت أواجهه في حياتي لأحـد أفـراد أسرتي ، موت أعـز الناس لقلبي ، هـل كنت أظـن مؤمـلاً أن أمِّي لن تمـوت في ذلك الوقت ؟ هل كان أبي وأخوتي الكبار يعرفـون بدنـو اللحظـة ، وأبعـدوني إشـفاقاً منهم ، حتى لا أواجه لحظة الموت والفراق للأبـد ؟ هـل كنت أظـن أنها ستعيش حتى تزوجـني ، وتحـمل أطفـالي ، وتربيـهم لي ؟ ..
قالـوا لي كي يجففوا دمعي ، إنها قبـل أن تموت ، طلبتْ من أختي أن تجهز لها ماءً كـي تستـحم ، وأن أختي فعلـتْ ذلك ، وساعدتها في ارتـداء ملابس جـديدة ، هل كانت تجهـز نفسهـا للسـفر ؟ .. قالـوا إنَّـها طلبت منهـم أن يـديروا مرقـدها صوب القبـلة ، وأنَّـها أخبـرتهم أنها سوف تتـركهم الآن ، وأنها ظلـَّتْ تـردد الشهـادتين حتى وهـَن صوتها منسحباً للبعيـد ، وصعـدتْ روحهـا لبـارئها ..
كم من المـرَّات بكيـتُ ؟ .. لا أدري ..
هـل ظلَّتُ صـورتها ماثلـةً أمامي ، في كل ركـن من أركان الـدار لأشهر طوال ، فتنساب الدمـوع تلقائيـاً من عينيَّ دون كـابح ؟ ..
امتـلأ بيتـنا بأغراب كثيرين جـداً ، لم أكـن أعرفهم جميعاً ، لكنهم كانوا أقـارب أمِّي ، كانت ملامحهم من نفس ملامحها ، والدم الذي يحـن بيني وبينهم من نفـس دمـائها ، كانوا طيبـين جـداً بمـثل طيبتـها ، لم أكـن أعرف أن لأمي كل هـؤلاء الناس ، الذين جاءوا علي عجـل من كل البـلاد للسعي في جنـازتها ؟ ..
كانوا هـم الذين حملوها حتى مثـواها الأخـير ، وهـم الذين واروها التراب ، وهـم الذين قرأوا القرآن علي قـبرها ، وهـم الذين أحيـوا ليـلة مأتمها عندما اصطـفوا حولنا ، يتقبلـون معـنا العـزاء ..
في صباح اليوم التالي ، انتحى الخـال ـ شقيقها الوحيـد البـاقي ـ بـنا ، وجَّـه كلامه لي ولأخـي الأصغـر :
ـ " يجـب أن تتـزوجا بسرعة .. أريـد لبيـت أختي رحمها الله أن يظـل مفتـوحاً " .
وأخـبرنا أن الأسرة ـ أسـرة أمِّي ـ بها الكثـير من الفتـيات الجميـلات ، فقـط ، علينـا أن نشـير بأصابعـنا ، وسيتكـفل هو بالبـاقي .. ، وختم كـلامه بالمثل العامي :
ـ " أهلـك .. لا تهـلك " .
قلـتُ :
ـ " عِشـت يا خـال " .
كلام خالي جعلني أتساءل : هـل النساء هن اللائي يفتحن البيوت بحق ؟ وبـدونهن تعتـبر البيوت مغلـقةً .. حتى ولو كان هـذا الغلق معنوياً ؟ ما دور الرجـال إذن في بيـوت غـابت عنها النسـاء ؟ ..
غـابتْ أمِّي بالرحيل .. فهـل صار بيتـنا الآن مغلقاً ؟ .. متى تعمـره امـرأة فيعـود مفتوحـاً أمام النـاس كما قـال خـالي ؟ .. وأي امـرأة ـ مهما كانت ـ يمكنها أن تحـل محـل أمِّي ؟ ..
عنـدما عـرف أصدقائي الأدبـاء ، وجـاءوا لمواساتي في اليوم التالي ، اكتشفتُ ـ وكأن أحزان المـوت قـد أزالتْ كثـيراً من الغشاوة عن عينيَّ ـ أن بعضهم ممن هـم أكـبر منِّي بسنوات كثـيرة لم يتزوجـوا بعـد ..
ـ " شِـد حيلك .. كلـنا لهـا " .
ـ " الشـدَّة علي الله "
لا بـد أنهم لاحظـوا أنني أطيـل النظر إليهم بنـظرات تقتحم دواخلهم ، وهم يرشفون القهـوة .. هـذا الذي تلفُّـه الإشاعات المشبوهة عن علاقاته بالساقطات .. وهذا الملتزم الذي يخـاف النساء ويبتعـد عنهن ، حتى انتقمن منه ووصفنه بالجنون ، فصار مع ذيـوع الوصف وانتشـاره ، يهـتز ويتصرف بالفعـل تصرفات غـير طبيعـية إذا ما اصطـدم بواحـدةٍ منهـن .. وهـذا ..
