مشاهدة النسخة كاملة : رسول الله محمد كما ورد في الكتاب المقدس
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على من إتبع الهدى :
أما بعد :
في كتاب نشيد الأناشيد الذي ينسب لسليمان بن داوود عليهما السلام، نلاحظ في الجزء الخامس أنه يصف رجلاً يقول اليهود أنه سليمان u بينما يقول النصارى أنه المسيح u . و المتكلم مجهول لكنه يبدو لنا أنه أنثى. و يرجح اليهود أن المتكلم هو زوجة سليمان المسماة شولميث و أنها تصف سليمان u نفسه. على أن النصارى لديهم أدلة قوية على أن الخطاب هو للمسيح عيسى بن مريم u. فإن كان هذا صحيحاً فإننا أمام نبوءة برسول جديد لم يلد بعد. فطالما أن الجزء الخامس من كتاب نشيد الأناشيد يتحدث عن نبي يخرج في المستقبل فهو بلا شك يتحدث عن محمد عليه أتم الصلاة و التسليم.
الجزء الخامس من نشيد الأناشيد:
9(بَنَاتُ أُورُشَلِيمَ): بِمَ يَفُوقُ حَبِيبُكِ الْمُحِبِّينَ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ؟ بِمَ يَفُوقُ حَبِيبُكِ الْمُحِبِّينَ حَتَّى تَسْتَحْلِفِينَا هَكَذَا؟
10(الْمَحْبُوبَةُ): حَبِيبِي أَبيَضٌ وَ أَزْهَرُ (متورد)، عَلَمٌ بَيْنَ عَشَرَةِ آلاَفٍ. 11رَأْسُهُ ذَهَبٌ خَالِصٌ وَغَدَائِرُهُ مُتَمَوِّجَةٌ حَالِكَةُ السَّوَادِ كَلَوْنِ الْغُرَابِ. 12عَيْنَاهُ حَمَامَتَانِ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، مَغْسُولَتَانِ مُسْتَقِرَّتَانِ فِي مَوْضِعِهِمَا. 13خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ طِيبٍ (تَفُوحَانِ عِطْرَاً) كَالزُهُوْرِ الحُلْوَة، وَشَفَتَاهُ كَالسُّوْسَنِ تَقْطُرَانِ مُرّاً (صمغ ذكي الرائحة) شَذِيّاً. 14يَدَاهُ حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُدَوَّرَتَانِ وَمُرَصَّعَتَانِ بِالزَّبَرْجَدِ، وَجِسْمُهُ عَاجٌ مَصْقُولٌ مُغَشًّى بِالْيَاقُوتِ. 15سَاقَاهُ عَمُودَا رُخَامٍ قَائِمَتَانِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ، طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ، كَأَبْهَى أَشْجَارِ الأَرْزِ. 16فَمُهُ عَذْبٌ، نعم: إِنَّهُ مَحَمَد. هَذَا هُوَ حَبِيبِي وَهَذَا هُوَ صَدِيْقٍي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ!
إن أول ملاحظة هنا أن الشخص الذي نتكلم عنه له طلعة وجهه كلبنان، أي طلعة وجهه كالعرب و ليس كاليهود. رأسه كالذهب الخالص و غدائره متموجة حالكة السواد، و هذا ما ورد في وصف محمد رسول الله r في صحيح البخاري. و كون و جهه أبيض متورد أيضاً ورد في صحيح البخاري. و كون جسمه ذهبي عاجي أبيض يلمع كالشمس قد ورد أيضاً في صحيح البخاري.
حتى الآن كل هذه الأوصاف يمكن أن تنطبق على كثير من الناس ، فلماذا قلنا أن الحديث بلا شك هو عن محمد r؟ إن المقطع رقم 16 يحتوي على الكلمة العبرية مَحَمَد فهل هي مصادفة أن يكون إسم الشخص الذي نتبأ عنه كإسم النبي العربي؟ الكلمة العبرية (محمد) تتألف من الحروف العبرية الأربعة (ميم حيت ميم داليت) و هي نفس الأحرف العربية (ميم حاء ميم دال). و الفرق الوحيد بين مَحَمَد و مُحُمَّد هو التشكيل. هذا التشكيل الذي لم يخترعه اليهود إلا في القرن الثامن الميلادي أي بعد حوالي مئة سنة من بدء الإسلام. و كلمة مُحُمَّد في العربية و العبرية لها معنى واحد هو صيغة التفضيل من الرجل المحمود. أما كلمة مَحَمَد فإن لها حسب قاموس "بن يهودا" أربعة معاني و هي: (المحبوب، المُشتهَى، النفيس، المحمّد). و بالطبع فإن المترجمين للكتاب المقدس يميلون لاختيار أول ثلاث كلمات لإبعاد القارئ المسيحي عن الكلمة الحقيقية.
إن الفرق بين كلمة مَحَمَد و كلمة مُحُمَّد ( مرفق بالصورة )
لم يكن موجوداً في العبرية القديمة. و إضافة التشكيل للغة العبرية و بالتالي للإسرائيليات إنما تم في القرن الثامن الميلادي، فمن المحتمل أن يكون الحاخام الذي قام بتشكيل نشيد الأناشيد قد أخطأ في هذه الكلمة. و إذا أردنا أن نكون واقعيين أكثر فإن هذا اليهودي قد غير التشكيل من مُحُمَّد إلى مَحَمَد ليمعن في إبعاد النصارى عن الإسلام الذي كان قد انتشر قبل قرن من إضافة التشكيل للإسرائيليات.
إن أي رجل يؤمن بأن العهد القديم هو وحي من عند الله فعليه أن يؤمن بأن الجزء الخامس من نشيد الأناشيد كان يتحدث عن رسول الله محمد r و أن اليهود يعرفون ذلك حتى اليوم لكنهم يخفونه عن الناس. يقول الله القدوس عن هؤلاء في سورة البقرة:
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ {146} الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ {147}
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:14 AM
ميلاد البشير محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
عندما حان وقت الميلاد أرهصت الدُّنيا بعلامات الهادي الحبيب ، فالارض مُلِئَت ظُلماً وجوراً، والجاهلية قد استطال ظلامها فغَشيت العيون والقلوب، وغدت الارض مرتعاً للظلم والفساد، والاديان وكتب الله قد حُرِّفت وشُوِّهت معالمها، وكان لا بدّ أن يشرق اللّطف الالهي في ربوع الارض، وتتجدّد رسالة الله سبحانه للانسان ، فيخاطبه بالكلمة الحق ، ويبلّغه بدعوة الهدى ، وشاء الله أن يولد النُّور في رحاب مكّة ، ويشع الوحي في سمائها المقدّس ، ويتعـالى صوت التوحيـد في الحرم الآمن ، حرم إبراهيم وإسماعيل (ع) .
وكما حدّثنا القرآن وصوّر لنا ببيانه العذب ، واُسلوبه الانيق ، وعرضه المعبِّر الدقيق ، تلك الصّور والاوضاع المأساوية الّتي عايشها الانسان المعذّب في مرحلة ما قبل محمّد(ص).
فجاهلية العرب ووثنيّتها واُمِّيّتها ووحشيتها تعبث بأطلال الجزيرة ، وتدنِّس ربوع مكّة والبيت الحرام، ومجوسيّة الفرس وسلطانها تعبث في مشرق الدُّنيا فساداً ، والنار تُعْبَد من دون الله، وأحبار اليهود ورهبان النصرانية قد حرّفوا التوراة والانجيل، ودولة الرّوم تسوم الناس في مغرب الدُّنيا سوء العذاب، والعالم يضجّ ، وكَيْلُ الارض يطفح بالجرائم ، وحياة الغاب المتوحشة تسيطر على سلوك الانسان .
في هذا الوسط الاجتماعي المتداعي وفي ظلمات ذلك العصر الجاهلي المتخلّف بزغت أنوار الاسلام ، وشعّ ضياء محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (ص) ، المنحدر من ذريّة النبيّ إسماعيل بن إبراهيم (ع) ودعوة إبراهيم المستجابة الّتي رواها القرآن على لسان إبراهيم (ع) :
(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) . (البقرة / 129)
ويحكي رسول الله هذه الدعوة ويوضِّح ذلك السرَّ ، فيقول (ص) :
« أنا دعوة أبي إبراهيم »6.
فقد دعا النبيّ إبراهيم (ع) ربّه حين أنزل ولده إسماعيل في مكّة ، وهي أرض لا زرع فيها ولا ماء ، تحيطها البوادي القفر وتطوقها الجبال الجرداء ، دعا الله أن يرزقهم من الثمرات ،
ويجعل الارض المباركة عامرة بالناس والقاطنين ، وأن يبعث فيهم رسولاً منهم ، فاستجاب الله دعاءه ، وكان محمّد (ص) من ذريّته المباركة يحمل راية التوحيد ، ويبشّر بدعوة الهدى والاصلاح .
وقد شاء الله أن يقترن عبد الله (7) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، بعد حفر زمزم بعشر سنين أو تزيد ، وبعد افتداء أبيه له من الذبح بسنة .
وفي عام المحنة عام الفيل الّذي دهم فيه مكّةَ خطرُ الغزو والعدوان الحبشي لهدم الكعبة واطفاء نور النبوّات واستئصال ميراث إبراهيم العظيم (ع)، في هذا العام (571) للميلاد ولد محمّد بن عبد الله (ص) ، في شهر ربيع الاوّل (8)، قبل هجوم جيش الفيل بخمسين ليلة (9).
وَلَدَته(10) اُمّه آمنة بنت وهب في مكّة المكرّمة في منزل أبيه عبد الله بن عبد المطلب في شعب أبي طالب في البيت الّذي آلَ إلى محمّد بن يوسف الثقفي ، أخي الحجّاج بن يوسف الثقفي(11). وكانت ولادته قبل وفاة أبيه بشهرين(12).
وُلِدَ رسول الله (ص) ، فولدت معه الآمال الكبار وولدت بميلاده حياة الانسان ، وفتحت صفحات وفصول جديدة في تاريخ البشرية . لقد كان يوم مولده هو يوم ميلاد الثورة على
الظلم والفساد والطغيان ، وهو يوم ميلاد الانقلاب والتغيّر الشامل في حياة البشرية . ولد محمّد (ص) فاستقبله جدّه عبد المطلب بن هاشم بالغبطة والسّرور، فقد كان أبوه عبد الله ذاهباً إلى الشام في سفر للتجارة والمقايضة (أو متوفّىً كما في بعض الروايات) .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:15 AM
التنشئة والتربية
وُلِدَ محمّد (ص) وعاش طفولته الطاهرة برعاية جدّه عبد المطلب . وكانت عادة قريش ، إذا وُلَدَ لهم مولود بحثوا له عن مرضعة ، فكان أوّل لبن تناوله من المرضعات بعد رضاع اُمّه هو لبن ثويبة مولاة (جارية مملوكة) عمّه أبي لهب ، ثمّ راح جدّه يبحث عن المرضعات ، ويجدّ في إرساله إلى البادية ليتربّى في أحضانها لينشأ فصيح اللِّسان ، قويّ المِراس .
وكانت المرضعات كلّما سمعنَ أنّه يتيم أعرضنَ عن رضاعه ، ولم يقبلْنَ به ، فقد كنّ يرغبن في المـال الوافر والعطاء . وشاء الله أن تكون المربية الّتي تحظى بشرف احتضانه ورعايته هي (حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي) زوجة الحارث بن عبد العُزّى بن رفاعة السعدي . تسلّمه الحارث من جدّه عبد المطلب وسلّمه إلى حليمة السعدية لينشأ في حضنها ، ويدرج بين أبنائها : عبد الله بن الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة بنت الحارث الّتي عرفت باسم (الشيماء) ، هذه الشيماء الّتي كانت تحنو على رسول الله (ص) في طفولته وتحتضنه وتعتني به اعتناء المربية والحاضنة الرّؤوم . وحين بلغ الرابعة (وقيل الخامسة أو السادسة) من عمره ، عادت به حليمة إلى اُمّه وجدّه ، صبياً لا كالصبيان ، وناشئاً لا كالناشئة؛ فقد نشأ وعاش طفولته في كنف تلك المربية الحنون ، ثمّ في رعاية اُمّه وجدّه . عاش لا كما يعيش الصغار من أصحابه وأترابه، عاش ورعاية الله
تحوطه، ولطف المربِّي يغمر جوانب حياته وهو يُعدُّ ويُربّى إعداداً وتربية إلهيّة خاصّة ، لذلك كان يقول (ص) :
« أدَّبني ربِّي فأحسنَ تَأْديبي »13.
لقد وُلِدَ ونشأ وشبّ مطهّراً مبرّأً من الذنوب والمعاصي وعادات الجاهلية وعقائدها وسلوكها ، وعُرِفَ عنه النفور من الاوثان ، والتأمّل في ملكوت السماوات والارض ، ثمّ الخَلْوَة والانفراد والتعبّد في مرحلة الشباب .
وهذا الصبيّ اليتيم ، والأمل وباب الغيب المفتوح على عالم الشهادة، كانت حياته مليئة بالمعاناة والفقد والفراق ، فحين أبصر نور مكّة لم يبصر أباه عبد الله ، وحين غدا صبيّاً يمرح
في ظلال اُمّه الحنون شاء الله سبحانه أن يعوّضه عن حنان الاُمومة ، حنانه ورعايته الفريدة ، عندما توفّيت آمنة وهو لم يتجاوز السادسة من عمره الشريف .
فَقَدَ اُمّه ، عندما كان يصحبها في سفر إلى المدينة المنوّرة لزيارة أخواله بني عدي بن النجار ليتعرّف عليهم ، فقد مرضت وتوفيت في طريق العودة إلى مكّة في قرية تُدعى (الابواء) (14) بين مكّة والمدينة ، فاحتضنته (اُمّ أيمن ، بركة الحبشية) الخادمة الّتي صحبتهم في رحلة الوداع هذه ، وداع اُمّه الحبيبة آمنة ، وسلّمته إلى جدّه عبد المطلب ، ليفيض عليه العناية والرعاية والكفالة الحسنة ، ولم يفارقه حتّى حال الموت بينهما ، والنبيّ لم يتجاوز الثامنة من عمره ، فكفله عمّه أبو طالب الّذي رافقه في صباه وشبابه ، وفي دعوته ومحنته وصراعه من أجل الحق ونشر دعوة الاسلام ، وتثبيت معالم الشريعة .
نما وترعرع محمّد (ص) في بيت عمّه أبي طالب ، حتّى كبر وبلغ الخامسة والعشرين من عمره المبارك فتزوج خديجة .
وكانت فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب (اُمّ الامام عليّ (ع) ) تفيض عليه من حبّها وحنانها ما عوّضه فقد اُمّه آمنة .
وقد عبّر عن ذلك يوم وفاتها بقوله (ص) :
« اليوم ماتت اُمِّي ، إنّها كانت اُمّي؛ إنْ كانت لَتُجيعُ صبيانَها وتُشْبِعُني ، وتُشعِثُهُم وتُدهِنني ، وكانت اُمِّي » (15).
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:16 AM
الزّواج الخالد
وُلِدَ محمّد (ص) في بيت من أرفع بيوت العرب شأناً ، وأعلاها مجداً ، وأكثرها عزّة ومنعة ، فكبر (ص) وترعرع وشبّ ، وشبّت معه آمال الحياة كلّها .
وها هو محمّد (ص) بن عبد الله في ريعان الشباب ، وقمة الفتوّة وعنفوان الرجولة؛ إنّه شاب من أكثر شباب قريش فتوّةً وجمالاً ، وأعلاها شرفاً ونسباً ، وهو بعد ذلك ، يمتاز عن سائر شباب قريش بشرف نفسه ، وكمال خلقه ، ونضج شخصيته ، فقد شاء الله أن يربّي محمّداً (ص) ويعدّه ، ويؤهّله لحمل الرسالة ، والاضطلاع بتبليغ الامانة . لقد اُحيط (ص) برعاية إلهيّة خاصّة ، أهّلته وفق قدر ربّاني لما ينتـظره من عظم المسؤولية ، وما يمكِّنه من حمل الرسالة ، ونشر الدعوة :
نسبه ، أرض مولده ، طفولته ، تربيته ، زواجه ، وكلّ شيء في حياته .
وها هو (ص) يبلغ من الشباب وعلى وجه التحديد سن الخامسة والعشرين من عمره الشريف ، فكان ولا بدّ له من الاقتران بامرأة تناسب إنسانيته ، وتتجاوب مع عظيم أهدافه ، وترتفع إلى مستوى حياته ، بما ينتظرها من جهاد ، وبذل وصبر ، ولم يكن في دنيا محمّد (ص) من امرأة تصلح لهذه المهمّة غير خديجة (رض) ، وشاء الله ذلك، فيتّجه قلب خديجة نحو محمّد (ص) ، ويتعلّق بشخصه الكريم ، وتطلب هي النّزول في ساحة عظمته ، وتعرض نفسها عليه ، فيقبل (ص) ذلك الطّلب، ويقترن بخديجة (رض) .
تزوّج رسـول الله (ص) خديجة (16)، وهو لمّا يزل في الخامسة والعشرين من عمره الشريف .
وبعد أن تمّ الزّواج المبارك انتقل رسول الله (ص) إلى دار خديجة؛ تلك الدار الّتي ما زالت مَعْلَماً شاخصاً ولساناً ناطقاً يحكي أحداث الدعوة والجهاد وصبر رسول الله (ص) ومعاناته .
تحدّث ابن جرير الطبري عن هذا المَعْلَم والبيت المبارك فقال :
« وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الّذي يعرف بها اليوم ، فيقال منزل خديجة ، فاشتراه معاوية فيما ذكر ، فجعله مسجداً يصلِّي فيه الناس ، وبناه على الّذي هو عليه اليوم ، لم يُغيّر ، وأمّا الحجر الّذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت ، فإنّ رسول الله (ص) كان يجلس تحته ، ويستتر به من الرّمي إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة ، والحجر ذراع وشبر في ذراع »(17) .
وهكذا تكوّنت الاُسرة، واجتمعت الاركان فشُيِّد بيت النبوّة من الزّوجة (الطّاهرة) اُمّ المؤمنين الكبرى ، خديجة بنت خويلد ، والزّوج الرّسول محمّد (ص) ذي الخلق العظيم ، الّذي سمّته قريش أيّام جاهليتها بـ (الصّادق الامين) .
كانت هذه الاُسرة المثالية واحة الفضيلة في صحراء الجاهلية ، وبحبوحة السعادة في دنيا الشقاء آنذاك؛ يغمرها الحبّ ، ويشدّ أواصرها الاخلاص .
أحبّ رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) خديجة (رض) وأحبّته ، وأخلص لها وأخلصت له ، فلم يكن يرى في الدُّنيا مِنَ النِّساء مَنْ تُعادِلْ خديجة ، فهي أوّل مَنْ آمنت برسالته ، وصدّقت دعوته ، وبذلت مالها وثروتها الطائلة في سبيل الله تعالى ، ومن أجل نشر الدعوة الاسلامية؛ فتحمّلت مع رسول الله (ص) عذاب قريش ومقاطعتها وحصارها. وكان هذا الاخلاص الفريد، والايمان الصادق، والحبّ المخلص من خديجة، حريّاً بأن يقابله رسول الله (ص) بما يستحق من الحبّ والاخلاص والتكريم ، وبلغ من حبّه لها ، وعظيم مكانتها في نفسه الطاهرة ، أنّ هذا الحبّ والوفاء لم يفارق رسول الله (ص) حتّى بعد موتها ، ولم تستطع أي من زوجاته أن تحتلّ مكانتها في نفسه؛ فقد رُوي عنه (ص) أنّه كان إذا ذبح الشاة يقول :
« (أرسلوا إلى أصدقاء خديجة ) فتسأله عائشة في ذلك فيقول: (إنِّي لاحبّ حبيبها)»(18).
ويُروى أنّ امرأة جاءته (ص) وهو في حجرة عائشة ، فاستقبلها واحتفى بها ، وأسرع في قضاء حاجتها ، فتعجّبت عائشة من ذلك ، فقال لها رسول الله (ص) :
« إنّها كانت تأتينا في حياة خديجة » .
وجرت مرّة محاورة بين رسول الله (ص) ، وزوجته عائشة ، حين شعرت بالغيرة تملأ قلبها من كثرة ذكره لخديجة ، وتعلّق حبّه بها ، فقالت له :
« ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين ، قد أبْ7دَلَكَ الله خيراً منها ، فآلم النبيّ (ص) هذا القول : وردّ عليها قائلاً : [(ما أبدلني الله خيراً منها ، كانت اُمّ العيال ، وربّة البيت ، آمنت بي حين كذّبني الناس ، وواستني بمالها حين حرمني الناس ، ورُزِقتُ منها الولد وحُرِمتُ من غيرها)] » (19).
وخديجة بنت خويلد حَريّة بهذا القدر والمقام عند رسول الله (ص) ، بعد أن حازت المقام الرفيع والدرجة السامية عند ربّها ، فهي المرأة الّتي حباها ربّ العالمين ، وبشّرها بالخلد والنعيم ، فقد رُويَ :
« أنّ جبريل أتى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله ! هذه خديجة ، قد أتت معها إناء فيه أدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربِّها ، ومنِّي ، وبشِّرها ببيت في الجنّة من قصب (20)لا صخب فيه ولا نصب » (21).
ولذا قال فيها رسول الله (ص) :
« أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون » (22).
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:17 AM
النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومشكلة الحجر الاسود
ويحدِّثنا التاريخ عن موقف عبقري ملهم للنبيّ (ص) قبل أن يبعث للناس نبيّاً ، كان قد وقف كحكم بين قبائل قريش ، فنال إعجابها واحترامها . فمن المعروف تاريخيّاً أنّ العرب كانت تعظِّم الكعبة ، وتعتني بها في الجاهلية ، وتحجّ إليها ، وقبل البعثة النبويّة بخمسة أعوام انحدر سيل جارف باتّجاه الكعبة (23) فهدمها وخرّب بناءها فاجتمعت قريش وقررت بناء الكعبة وتوسعتها ، وطلبت من نجار قبطي في مكّة أن يصنع سقفاً من الخشب حصلت عليه قريش من حطام سفينة على شاطئ البحر .
باشرت القبائل البناء بعد أن تقاسمت جوانب الكعبة فيما بينها وراحت تواصله حتّى بلغ موضع الحجر الاسود فاختلفوا فيما بينهم على رفعه ووضعه في موضعه ، فكل قبيلة تريد أن تختص بشرف رفع الحجر الاسود ووضعه في موضعه من الكعبة الشريفة ، واستمر النزاع بينهم أربعة أو خمسة أيّام حتّى تواعدوا بالقتال ، وكادوا يقتتلون ، ثمّ اجتمعوا في المسـجد فتشاوروا واتّفقوا على أن يكون أوّل داخل على الاجتماع هو الحكم بينهم .