ـ " شكـر الله سعيـكم " .
ـ " غفـر الله ذنبـكم " .
عنـدما عـدتُ للعمل بعـد أسبـوع ، كانت لحيتي قـد طالتْ ، والحزن قـد تـرك بصمته علي كل ملامحي ، فقفـز بها للأمام سنوات ،عنـدما رأتـني زميـلة العمل ، تقـدمتْ صـوبي ، وقالـتْ وهي تبتسـمْ :
ـ " البقـاء لله "
سـألتُ نفسـي : لمـاذا تبتسـم إذا كانت تعـزيني ؟ .. هل يجـوز هـذا ؟ ..
أهـديتُ خطيبتي كتـابين ، هما كـل ما صـدر لي من كتـب : " رواية ومجموعة قصصية " ، وعلي الصفـحة الأولى من كل كتـاب ، كتبـتُ لها إهـداءً :
" لمن اختـارها قلـبي وعقـلي .. لمن أحببتـها من أول نظـرة .. لمن .. " .
كانت فتـرة الخطـوبة قصـيرة ، وأنا أجهـز الشقَّة الجـديدة ..
كنتْ أتردد علي خطيبتي عنـد أهلـها مرتين في الأسبوع ، سألتها عن الكتابـين ، قالتْ إنها فتحتهما وقـرأت كل الكـلام الجمـيل الذي كتبـته ، سعـدتُ بكلامها ، وأنا أسـأل نفسي : هـل حققتُ بخطبتي لهـا المعـادلة الصعـبة ؟ ، هل وجـدتُ الزوجة التي تقـرأ لي ، وتشجعـني وتعينـني ، ولا تكون عائقـاً لي ؟ ، قلـتُ لنفسي : يكفيني أن تكون قريبـةً من عالمي ، تكون قارئتي الأولى وتخـبرني برأيها ، تفهـم ظروف إبـداعي وتوفـرها لي ..
كانت تؤكِّـد لي أنهـا تفتـح الكتابـين ، وتقـرأ فيهـما كل ليـلة ، عنـدما تخلـو لنفسـها ..
في حفـل الزواج كان الكُـل سعـداء ، لأنني أخـيراً أدخـل القفـص الذهـبي برضـاي ، أو هكـذا اعتقـدتُ ، حضر الأهـل والأصدقاء ، وشـدَّ صديقي الأديب الذي يكـبرني بسنوات علي يـدي ، مهنئاً إيَّاي علي حُسـن اختـياري والعمل بنصيحته ، وهمس صديقي الذي لا يقـرأ في أذني ناصحاً : ألاَّ أصـدع رأس عروسي في شهر العسـل بحكـاية الكتب والكتـابة .. وأضـاف : بعـد ذلك اعمل ما يحلـو لك .. ، وجاءتْ زميـلة العمـل وقـد ارتـدتْ أجمـل ما لـديها من ثيـاب ، فبـدتْ كعروس المولـد ، واقتحمتْ الحفـل بعزيمـة عروس أخرى جاءتْ لمنافسة عروسي ، وبعـثرتْ الزغاريـد بكـل أرجاء القـاعة ، وهي تنظـر حواليها في كل الوجـوه ..، ضحكـتُ وكـدتُ أن أخـبرها ، بأن عائلـتي وأصدقـائي ليس بينـهم ـ للأسف ـ ضـابط واحـد ..
بعـد أسبـوع من حفـل الزفـاف ، كانت عروسي ترتب أشياءها الحميـمة في دولابهـا ، ولمحتُ من بينها الكتـابين اللذين كنـتُ قـد أهديتهما لها ففـرحتُ ، تناولتهـما منها ، كانا كما هما نسختين جـديدتين تماماً ، لم تعبـث بأوراقهما يـدُ قارئ ، اندهشتُ ، وسألتها :
ـ " الكتـابان جـديدان .. لقد أخبرتني أنك قرأتِهما عشرات المرَّات " .
نظرت لي بدهشة لا تقـل عن دهشـتي ، وقالت بتأكيـد :
ـ " بل مئات المـرَّات .. كنت أنـام وهما في حضني أو تحت وسادتي " .
سـألتها بدهشة مضافة :
ـ " كيف .. والرواية والمجموعة القصصية كما هما .. لم تقلب صفحاتهما يـدُ قارئ ؟ " .
انفجـرتْ ضاحكةً من غبـائي ، وقالـتْ :
ـ " لم أكـن أقـرأ كل الكتـاب .. كنت أقـرأ صفحة الإهـداء التي كتبتها لي يا حبيبي " .
وجـذبتْ الكتاب من يـدي متصنعةً الغضب ، وفتحـته علي الصفحة الأولى ، وراحتْ تـردد ما خطَّـه قلمـي إليهـا ، بصـوتٍ حـالمٍ :
" لمن اختـارها عقـلي وقلـبي .. لمن أحببتـها من أول نظـرة .. لمن ... " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
الأهرام المسائي4 / 9 / 2005 م .