وتعاهدوا على الالتزام بحكمه ، فكان أوّل داخل عليهم هو النبيّ محمّد (ص) فقالوا :« هذا الامين قد رضينا به ، هذا محمّد » (24).
قام النبيّ بالتحكيم بينهم ، فكان قضاؤه أن يوضع الحجر الاسود في رداء ، فتأخذ كل قبيلة من القبائل المشترِكة في البناء بطرف من الرداء ، ثمّ يُحمَل الحجر الاسود بهذه الطريقة ، ويُقرَّب إلى موضعه من الكعبة ، فرضوا بحكمه ، واستجابوا له . وحين أوصلوا الحجر الاسود محمولاً بهذه الكيفية ، رفع الرّسول (ص) الحجر الاسود بيده الشريفة ووضعه في موضعه ، ثمّ بنى عليه .
وهكذا حسم النزاع برجاحة عقله ، وسمو مقامه .
وقد كان لهذا الموقف أثر كبير في نفوس تلك القبائل ، وتعميق مكانة الرسول ودوره القيادي، وتركيز للثقة بشخصيته وحكمته وأمانته .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:17 AM
محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بشارة الانبياء
من الواضح أنّ رسالة الانبياء الكبرى ودعوتهم الجامعة هي (الدِّين) . فهم جميعاً بُعِثوا ليبشّروا به ديناً واحداً هو دين الاسلام ، دين الخضوع والاستسلام لامر الله ، دين الهداية والانقاذ للبشرية مع تفاوت في درجات التبليغ ، واختلاف في منهج التعبّد والبناء الاجتماعي . ومع هذا التفاوت في الرسالات والدعوات الالهيّة ، فإنّ معالمها الرئيسة جميعاً تتركّز في الرسالة الشاملة لهذا الدين ، رسالة محمّد (ص) .
فهي جميعاً قبس من أنوار هذا الدين ، وتشكيلة عقائدية وتشريعية من مادّة هذا المنهاج الكبير ، وهي جميعاً تُسلَك كخطوات تمهيدية ، ومبادئ تحضيرية لاعداد البشرية من أجل حمل رسالة هذا الدين ، والايمان بدعوته .
لذا كان طبيعياً أن يوجّه الانبياء ـ أصحاب الرسالات الكبرى ، كموسى وعيسى (ع) ـ أتباعهم إلى انتظار هذا الدين العظيم ، لاعتناق دعوته ، والتصديق برسالته ، والايمان بنبيِّه محمّد (ص) . فقد أشارت الكتب الالهيّة المقدّسة ـ التوراة والانجيل ـ إلى مجيء هذا النبيّ العظيم ، موجِّهة أتباعها إلى انتظار الدِّين ، والانضـواء تحت دعوته ، والتصديق برسالته .
ولقد كان اليهـود ينتظرون بعثة نبيّ ، يبعثه الله مُنقذاً وهادياً للبشرية ، ويعرفونه في كتبهم وتباشير مستقبلهم .
وكانوا يصرّحون بذلك وينتظرون بعثته لينتـصروا به على العرب من الاوس والخزرج .
وقد سجّل القرآن هذه الحقيقة وذكّر اليهود بها فخاطبهم بقوله :
(وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوْا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الكَافِرِينَ ). (البقرة / 89)
ولقد حدثت أحداث ووقائع تاريخية مشهورة في التاريخ اليهودي من قبلِ مجيء محمّد (ص) ، دلّت على المعنى ذاته الّذي أشارت إليه الآية الكريمة من بعد البعثة :
(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوْا فَلَمَّا جَاءهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) .
فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قوله :
« كانت اليهود يستفتحون أي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله (ص) قبل مبعثه ، فلمّا بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل ، كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور : يا معشر اليهود ! اتقّوا الله وأسلموا فقد كنتم تسـتفتحون علينا بمحمّد ، ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث ، فقال سلام بن مشكم ، أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية » .
وروى العياشي بإسناد رفعه إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، قال :
« كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمّد رسول الله (ص) ما بين عير واُحُد ، فخرجوا يطلبون الموضع فمرّوا بجبل يقال له حداد ، فقالوا : حداد واُحُد سواء ، فتفرّقوا عنده فنزل بعضهم بتيماء ، وبعضهم بفدك ، وبعضهم بخيبر ، فاشتاق الّذين بتيماء إلى بعض إخوانهم ، فمرّ بهم اعرابي من قيس فتكاروا منه ، وقال لهم : أمرّ بكم ما بين عير واُحد ، فقالوا له : إذا مررت بهما فآذنّا بهما ، فلمّا توسّط بهم أرض المدينة ، قال : ذلك عير ، وهذا اُحُد ، فنزلوا عن ظهر إبله ، وقالوا له : قد أصبنا بغيتنا ، فلا حاجة بنا إلى إبلك ، فاذهب حيث شئت ، وكتبوا إلى إخوانهم الّذين بفدك وخيبر : إنّا قد أصبنا الموضع ، فهلمّوا إلينا ، فكتبوا إليهم : إنّا قد استقرّت بنا الدار واتّخذنا بها الاموال ، وما أقربنا منكم ، فإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم ، واتّخذوا بأرض المدينة أموالاً ، فلمّا كثرت أموالهم بلغ ذلك تُبَّع ، فغزاهم ، فتحصّنوا منه فحاصرهم ، ثمّ أمّنهم فنزلوا عليه ، فقال لهم : إنّي قد استطبت بلادكم ، ولا أراني إلاّ مقيماً فيكم،
فقالوا له : ليس ذلك لك ، إنّها مهاجِر نبيّ ، وليس ذلك لاحد حتّى يكون ذلك . فقال لهم : فانِّي مخلف فيكم مِنْ اُسرتي مَنْ إذا كان ذلك ساعده ونصره ، فخلّفَ حيين تراهم الاوس والخزرج ، فلمّا كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم : أمّا لو بعث
محمّد لنُخْرِجَنّكم من ديارنا وأموالنا ، فلمّا بعث الله محمّداً (ص) آمنت به الانصار ، وكفرت به اليهود ، وهو قوله تعالى :
(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) إلى آخر الآية » (25).
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:18 AM
بشارة الانجيل بمجيء رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
على الرغم من التحريف الّذي تحمله الاناجيل المتداولة، فإنّ ما وصل منها بأيدينا لا زال يحمل البشارة برسول الله محمّد (ص) ، ومع ذلك فإنّ المترجمين للاناجيل حاولوا أن يحرّفوا ذلك أيضاً كما سيتّضح فيما يلي :
جاء في إنجيل يوحنّا :
«إن كنتم تحبّـونني فاحفظوا وصـاياي ، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم بارقليط ـ معزياً ـ آخر ليمكث معكم إلى الابد»(26).
«وأمّا المعزي الروح القدس الّذي سيرسله الاب باسمي ، فهو يعلِّمكم كل شيء ، ويذكّركم بكل ما قلته لكم»(27).
«لا أتكلّم أيضاً معكم كثيراً لانّ رئيس هذا العالم يأتي ، وليس له فيّ شيء» (28).
«ومتى جاء المعزي الّذي سأرسله أنا إليكم (29) من الاب روح الحق الّذي من
عند الاب ينبثق فهو يشهد لي» (30).
«لكنّي أقول لكم الحق ، إنّه خير لكم أن أنطلق ، لآنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ، ولكن إن ذهبت أرسله لكم ، ومتى جاء ذلك يُبكّتُ العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة ، أمّا على خطية فلأنّهم لا يؤمنون بي ، وأمّا على برّ فلانِّي ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً ، وأمّا على دينونة فلأنّ رئيس هذا العالم قد دينَ .
إنّ لي اُموراً كثيرةً أيضاً لا قول لكم ، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الأن ، وأمّا متى جاء ذلك روح الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق ، لأنّه لا يتكلّم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلّم به ويخبركم بأمورآتية، ذلك يمجِّدني لا نّه يأخذ ممّا لي ويخبركم»(31).
وبالتأمّل في هذه النصوص نجد أنّها تشير إلى :
1 ـ أنّ المسيح (ع) يوصي ويبشّر بمجيء معز بعده .
2 ـ وأنّ مجيئه مشروط بذهابه .
3 ـ وأنّه مُرْسَل من قبل الله تعالى .
4 ـ وأنّه يعلّم كل شيء .
5 ـ وأنّه يذكّر بما قاله المسيح (ع) .
6 ـ وأنّه يشهد للمسيح (ع) .
7 ـ وأنّ العالم سيتّبع دينه .
8 ـ وأنّه لا يتكلّم من نفسه بل يتكلّم بما يسمع .
9 ـ وأنّه يخبر بأمور آتية .
10 ـ وأنّه يمجِّد المسيح (ع) .
11 ـ وأنّه يبقى معهم إلى الأبد .
وإذا راجعنا صفات رسول الله محمّد (ص) ، فإننا نجد أنّ هذه تنطبق عليه تماماً ، فإنّه يحمل القرآن الّذي هو (تبيان لكلّ شيء) ، ويخبر عن اُمور آتية وقعت بعد نزوله ، وانّه يشهد للمسيح (ع) بالنبوّة والرسالة ، ويمجِّد المسيح (ع) ، وهو لا يتحدّث من نفسه بل بما يوحى إليه :
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى ) .(النّجم / 3 ، 4)
وقد انتشر دينه في العالم ، وقرآنه حيّ خالد إلى الابد ، ويزداد يقيننا أكثر إذا علمنا أن كلمة المعزي هي ترجمة محرّفة لكلمة «بيريكليتوس» اليونانية الّتي كُتِبَ بها إنجيل يوحنّا منذ البداية ، وهي تعني في ترجمتها الدقيقة «أحمد» ، وقد حرّفت الكلمة في الاناجيل عند ترجمتها إلى «باريكليتوس» والّتي تعني المعزي .
وذلك ينطبق حرفيّاً مع ما أثبته القرآن من كلام المسيح (ع) إلى بني إسرائيل :
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) . (الصّف / 6)
من يراجع التاريخ يجد أنّ تبشير المسيح (ع) بنبي يأتي بعده كان من الاُمور المسلّمة لدى النصارى ، من زمن المسيح (ع) ، وقبل ظهور الاسلام ، وقد نقل المؤرِّخون مثل (وليم مور)(32)، بأنّه وجد مِنْ أتقياء المسيحيين بعد المسيح (ع) ، مَنِ ادّعى كونه هو (البارقليط)
الموعود، وانّ ناساً كثيرين قد اتّبعوه مصـدِّقين . وذلك يؤكِّد بأنّ النصارى ظلّوا قروناً قبل البعثة النبويّة ينتظرون هذا المرسل ، وقد دفع هذا الاعتقاد بالبعض إلى استغلاله والادّعاء بأنّه هو النبيّ الموعود ، منهم (منتسي) الّذي كان رجلاً روحانياً وادّعى في عام (187 م) بأنّه هو الرسول الّذي أخبر عنه المسيح وقد تبعه جماعة من الناس ، وهذا بدوره يؤكّد أنّ مسيحيي القرون الاُولى كانوا يفهمون البارقليط إنساناً رسولاً سويّاً ، لا ملاكاً ولا روحاً إلهيّاً ، حيث حاول
بعض القسسة تفسير البارقليط بأنّه روح القدس، وأنّه حلّ بعد المسيح على تلاميذه فأنطقهم بكلّ اللّغات .
كما أنّنا لم نجد في التاريخ ورود معارضة من قبل نصارى صدر الاسلام عند نزول القرآن، وإخباره بأنّ التوراة والانجيل قد بشّرتا برسول الله محمّد (ص) ، ولكن نقلت وقائع تاريخية عن نقاش اليهود والنصارى فيما إذا كان الرسول الموعود هو هذا أم غيره، ممّا يؤكِّد أنّ البشارة الواردة هي بشارة برسول انسان، يُرسَل مِن قِبَل الله تعالى. وقد دخل الاسلام كثير من اليهود والنصارى بسبب تلك البشارة المثبّتة في كتبهم .
وقد أشار القرآن إلى هذه الحقائق مثبّتاً إيّاها ، ومحتجاً بها على اليهود والنصارى بقوله :
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُْمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالاِْنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ) .(الاعراف / 157)
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) .(الصّف / 6)
وقد تجلّت هذه الحقائق لدى كلّ منصف وباحث عن الحق، يريد الاستجابة لدعوة الهُدى، كالنجاشي ملك الحبشة المسيحي ، الّذي استجاب لكلمة الحق حينما وجّه إليه رسول الله (ص) كتاباً يدعوه فيه للايمان ويحثّه على الدخول في الاسلام ، فأسلم ، وسجّل كلمته الخالدة الّتي احتضـنها قلب التاريخ ، فحفظها شهادةَ إنصاف ، وكلمة مُنْصِف لا يتأثّر بموروثات البيئة ، ولا يخضع لضغط الكبرياء والعصبية .
قال كلمته الخالدة :
« اُشهِدُ اللهَ أنّه النبيّ الّذي ينتظره أهل الكتاب ».(33)
وهذا عبد الله بن سلام الّذي أعلن إسلامه وشهد بما في التوراة من بشارة نبوّة محمّد (صلى
الله عليه وآله وسلم) ، وكان من علماء بني إسرائيل ، فسجّل الوحي هذه الشهادة بقوله :
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (34).(الاحقاف / 10)
وهكذا يتّضح لكلِّ مُنْصِف وباحث عن الحق أنّ محمّداً (ص) كان بشارة الانبياء ومُنْتَظَرَ الرّسل ، المرجوّ لاصلاح البشرية وإنقاذها ، يبشِّر به الانبياء ويدعون الله لبعثته .
فهذا أبو الانبياء إبراهيم (ع) بشّر قَبلَ موسى وعيسى (ع) بالبعثة ودعا ربّه أن يبعث في هذه الاُمّة نبيّاً منها ، هادياً ومنقذاً ، فكانت هذه الدعوة إشارة إلى مجيء نبيِّنا محمّد (ص) ، كان القرآن قد كشف عنها ، في آيتين متناسقتين في الصيغة والمعنى ، فقال تعالى حاكياً عن لسان إبراهيم دُعاءه :
(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) . (البقرة / 129)
فكان هذا الدُّعاء المستجاب بشارة ، وإشارة إلى بعثة نبيّ الرحمة محمّد (ص) هادياً ومرشداً من ذريّة إبراهيم (ع) .
هذا الدُّعاء الّذي وجد جوابه في قوله تعالى :
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين ) . (الجمعة / 2)
لذا قال رسول الله (ص) :
« أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى (ع) ».(35)
وتشهد التوراة والانجيل ، وتحقيقات الباحثين والمحققين من العلماء ، خصوصاً علماء الديانة المسيحية ، أمثال البروفسور دافيد بنجامين كلداني (36) الّتي تتحدّث عن تبشير التوراة والانجيل بمجيء محمّد (ص) .
ولمزيد من الايضاح فلنقرأ بعضاً من هذه النصوص :
« وعند التأكيد على شخصية النبيّ الموعود ، فإنّ النبوءة الاُخرى المنسوبة إلى موسى هي
على أيّة حال ، تساعد كثيراً عندما تتحدّث عن (نور الله المشع ، القادم من فاران) (37) وهو (قفار مكّة) ، ثمّ إنّ الكلمات الواردة في التوراة وهي الفصل 33 ، الجملة 2 تنص على ما يلي :
« وجاء الرّبّ من سيناء ، وأشرق لها من ساعير ، وتلألأ قدماً من جبل فاران ، وجاء معه عشرة آلاف قديس ، ومن يده اليمنى برزت نار شريعة لهم » .
ففي الكلمات شبّه نور الربّ بنور الشمس «وهو قادم من سيناء وقد أشرق لها ساعير» ولكنّه تلألأ بالمجد من (فاران) حيث وجب أن يظهر مع عشرة آلاف قدِّيس، ويحمل بيده اليمنى شريعة لهم ، ولم تكن لايّ واحد من الاسرائيليين بما فيهم المسيح أيّة علاقة (بفاران) ، فإنّ (هاجر) مع ولدها ( إسماعيل) تجوّلا في متاهات (بئر السبع) وهم الّذين سكنوا بعد ذلك في قفار فاران »(38).
3- أحمد مصطفى المراغي / تفسير المراغي / ط2 / ج 28 / ص 84، نقلاً عن السفر الخامس / الفصل 20، وذكره عبد الله النجار في قصص الأنبياء / دار إحياء التراث (بيروت) / ص294، نقلاً عن السفر التثنية / الاصحاح 38 / الآية 3، عبد الأحد داود / محمد في الكتاب المقدس / ط3 / ص 31، 32.
وفي نص آخر نقرأ تصريحاً واضحاً ، وتبشيراً صريحاً باسم النبيّ محمّد (ص) :
« وخلال تلك الفرصة النادرة أرسل الله خادمه النبيّ (حجي) ليسري عن هؤلاء المحزونين ومعه هذه الرسالة المهمّة :
ولسوف أزلزل كل الاُمم ، وسوف يأتي ( أحمد HAMADA ) لكلّ الاُمم ، وسوف أملأ هذا البين بالمجد ، كذلك قال ربّ الجنود ، ولي الذهب ، هكذا يقول ربّ الجنود ، وفي هذا المكان أعطي السلام ، هكذا يقول ربّ الجنود».(الاصحاح الثّاني من سفر حجي، الجملة:7ـ9)
ويتحدّث عبد الاحد داود موضِّحاً هذه الحقيقة :
« ولقد قمت بترجمة هذه الفقرة المذكورة من النسخة الوحـيدة من الانجيل الّتي كانت بحوزتي ، والّتي أعارتني إيّاها سيِّدة آشورية كانت ابنة عمّ لي ، والنسخة هذه هي باللغة الوطنية الدارجة آنذاك .
ولكن دعنا نرجع إلى الترجمة الانجليزية للكتاب المقدّس، والّتي نجد أنّها ترجمت من الاصل العبري كلمة (حمدا) إلى (الاُمنية) ، وكلمة (شالوم) إلى ( الاسلام ) » .
ثمّ تحدّث القسيس البروفسور عبدالاحد الّذي أسلم فيما بعد فقال :
« عندئذ لابدّ من اعتبار هذه النبوءة على أنّها صادقة لا إنكار فيها، وأنّها مطابقة لشخصية (أحمد) وبعثته (بالاسلام)، ذلك لانّ كلمتي (حمدا) و(شالوم) أو (شلاما) تؤدّيان بدقّة نفس الدلالة والاهميّة لكلمتي (أحمد) و(الاسلام) » (39).
وفي موارد كثيرة من تصريحات المسيح (ع) نقرأ البشارة بمحمّد (ص) وورود اسمه.
وهكذا كانت الدُّنيا تنتظر محمّداً (ص) ، وكانت الكتب الالهيّة تبشِّر ببزوغ أنواره ، وعيون المستضعفين ترنو إلى مجيئه ، فحدثت المعجزة وبُعِثَ المنقذُ الهادي وهو محمّد (ص) .
خالد بن الوليد
01-01-2003, 09:18 AM
واد كول .. دائما مواضيعك اكثر من رائعة .. بارك الله فيك ..
انا سمعت الكلام ده في مناظرة أو خطبة بس مش فاكر مين .. تقريباً الشيخ أحمد ديدات و الله اعلم ..
يا ريت لو المصدر متوفر عندك تقولنا مكانه .. و جزاك الله كل خير ..
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:20 AM
الوحي والبعثة
الوحي في اللّغة هو الكلام الخفي ، وهو الاشارة السريعة ، أو هو إلقاء ما يريد الموحي إلقاءه إلى الطرف الآخر ، مِن إعلام وأوامر وإرشادات ... الخ ، سواء عن طريق الاشارة ، أو الكتابة ، أو الرمز ، أو المحادثة .
وقد اتّخذت كلمة (الوحي) معنىً اصطلاحياً قرآنيّاً كغيرها من الكلمات العربية ، الّتي نُقِلَت من استعمالها العام إلى استعمالها الشرعي الخاص ، فأصبح لفظ (الوحي) اسماً لِما يُلقى للانبياء والرسل من كلام الله وقوله سبحانه .
قال الشيخ المفيد :
« أصل الوحي هو الكلام الخفيّ ، ثمّ قد يُطلق على كلّ شيء قصد به إلى إفهام المخاطَب على الستر له عن غيره ، والتخصيص له به دون مَنْ سواه ، وإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرّسل (ع) خاصّة دون مَنْ سواهم على عُرف الاسلام ، وشريعة النبيّ » (40).
ولقد كان الوحي الالهي منذ بزوغ أنواره على سطح هذه الارض ، وإلى يومنا هذا ، وسيبقى كذلك يشكِّل لدى الجاهليين مشكلة فكرية واعتقادية صعبة الفهم ، عسيرة الاستيعاب .
أمّا بالنسبة للفكر الايماني فليست ظاهرة الوحي لديه في حقيقتها إلاّ التعبير عن استمرار العناية الالهيّة الرحيمة، وتتابع الالطاف الربّانية الهادية، رحمة بالانسان الضال المنحرف ، وإنقاذاً له، إذ لم يشأ الله سبحانه أن يخلق الانسان ويتركه مهملاً بلا توجيه، وضائعاً بلا رعاية على هذه الارض، بل جعل الله الوحي إلى الانسان وسيلة لتعريفه بنفسه ، وبربِّه ، وعالمه ،
وسبيلاً إلى هدايته ، لتنظيم حياته ، وبيان طريقة تعامله مع أبناء نوعه ، وكيفية توجّهه إلى خالقه .
وهكذا شاء لطف الله بعباده ، وقضت إرادته الحكيمة أن يختار أفراداً مخصوصين ومؤهّلين للاتصال بالالطاف الربّانية بعد أن يهيئهم الله بلطفه ، فيرفّر لهم الاستعداد الروحي ، والتكامل النفسي ، والنضج العقلي ، والسمو الذاتي ، ليكونوا مؤهلين لحمل الرسالة وتبليغ الامانة ، وتمثيل الارادة الربّانية على هذه الارض :
(اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ). (الحجّ / 75)
(وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ). (الانعام/124)
وإذن لا بدّ للنبيّ من بلوغ نوع من الاسـتعداد ، والتكامل الروحي الّذي يهيّئه لتلقّي الفيض والمعرفة الالهيّة، ويرفعه إلى درجة التجرّد عن هذا العالم المادّي ، والتعلّق بالله سبحانه .
وهاتان الصـفتان : التجرّد والتعلّق ، هما الوسـيلتان الروحيتان لتمكين النبيّ من اختراق المألوف من عالم الشهادة ، والاتصال بعالم الغيب في حالة الوحي ، حيث يتم تعطيل ارتباط الذات الواعية بالعالم المادّي ، ويحصل الانفصام الكلي عنه ، لترتفع القوى الروحية والعقلية المتسامية إلى درجة تجعل الذات النبويّة في حالة روحية مستعدة لاستقبال ووعي ما يصدر ، وما يُلقى إليها من العالم العلوي .
وهكذا تكون الذات النبويّة في حالة تلقِّي الوحي مطلّة على عالم التجلّيات العلوية، ومشدودة إلى إفاضة الانوار القدسية ، ومقتربة من حظائر القدس ، وعالم الجلال ، عبر انفصال مؤقّت عن عالم الشهادة ـ عالم الحس والمادّة ـ واختراق للمألوف من قوانينها .
وبالتأمّل في النصـوص والمفاهيم القرآنيـة والروايات الّتي تحـدّثت عن الوحي
والنبوّة نستطيع أن نشخّص حالتين لتلقي الوحي من عالم القدس والجلال ، وهما :
أ ـ التلقّي المباشر الّذي عبّر عنه الامام جعفر الصادق بقوله :
« ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد » .
ب ـ التلقّي عن طريق ملك الوحي ـ جبريل (ع) ـ حيث يتنزّل الامر والوحي إلى عالم الملائكة الّتي تتلقّى مِنْ مكنون العلم في حظائر القدس ومحفوظ المعرفة والارادة الالهيّة ، المُفاضة مِن لَدُنِ علاّم الغيوب ، ليتم نقله وتبليغه إلى النبيّ الكريم محمّد (ص) .
وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا اللّون من الايصال والتلقّي ، فقال :
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ ).(الشعراء / 193 ، 194)
(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) . (الشورى / 51)
وهكذا يُلقَى الوحيُ مِن لَدُنِ الذات الالهيّة إلى عالم الملائكة ليهبطَ به جبريل على عالم الانسان القائم في شخص النبيّ ، وهو في حالة الانسلال من عالم المادّة وانكشاف حجابها وانطلاق الوعي إلى عالم الروح الملائكي ، فيتلقّى مِن الملَك ما يُوحى إليه من أمر ربّه .
على أنّ هذا الانتقال من عالم القدس إلى عالم الخلق الملائكي ، هو انتقال نوعي وذاتي ، وليس انتقالاً زمانياً ، أو مكانياً .
وهكذا كان الكلام الالهي إلى الرسول الاعظم يأتي وحياً ، أي إلقاءً مباشراً في نفس النبيّ ، أو من وراء حجاب ، أو بواسطة ملك مرسل .
وهذا ما يقتضيه منطق السنن الكونية المسيطرة على الطبيعة الانسانية :
(وَمَا كَانَ لِبَشَر أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب (41) أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) . (الشورى / 51)
ولا يدري أحد كيف يتم ذلك ، فالكون عوالمه غريبة ، وعالمـنا ليس إلاّ واحداً من تلك العوالم ، ولكل عالم قوانينه وأنظمته الخاصّة به ، ولا ندري كيف تجري العوالم الاُخرى ، فهي أيضاً لها قوانينها وطبيعتها الخاصّة بها .
إلاّ أنّنا نجد في وصف الامام عليّ (ع) للعالم الملائكي ، وعلاقته بالله من جهة ، وبعالمنا من جهة اُخرى ما يكشف لنا بعض جوانب الغموض ، ويجلِّي بعض معالم الحقيقة .
قال (ع) :
« (وبينَ فَجواتِ تلكَ الفُروجِ زجل المسبِّحين منهم في حظائرِ القُدس ، وسُتُراتِ الحُجُبِ ، وسُرادِقاتِ المجدِ ، ووراءَ ذلكَ الرَّجيجِ الّذي تَسْتَكُّ منهُ الاسماعُ سُبحاتُ نور تَردَعُ الابصارَ
عَنْ بلوغِها ، فَتَقِفُ خاسِئَةً على حُدودِها ...) إلى أن قال : (جعلهم اللهُ فيما هنالك أهلَ الامانةِ على وحيِهِ ، وحَمَّلَهُم إلى المرسلينَ ودَائعَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وعَصَمَهُم مِن رَيْبِ الشُّبُهاتِ ) » (42).
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:21 AM
تلقِّي الانبياء (عليهم السلام)
يتلقّى الانبياءُ والرّسلُ (ع) ما يريدُ الله سبحانه أن يُلقِيَهُ إليهم مِن أوامرَ ومعارف وإرشادات وتشريعات بطرق ووسائل يمكن استقراؤها وحصرها في ما يلي :
أ ـ الوحي المباشر ، ويتم بواسطة الكلمة الالهيّة الّتي يسمعها النبيّ صوتاً ، ويعيها
معنىً ، وليس بينهما أحد ، وتحصل هذه الحالة من الوحي عن طريق إلقـاء الكلمة الالهيّة بلا واسطة ملك، ولا رؤيا في منام، إنّما يسمع النبيّ وهو في وضعه المتهيّئ لاستقبال الكلمة المُلقاة إليه، كما يسمع الاصوات الاُخرى، ولكن عن طريق خلق أصوات ومعان، وعبارات في وعي النبيّ بصورة تتناسب وطبيعته الانسانية ، وتتفق مع استعداده الذاتي .
وقد تحدّث الامام جعفر الصّادق (ع) عن هذه الكيفية العليا من كيفيات الوحي فقال :
« كان رسول الله إذا أتاهُ الوحيُ مِنَ الله وبينهما جبرئيلُ (ع) يقول: (هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل) ، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السَّبْتَةُ (*) ويغشاهُ منه ما يغشاهُ لثقلِ الوحي عليه مِنَ الله عزّ وجلّ » (43).
ب ـ الوحي بواسطة تكليم الملك جبرئيل (ع) للنبيّ واستماعه إلى ذلك كما يستمع لايٍّ من الاصوات البشرية المعتادة ، قال تعالى :
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَْمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ ) .(الشعراء / 193 ، 194)
ج ـ بواسطة الالقاء في نفس النبيّ ، ووضوح المعنى لديه ، كما يحصل في التسديد والتوجيهات العامّة للرّسول (ص) .
وقد ورد على لسانه (ص) ما يؤكّد هذه الحقيقة ، ويكشف عن هذه الكيفية ، كقوله :
« يا أيُّها النّاس ! إنّه قد نَفَثَ في رَوْعي روحُ القُُدسِ ، أنّه لن تموتَ نفسٌ حتّى تستوفيَ رِزقَها »(44).
وهذه الحالة من الوحي والتعليم ، هي عبارة عن إيضاح وتسديد ، ولكن مع علم النبيّ أنّ الّذي يلقي في نفسه هو روح القدس .
د ـ الايحاء إلى النبيّ بواسطة الرؤيا في المنام ، كما في رؤيا إبراهيم (ع) :
(قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) . (الصّافات / 102)
وكما في رؤيا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي تحدّث عنها القرآن بقوله :
(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ).
(الاسراء / 60)
(لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) . (الفتح / 27)
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:22 AM
الإعداد للنبوّة
أعدّ الله نبيّه محمّداً (ص) وهيّأه لحمل الرسالة ، وأداء الامانة الكبرى لانقاذ البشرية، وحين بلغ الاربعين سنة من عمره الشريف اختاره الله سبحانه نبيّاً ورسولاً وهادياً للبشرية جمعاء . وكانت بداية الوحي ، وقبل أن يأتيه جبريل (ع) في غار حِراء (45)، أنّ رسول الله (ص) كان يرى في المنام الرؤيا الصّادقة ، وهي درجة من درجات الوحي ، كما كان يذهب إلى غار حِراء يخلو فيه ويتعبّد .
فقد روي عن محمّد بن كعب وعائشة :
انّ أوّل ما بُدِئَ به رسول الله (ص) من الوحي ، الرّؤيا الصّادقة ، وكان يَرَى الرّؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح ، ثمّ حُبِّبَ إليه الخلاءُ ، ( فكان يخلو بغار حِراء ) (46).
إنّ المتأمِّل في تلك الرواية يستطيع أن يفهم منها حقائق أساسية تتعلّق بالوحي والنبوّة :
1 ـ إنّ النبيّ كان يُهَيَّأُ مِنْ قِبَلِ الله تعالى لتلقّي الوحي بتوجيهه عن طريق الالهام والالقاء في نفسه ، والانكشاف له من خلال الرّؤيا الصّادقة ، ولم يُفاجأ به ، كما تُصوِّرُ بعضُ الاخبار
ذلك .
وواضح أنّ رؤيا الانبياء هي درجة من درجات الوحي ، ولكنّها أقل مستوىً من التكليم بواسطة جبريل (ع) .
2 ـ تحبيب الخلـوة له من قبل الله تعالى ، لينقطع عن عالم الحس والشهادة ، ويستغرق في التأمّل والتعالي نحو عالم الغيب والملكوت الاعلى ، والاتّجاه إلى الله سبحانه ، وليكون مُهَيّأً
لتلقِّي الفيض الالهي والوحي الربّاني . وبذا فلم يكن النبيّ (ص) ليذهب إلى غار حِراء ذهاباً
عفوياً غيرَ مُوَجّه ، ولا حكمة فيه ولا انتظار؛ فالرّوايات تُصرِّح بأنّ النبيّ (ص) كان ينقطع في كلّ عام شهراً كاملاً في هذا الغار ، للخَلْوة والانفراد . كما كان يذهب في بعض الايّام للخَلْوة والتأمّل هناك ، وليس معقولاً أن يتمّ كلّ ذلك بصورة عفويّة ، أو بدافع شخصي من الرسول ، بل كان توجيهاً إلهيّاً ، ومرحلة تأمّل وانتظاراً للوحي .
لقد كان على اتصال بعالم الملكوت الاعلى عن طريق الرؤيا والمنام
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:22 AM
نزول الوحي
وفي سنة (610 م) وهي السنة الّتي أراد الله سبحانه أن يبعث نبيّه محمّداً (ص) إلى الناس كافّة ، كان النبيّ قد ذهب في شهر رمضان من تلك السنة ، إلى الغار ومعه أهله مجاورون ، فأتاه جبريل (ع) فألقى إليه كلمة الوحي ، وأبلغه بأنّه نبي هذه البشرية والمبعوث إليها .
وتفيد الروايات أنّ أوّل آيات قرأها جبريل على محمّد (ص) هي :
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الاِْنسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ *
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الاِْنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) . (47) (العلق / 1 ـ 5)
وتحدّث القسطلاني عن أوّل ما نزل من القرآن فقال :
« وقد رُويَ أنّ جبريل (ع) أوّل ما نزل بالقرآن على النبيّ (ص) أمره بالاستعاذة ، كما رواه الامام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال :
أوّل ما نزل جبريل على محمّد (ص) قال: يا محمّد استعِذْ ، قال: ( إستعِذْ بالسّميع العليمِ مِنَ الشّيطانِ الرّجيم)، ثمّ قال: (بِسْمِ الله الرّحمنِ الرّحيم )، ثمّ قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ا لَّذِي خَلَقَ ) » (48).
بعد تلقِّيه ذلك البيـان الالهي ، عاد النبيّ إلى أهلـه ، وهو يحمل كلمـة الوحي ، ومسـؤولية حمل الامانة الّتي كان ينتظر شرف التكليف بها ، ويخلو زمناً في الغـار لتلقِّيها .
وعاد فاضطجعَ في فراشـه وتدثّر ليمنح نفسـه قِسْطاً من الرّاحة والاسـترخاء ، فجاءه الوحي مرّة اُخرى يأمره بالقيام ، وترك الفراش والبدءِ بالدعوة والانذار . جاء هذا الخطاب في قوله تعالى :
(يا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) (49). (المدّثِّر / 1 ـ 7)
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:23 AM
ثمّ بدأت الدعوة
اُمِرَ الرّسول (ص) بحمل الرسالة وتبليغ كلمة الله ، والدعوة إلى توحيده وعبادته وإصلاح البشرية وإنقاذها من الظلم والكفر والفساد والخرافة بقوله تعالى :
(قُمْ فَأَنْذِرْ ). ( المدّثِّر / 2 )
فانطلق مستجيباً لامر الله ، يبشِّر بالاسلام ، ويدعو إلى سبيل ربّه ، فكان أوّل مَن دعاه ، وطلب منه التصديق به ، زوجته خديجة بنت خويلد (رض)، وابن عمّه علي بن أبي طالب (ع)؛ الّذي كان صبيّاً في العاشرة من عمره المبارك ، فآمنا به وصدّقاه ; فكانت تلك النواة الاُولى للدعوة الالهيّة الكبرى في الارض ، والمنطلق الاساس لحركتها التاريخيّة الرائدة، فكان عليّ (ع) كما أراد رسول الله (ص) ، التلميذ الواعي لمضمون الرسالة ، والجندي الحامل للرّاية ، والمخلص الوفيّ للدعوة والنبوّة .
وكانت خديجة (رض) نِعْمَ العون والنصير ، فقد صرفت ثروتها ومالها الوفير من أجل نصرة الاسلام ، وتثبيت أركانه ; كما كانت دوماً إلى جنب رسول الله (ص) تمنحه الحبّ وتُشيعُ في أرجاء البيت عبقَ الرّاحة والسّعادة .
ثمّ أسلم زيد بن حارثة ، فكان ثالث من صدّق وأسلم(50).
وهكذا بدأت الدعـوة إلى الاسلام بدايتها الاُولى ، حتّى أحدثت الانقلاب الشامل ، وأسقطت العروش والامبراطوريات والجبابرة ، وصنعت المدنيّة والحضارة الفذّة .
لقد عبّر رسول الله (ص) عن تلك البداية الّتي استهان بها الطغاة والجبابرة ، بقوله الّذي رواه لنا
عمرو بن عَبَسَة السُّلَمي قال :
« أتيتُ رسول الله أوّل ما بعث وبلغني أمره ، فقلت : صِفْ لي أمرَكَ ، فوصفَ لي أمره ، وما بعثه اللهُ به ، فقلتُ : هل يتّبعك على هذا أحد ؟ قال : (نعم ، امرأة وصبي وعبد) ، يريد خديجة بنت خويلد ، وعليّ بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة » (51).
إنّه لحدث تأريخي مغيِّر ، وهزّة حضارية عنيفة ، فماذا يتوقّع من قريش ، وما هو موقفها ، أو ردّ فعلها تجاه ذلك الحدث العظيم ؟
لقد كان رسول الله (ص) يدرك طبيعة مجتمعه ، والقوى الطاغوتية المتسلِّطة عليه ، ويعلم أنّ هذا الزلزال التأريخي الهائل سيهزّ الطواغيت ، ويثير كبرياءهم وعدوانهم .
وإذن فليس بوسعه أن يجاهر بتلك الدعوة ، ويدعو إلى تحطيم الوثنية والخرافة ، وتسلّط الطواغيت ، وإنقاذ المستضعفين والمحرومين بصورة علنيّة .
إنّه سيجابه وسيواجه بكل وسائل الرفض والمقاومة والعدوان ، وله فيمن سبقه من النبيِّين والمرسـلين لعـبرة وموعظة ، فقد جوبهت دعواتهم بالرفض والعـناد ، وجنّدت قُوَى الطّاغوت كلّ إمكاناتها لمحاربة رسالات الانبياء ودعوات الاصلاح الّتي تواجهها ، فقتلوا النبيِّين ودعاة التوحيد ، وعذّبوهم وأخرجوهم من ديارهم ، وسخروا منهم ، وشنّوا الحرب الدعائية ضدّهم .
لذا كان لا بدّ للرسول (ص) وهو الداعية الحكيم أن يلجأ إلى (السرِّيّة والكتمان) لحفظ الدعوة ، ولتقوى بنيتُها ، ويتكامل المؤمنون عدديّاً وفكريّاً ونفسيّاً ، بعيداً عن عيون الطواغيت .
إنّ رواية عمرو بن عَبَسَة السُّلَمي الآنفة الذِّكر تفيد أنّ النبيّ (ص) كان معروفاً بدعوته في الوقت الّذي لم يتبعه فيه غير اُولئك الثلاثة الرّوّاد .
إلاّ أنّ السرِّيّة والكتمان ، كما يظهر من فحوى الرواية ودلالتها ، كانت متركزة في أصحاب رسول الله (ص) وفي ممارساتهم للعبادة وقراءة القرآن، وفي التحرّك والنشاط الّذي يقومون به وسط المجتمع .
فقد ذكر المؤرّخون أنّ رسول الله (ص) كان يختار أصحابه فرداً فرداً، ولم يوجّه دعوته إلى الجميع في تلك المرحلة ، ليكوّن كتلة قويّة قادرة على حمل الدعوة ومواجهة الطّغاة بصورة سرِّيّة ، وكانوا يتكتّمون ولا يعلنون إسلامهم ، ويمارسون صلاتهم بصورة سرِّيّة ، بعيداً عن الانظار والعيون .
فقد رَوَى المؤرّخون أنّ جماعة من أصحاب الرّسول (ص) كانوا يؤدّون الصّلاة خارج مكّة
سرّاً، فكشف بعض المشركين أمرهم فهاجموهم واشتبكوا معهم فضرب أحد المسلمين رجلاً من المشركين بعظم بعير فأدماه (52).
ومن مظاهر السريّة في تلك المرحلة الّتي دامت ثلاث سنوات ، هو اتخاذ الرّسول مقرّاً سرّياً لاجتـماع أصحابه ، وقراءة القرآن ، وتعليم الاسلام وإعداد المؤمنين وتربيتهم ، وهو بيت الارقم المخزومي .
وهكذا ظلّ رسول الله (ص) يدعو في مكّة سرّاً، ويدعو مَنْ يراهُ مؤهّلاً للانضمام إلى الاسلام ، حتّى تكامل عدد أصحابه أربعين شخصاً .
وهكذا مرّت الدعوة الاسلامية في مكّة المكرّمة بمرحلتين اثنتين هما :
1 ـ المرحلة السريّة ، ودامت ثلاث سنوات .
2 ـ المرحلة العلنيّة ، ودامت في مكّة عشر سنوات
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:24 AM
الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلن دعوته
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْـتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ
يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ ).(الحِجر / 94 ـ 99)
تتحدّث هذه الآيات المباركة عن بدء المرحلة العلنية ، والامر بالانتقال إليها . إنّها تصوِّر لنا الحدث الانتقالي الخطير، وتوضِّح لنا جانباً من ظروف الدعوة إلى الاسلام والعقبات وأساليب المواجهة. فهي تتحدّث عن السريّة والاستهزاء برسول الله (ص) وبدعوته ، وعن تعهّد الله بنصرة نبيّه ، والدفاع عنه ، وتثبيته له . كما تكشف عن حبّ الرّسـول (ص) لرسـالته وتعلّقه بها ، وضيق صدره ممّا يخشـاه عليها من مقـاومة المشركين والمستهزئين .
وإذا عُدنا إلى الآيات الاُولى الّتي نزلت عليه قبل ثلاث سنوات ، وهو متدثِّر في فراشه ، إثر أوّل خطاب إلهي له وقراءة قوله تعالى :
(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ). ( المدّثِّر / 7 )
فإنّ التأمّل فيها يوصلنا إلى أنّ تلك الايات كانت تصريحاً بما سيلاقيه الرسول (ص) وإعداداً نفسياً له ، وبعد ثلاث سنوات من العمل السري يأمره ربّ العزّة أن يُعلنَ دعوتَهُ ، وينتقل من
المرحلة السرية إلى المرحلة العلنية ، ويتحمّل تبعات هذا الاعلان والانتقال والمواجهة العقائدية والحضارية الصريحة ، ويتحدّى طغاةَ عصره .
قال عبيدالله بن عليّ الحلبيّ : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :
« مكث رسول الله (ص) بمكّة بعدما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة ، منها ثلاث سنين، مختفياً خائفاً لا يظهر ، حتّى أمره الله عزّ وجلّ أن يصدع بما أمره به فأظهر حينئذ الدعوة » (53).
وجاء في الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن أبي عبيدة ، أن عبد الله بن مسعود قال:
« ما زال النبيّ مستخفياً حتّى نزل ( فاصدع بما تُؤمَر)، فخرج هو وأصحابه » (54).
ويتحدّث المؤرّخون عن كيفيّة إعلان الرسول (ص) لدعوته ، ومفاجأته لقريش ، وتحدِّيه لكبريائها وصلفها، ذكروا أنّ النبيّ (ص) خرج هو وأصحابه، وكان عددهم يومذاك أربعين شخصاً خرجوا على شكل تظاهرة إعلامية منظّمة لم يألفها العرب آنذاك ، فقد انتظموا في صفين اثنين واخترقوا طرق مكّة وسككها .
وروى اليعقوبي :
أنّ رسول الله (ص) أقام بمكّة ثلاث سنين يكتم أمره وهو يدعو إلى توحيد الله عزّ وجلّ وعبادته والاقرار بنبوّته ، فكان إذا مرّ بملأ من قريش قالوا : إنّ فتى ابن عبد المطلب لَيُكَلّمُ مِنَ السّماء ، حتّى عاب عليهم آلهتهم ، وذكر هلاك آبائهـم الّذين ماتوا كفّاراً ، ثمّ أمره الله عزّ وجلّ أن يصدع بما أرسله ، فأظهر أمره وأقام بالابطح فقال : « (إنِّي رسـولُ اللهِ أدعوكُم إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ ، وتَرْكِ عبادةِ الاصـنامِ الّتي لا تنفعُ ولا تضرُّ ، ولا تخلُقُ ولا تَرزقُ ، ولا تُحيي ولا تُميتُ) ، فاستهزأت منه قريش وآذته » (55).
فكانت المفاجأة التأريخية الكبرى ، والعمل الاعلامي المذهل ، الّذي ملأ نوادي قريش وأحاديث العرب واجتماعاتها ، فلفت الانظار إلى تلك الدعوة ، واستقطب الاهتمام والرأي العام باتّجاه هذه الانطلاقة التوحيدية الرائدة .
إنّ دراسة تأريخ الدعوة إلى الاسلام والاساليب الّتي اتّبعها الرسول الحكيم (ص) ترسم أمامنا النهج والاسلوب العملي للدعاة في كل زمان ومكان، وتكشف
لنا أنّ السرِّيّة تكون واجبـة إذا كانت هـناك ضرورات تدعو إليها ، وأنّ هناك أخطاراً تحيط بالاسلام والمسلمين، فعندئذ يحرم على العاملين الاسلاميين أن يكشفوا عملهم ونشاطهم لاعداء الاسلام الّذين يتربّصون بهم الدوائر ، ويسعون للقضاء عليهم ، أو يكشفوه لمن لا يأمنونه عليه .
أمّا المرحليّـة والتدرّج في الدعـوة إلى الاسـلام والتبليغ له ، والّتي سار عليها الرّسول الكريم (ص) وأوضحها القرآن الحكيم في تبليغ الاحكام والنزول التدريجي ، خلال ثلاث وعشرين سنة فإنّها سنّة كونيّة مِن سُننِ الله تعالى ؛ فالتغيير وبصورة خاصّة التغيير الجذري الشامل ، كالتغيير الاسلامي الكبير ، يحتاج إلى مسيرة مرحلية متدرِّجة ، يتحقّق فيها الاعداد والتكامل التدريجي لتعذّر التغيير المفاجئ ، وعدم تهيّؤ الوضع النفسي والفكري والاجتماعي له .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:24 AM
ثمّ بدأ الصِّراع
لقد كان حدثاً عظيماً ومفاجأة مذهلة لقريش أن تسمع صوت محمّد (ص) ينادي بالابطح :
« إنِّي رسول الله ، أدعوكم إلى الله ، وترك عبادة الاصنام » .
لقد شعرت قريش بتحدِّي محمّد (ص) وانطلاق دعوته . إنّها العاصفة والنذير وبداية الانقلاب والتغيير، فما عسى قريش أن تفعل وهي تشعر بالخطر على مصالحها وطغيانها ؟ إذن فليبدأ الصِّراع .
وهكذا بدأت مرحلة الصِّراع ، وتحرّكت قريش لتقف بوجه الاسلام ودعاته ، وتتصدّى لمحمّـد بكلّ اُسلوب وقوّة تملكها ، فاحتلّت المواجهة مساحات واسعة واستخدمت قريش كل وسائل الاسقاط والصِّراع .
فكانت بدايات الهجوم على النبيّ محمّد (ص) ، هي الحرب النفسية الّتي تمثّلت بالسخرية والاستهزاء والاستخفاف وتوجيه الكلمات المثيرة ، ولقد سجّل المؤرِّخون
وكتّاب السير استخدام قريش لهذا الاُسلوب المتردّي ، فروَى اليعقوبي ذلك بقوله :
« فاستهزأت منه قريش وآذته » .
وكان القرآن قد تحدّث عن هذا الاسلوب المشين ، وحصّن نبيّه (ص) والّذين آمنوا معه ، ووفر لهم المناعة النفسية ، حين تعهّد له بأن يكفيه المستهزئين ، يوم أمره بإعلان الدعوة إلى الاسلام ، وتحدِّي الطواغيت فقال له :
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ ).(الحِجْر/94 ـ95)
ذلك لانّ قريشاً كانوا يسـتهزئون به ، ويسخرون منه قبل أن يُكلّف بدعوتهم بصـورة عامّة ، وعندما كان يتحرّك في الدائرة الخاصّـة ، أي في حـدود مَنْ يَرى دعوتهم؛ فقد كانوا يرمونه بعبارات الاستهزاء والسخرية إذا ما مرّ بهم :
« إنّ فتى ابنِ عبد المطلب ليُكَلَّمُ مِنَ السّماء » .
إلاّ أنّ الموقف الخطير ، وطبيعة ذلك الصراع ، لا يمكن أن تحسمه كلمة مستهزئ أو ضغط نفسي أو إشاعة مزيّفة ، أو تطويق دعائي إنّها القضيّة الكبرى في تاريخ الانسان ، أنّها الهدى ورسالة التغيير وأمل المستضعفين في الارض .
فبدأت مرحلة جديدة من المواجهة، واستخدمت قريش اُسلوباً آخرَ من أساليب الحرب النفسيّة ، للضغط على النبيّ (ص) ودعوته ، فقد توجّهت إلى عمّه أبي طالب ـ سيِّد قريش وزعيم مكّة ـ تُطالبه بالتدخّل لدى محمّد (ص) وأن يطلب منه الكفّ عن دعوته فقالوا له :
« إنّ ابن أخيك قد عابَ آلهتَنا ، وسفَّهَ أحلامَنا ، وضَلَّل أسلافَنا ، فليُمْسك عن ذلك ، ولْيَحكُم في أموالنا بما يشاء ، فقال : (إنّ الله لم يبعثني لجمع الدُّنيا والرّغبة فيها ، وإنّما بعثني لاُِبلِّغَ عنه ، وأدُلَّ عليه) ، وآذوه أشدّ الايذاء » (56).
إنّ قريشاً في موقفها هذا لم تستعمل الضغط النفسي والاجتماعي وحسب ، بل حاولت أن تتّخذ اُسـلوب الاغراء المادّي أيضاً منطلقة من تفكـيرها ومنهجها في الحياة ، فيجابهها محمّد (ص) بالردّ العقيدي القويم ، ويوضّح لهم دعوته ورسالته بكلماته النيِّرة :
« إنّ الله لم يبعثني لجمع الدُّنيا ، والرّغبة فيها ، وإنّما بعثني لاُِبلِّغَ عنه ، وأدُلَّ عليه » .
وحين رأت قريش أنّ محمّداً مصرٌّ على مواصلة دعوته ، وتبليغ الرسالة ، أصرّت هي على عنادها وعدوانها ، فازداد أذاها ، وتصدّى زعماؤها لمحمّد (ص) ، فكانوا يواصلون حربهم النفسيّة هذه ضدّه ، « ولقد كان من المستهزئين به عمّه أبو لهب ، والعاصُ بن وائل السّهْميّ ، والحارثُ بن قيس بن عدي السّهْميّ ، والاسودُ بن عبد المطلب ، والحكمُ بن أبي العاص ، وعُقبة بن أبي مُعَيْط ، وعَدِيُّ بن حمراء الثقفيّ ، وعمرُ بن الطلاطلة الخزاعيّ » (57).
ولم يكتف هؤلاء المستهزئون بما يواجهون به محمّداً (ص) من كلمات وعبارات نابية وإشاعات ساخرة ، بل كانوا يوكلون به صبيانهم وعبيدهم فَيَلْقَوْنه بما لا يحبّ ، كلّ ذلك
ليبالغوا في الاستخفاف به (ص) وإضعاف موقفه الادبيّ ، وتشكيل حاجز نفسي بين الناس وبين دعوته
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:25 AM
أُسلوب آخر
ومضى محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) يواصل الدعوة بثقة ، ومضت الصـفوة من المسـلمين الاوائل يواصلون السّير معه ويترسّمون خطاه المباركة .
لقد أعيى قريشاً موقف محمّد (ص) ، واتساع دعوته وإقبال المحرومين والمستضعفين على الاسلام ، كما أعيى قريشاً إصرار محمّد (ص) على تحدِّيها وتحطيم
كيانها الفكري والسياسي والاجتماعي ، فراحت تفكر بأساليب اُخرى ووسائل جديدة لتزجّ بها في الصراع ، ومواجهة الدعوة الّتي زلزلت الارض تحت أقدامها .
لقد صعّدت قريش عدوانها على محمّد (ص) وتجرّؤها عليه، فدفعوا بصبيانهم وعبيدهم لايذائه (ص) ، ومواجهته بالكلمات النابية ، والاساءة إليه والاستخفاف به ، والاعتداء على كرامته المقدّسة بأعمال مستهجنة متردّية تعبّر عن مستواهم الاخلاقي وحقدهم المتراكم .
كان محمّد (ص) يقف بين يدي ربّ العزّة ، يؤدّي الصلاة ، ويُعلِن العبوديّة لله أمام الملأ من الناس، فعظم على الطواغيت والمستكبرين ما يفعله (ص) ، فأمروا غلاماً لهم أن يلقي الفرث والسَّلَى ، الّذي أفرزوه من جَزور (58) ذبحوه توّاً على ظهر محمّد ، فراح هذا الطائش المسـخَّر ينفِّذ ما اُمِرَ به ، ويلقي تلك الفضـلات بين كَتِفَيْـهِ (ص) وهو ساجد (59)، وهم جلوس على مقربة منه ، يشهدون المنظر ويعبِّرون عن حقدهم وصلفهم بهذا العدوان الاثيم .
أمّا محمّد (ص) فقد اتّخذ اُسلوباً آخر للمواجهة ، رأى أن يضع عمّه ومؤازره وناصر دعوته أبا طالب في مواجهة اُولئك العتاة ، فتوجّه إليه مخاطباً :
(كيف موضعي فيكم ؟ ) قال أبو طالب مُسْتغرِباً : (وما ذاك يا ابن أخي ؟ ) ، فيخبره محمّد (ص) بما فعل الطّغاة معه ، فيستشيط أبو طالب غضباً لكرامة محمّد (ص) ، ويُقبِل على المعتدين مُشتملاً بسيفه ، وهم جلوس في مجلسهم ، يتبعه غلام له ، ويقف في اجتماعهم غضباً متحدِّياً ، ويخترط سيفه ، ويرفع صوته مهدِّداً : (والله لا تَكلّمَ منكم رجلٌ إلاّ ضربتُهُ).
ثمّ يأمر غلامه أن يقتصّ من اُولئك الطّغاة المستكبرين، ويُنزِل بهم الاهانة الّتي لم يكونوا
يفكِّرون بها ، أمر غلامه أن يلطِّخ وجوههم واحداً بعد واحد بذلك الفرث والسَّلَى .
ومع تلك الاهانة والتنكيل لم يكونوا ليجدوا ردّاً على أبي طالب سيِّد قريش وزعيمها ، غير قولهم : (حسبك فينا يا ابن أخينا ) .
وتستمر قريش بالضغط على أبي طالب ، وتحاول الفصل بينه وبين محمّد (ص) ودعوته للاجهاز عليه والتفرّد به ، ذلك لان أبا طالب كان يشكّل قوّة منيعة لمحمّد (ص) ولدعوته ، فعاودوا الاجتماع بأبي طالب والتحدّث معه ، وقالوا له :
«ندعوك إلى نَصَفَة؛ هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أحسن قريش وجهاً، وأكملهم هيئة، فخذهُ وصيِّرهُ ابنك، وصيِّر إلينا محمّداً نقتله . فقال : (ما أنصفتموني، أدفع إليكم ابني تقتلونه ، وتدفعون إليَّ ابنكم أغذوه ) » (60).
إنّه لمنطق هزيل متخلِّف ، وطريقة ساذجة للتعامل مع الحدث الكبير ، يكشف عن تخلّف قريش في التعامل مع الرِّسالة والانقلاب العقائدي والحضاري الشامل الّذي دعا إليه محمّد (ص)، ويُنبئ بسقوط هذه العقلية ، ويحكم بأنّ المرحلة التأريخية قد تجاوزتها ، وليس بوسعها أن توقف الثورة الفكرية والاجتماعية الالهيّة الكبرى .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:26 AM
الاِسراء والمعراج
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الاَْقْصَى ا لَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) . (الاسراء / 1)
حادثة الاسراء (61) والمعراج من الحوادث المعجزة الّتي اُعطِيَت لِنبيّ الرّحمة ومنقذ البشرية محمّد (ص) ، وقد اختلف المؤرّخون في الزّمن الّذي وقعت فيه هذه المعجزة الكبرى ، كما اختلفوا في مكان الانطلاق .
وفي ذلك يتحدّث ابن الاثير ويقول :
« اختلف الناس في وقت المعراج فقيل : كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل بسنة واحدة ، واختلفوا في الموضع الّذي اُسري برسول الله (ص) منه ، فقيل : كان نائماً بالمسجد في الحجر ، فاُسري به منه ، وقيل : كان نائماً في بيت اُمّ هانئ بنت أبي طالب » (62).
وكما اختلف المؤرّخون في زمان الاسراء ومكانه ، فقد اختلف العلماء وأصحاب الرأي في كيفية المعراج ، فذهب بعضهم إلى أنّه معراج روحي ، وقال آخرون : إنّ رسول الله (ص) عرج إلى السماوات العُلى بروحه وبدنه .
والّذي يتأمّل آية الاسراء الكريمة ينكشف له أنّ الله قد أسرى بشخص الرّسول الكريم (ص) وليس بروحه مجرّدة عن الجسد ، فالآية صريحة في دلالتها : أنّ الله أسرى بعبده ، وليس بروحه ، كما أنّه أسراء ، وليس رؤيا صادقة كما يقول البعض .
ويذهب معظم المسلمين إلى القول بأنّ الله سبحانه أسرى برسوله الكريم بروحه وبدنه إلى السماوات العُلى ليرى آيات ربّه الكبرى ، المتجلِّية في تلك العوالم ، ولم يخالف هذا الرأي إلاّ قليل من المسلمين ، مثل بعض الفلاسفة والمعتزلة .
نقل لنا ابن إسحاق في هذا الشأن ما نصّه :
«وحدّثني بعض آل أبي بكر : أنّ عائشة زوج النبيّ (ص) كانت تقول : ما فُقِدَ جسد رسول الله (ص) ولكن الله أسرى بروحه ، قال ابن إسحاق وحدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس أنّ معاوية بن أبي سفيان كان إذا سُئِلَ عن مسرى رسول الله قال : كانت رؤيا من الله تعالى صادقة » (63).
أمّا أتباع مدرسة أهل البيت (ع) ، فيُحدِّثنا عن معتقدهم في هذه المسألة أحد أكابر علمائهم السيِّد عبد الله شبّر :
«والّذي عليه الامامية انّه كان ببدنه الشريف لا بالروح فقط ، وفي اليقظة لا في المنام ، وإلى السّماء لا إلى المسجد الاقصى فقط ، والاخبار الواردة بذلك عن العترة الطّاهرة متكاثرة متضافرة مذكورة في مظانها » (64).
كما يرجِّح كثير من الباحثين أنّ الاسراء كان قبل الهجرة النبويّة في حين يرى البعض حدوثه بعد الهجرة ، ويرجِّح عبد الله شبّر أنّ المعراج وقع قبل الهجرة :
« واعلم أنّ المشهور أنّ المعراج وقع قبل الهجرة » (65).
إنّ حادثة الاسراء والمعراج كانت لها أهداف ونتائج عقائدية كبرى تجلّت في تمحيص الناس والكشف عن مدى اليقين والثبات على الايمان بنبوّة محمّد (ص) ، فقد ذكر المؤرِّخون أنّ الرسول عندما اُسرِي به من المسجد الحرام في مكّة إلى المسجد
الاقصى في فلسطين ، اهتزّ بعض المسلمين واضطرب ضعاف الايمان ، فارتدّوا عن الاسلام ، ولم يثبت إلاّ من رسخ الايمان في نفوسهم .
واستغلّت قريش جهل الناس وعجزهم عن فهم المعجزة وعظمة الخالق وقدرته ، فراحوا يشكِّكون في صدق محمّد (ص) ، فطلبوا منه أن يثبت لهم ذلك بأدلّة حسِّيّة ، فأخبرهم الرّسول (ص) بأنّه شاهد قافلة متوجِّهة إلى مكّة يتقدّمها جمل أورق ، وحدّد لهم وقت وصولها ، فخرجوا ينتظرون قدوم القافلة ، فجاءت في الموعد الّذي ذكر لهم ، يتقدّمها الجمل الاورق ، وطلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس ، ولم يكن قد رآه من قبل ، فوصفه لهم وصفاً دقيقاً ، فبهت الّذي كفر .
وممّا يجدر ذكره أنّ الاسراء قد حصل من المسجد الحرام في مكّة إلى المسجد الاقصى في فلسطين ، وقد تحدّثت عنه آية الاسراء في سورة الاسراء .
أمّا المعراج فقد حدث في ليلة الاسراء من المسجد الاقصى إلى السّماوات العُلى ، وقد تحدّثت سورة النجم عن هذه المعجزة الكبرى :
(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالاُْفُقِ الاَْعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَـيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّـدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ا لْكُبْرَى ).(النّجم/1ـ18)
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:27 AM
وأنذر عشيرتك الاقربين
وتلاحقت الاحداث بعد الاعلان عن الدعوة ، وانتشر خبرها ، وتحدّث الناس بها ، وتهيّأ الجو النفسي والفكري العام لتوجيهها بصورة عامّة ، ومخاطبة الناس بها ، فأمر الله نبيّه (ص) أن يخاطب عشيرته ، ويدعوهم إلى الاسلام ، ليكوّن له قاعدة شعبية، وحماية اجتماعية، وليُلقي الحجّة عليهم بالّتي هي أحسن، فأنزل الله تعالى الآية المباركة : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ ) والّتي افتتحت بداية مرحلة جديدة من التحوّل في حياة الدعوة إلى الاسلام واُسلوب المخاطبة ، ووضع طواغيت قريش في الموضع الضعيف أمام الرأي العام المكّي خاصّة والعربي بصورة عامّة .
لقد أصبحت قريش هدفاً لدعوة الاسلام ، ومساحة للتحرّك وتوجيه الضربات .
فاختار النبيّ (ص) اُسلوباً اجتماعياً وجوّاً عاطفياً ونفسياً مؤثِّراً ، ودعا بني هاشم وهم سـادة قريش ، فاجتمعوا في دار الحارث بن عبد المطلـب بن هاشم وهو من وجوههم وزعمائهم ، وكان فيهم أبو لهب وأبو طالب ، وهما من أعمام النبيّ (ص) ، وأمر عليّ بن أبي طالب أن يصنع طعاماً (66) للحاضرين ففعل، لقد اجتمع الحاضرون وتناولوا الطعام ، عشرة بعد عشرة ثمّ انعقد الاجتماع وتحدّث رسول الله (ص) وشرح لهم مبادئ الاسلام ، وأهداف الدعوة ، وما أمره الله به من إنذارهم ، وتكريمهم إن استجابوا وأسلموا ، فتصدّى له أبو لهب بالردّ والرّفض محرِّضاً بني هاشم عليه (ص) ، وداعياً إلى تطويقه والاخذ على يده:
« خذوا على يَدَي صاحبكم قبل أن يأخذ على يدهِ غيرُكُم ، فإنْ منعتموه قتلتم ، وإن تركتموه ذللتم » (67).
انتهى خطاب أبي لهب وتحريضه واستفزازه ، فتصدّى له أبو طالب الّذي ما برح يسند محمّداً (ص) ، ويدافع عن دعوته ، وهاجمه هجوماً عنيفاً ، معلناً وقوفه إلى جانب محمّد (ص) وداعياً إلى نصرته وتأييده:
« يا عورة ! والله لَنَنْصُرَنّه ، ثمّ لَنُعينَنّه »(68).
بعد ذلك وجّه خطابه إلى محمّد (ص) وبنو هاشم تنصت للخطاب :
«يا ابن أخي! إذا أردت أن تدعو إلى ربِّك فأعلمنا حتّى نخرج معك بالسلاح»(69).
فقد تطوّر الموقف ، ودخل الصِّراعَ بهذا الاجتماع عنصر جديد ، وكسبت الدعوة إلى الاسلام هذا الحدث الاعلامي الخطير ، والموقف المؤيّد من أبي طالب والتهديد باستخدام السلاح لنصرتها .
ولم تنتهِ مكاسبُ هذا الاجتماع التأريخي الخطير في حياة الدعوة بهذا وحسب ، بل وخرج الاجتماع بمكاسب اُخرى وتحوّل كبير، «ويومئذ أسلم جعفر بن أبي طالب، وعبيدة بن
الحارث ، وأسلم خلق عظيم ، وظهر أمرهم وكثرت عدّتهـم ، وعاندوا ذوي أرحامهم من المشركين »(70).
وفي هذا الاجتماع وقف الرّسول (ص) بعد أن دعاهم إلى نصرته فقال (( فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم)) ، فلم يجب أحد منهم ، فقـام عليّ (ع) فقال : «أنا يا رسول الله اُؤازرك على هذا الامر» ، فقال : «اجلس» . فأعاد الرّسول (ص) القول ثانية ، وصمت القوم وأجابه عليّ ثانية . ثمّ أعاد (ص) القول ثالثة ، فلم ينطق أحد منهم بحرف ، فقام عليّ فقال : «أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الامر» ، فقال : «إجلس فأنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي»(71).
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:27 AM
الارهاب والتعذيب
وتصاعدت المحنة واشتدّ أذى قريش ، فاستخدمت أساليب الارهاب والتعذيب ، ومع كل ذلك فمحمّد (ص) والّذين معه أشدّاء أقوياء لا تزعزعهم وسائل الارهاب ، ولا تثنيهم وحشية التعذيب ، غير نفر قليل من ضعفاء الايمان وقلقي المعتقد ، يعدّون على الاصابع ، قد تساقطوا في المحنة ، وعجزوا عن مسايرة الركب العقيدي المتأ لِّق ، وبدأت المواجهة الملتهبة ، وهجمت قريش على ضعاف المسلمين من أبناء مكّة وممّن أسلموا من العبيد ، وتابعوا محمّداً (ص) . لقد تحدّث التاريخ عن تلك الملحمة القاسية الرهيبة فسجّل بفخر واعتزاز صمود أصحاب محمّد (ص) وثباتهم على منهج الدعوة ومواصلة السير في الطريق ذات الشوكة ، وهذا ابن الاثير يحدّثنا عن تعذيب المستضعفين بقوله :
« وهم الّذين سبقوا إلى الاسلام ولا عشائر لهم تمنعهم ولا قوّة لهم يُمنعون بها ، فأمّا من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفّار إليه ، فلمّا رأوا امتناع مَن له عشيرة وَثَبَت كلّ قبيلة على مَن فيها من مستضعفي المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذِّبونهم بالضّرب والجوع والعطش ورمضاء مكّة والنار ليفتنوهم عن دينهم ، فمنهم مَن يُفتتن من شدّة البلاء وقلبه مطمئن بالايمان، ومنهم مَن يتصلّب في دينه ويعصمه الله منهم»(72).
إنّ قراءة تحليلية فاحصة في أسماء الّذين عذّبوا من الرجال والنِّساء تكشف لنا أنّ الّذين سارعوا إلى الدخول في الاسلام هم المستضعفون والعبيد لما وجدوا فيه من حريّة وكرامة ودعوة للهُدى والرّشاد ، كما سارعت المرأة إلى التصديق بالدعوة والمشاركة في الجهاد والثبات .
يُبرِزُ التأريخ صوراً لاُولئك الصابرين فيذكر بلالَ بن رباح الحبشي ، بلالاً الّذي كان عبداً مملوكاً لاُمَيّة بن خلف الجُمَحي ، فاستنشق عبق الحرِّيّة والكرامة المفقودة واستنشقها في مبادئ الاسلام وقيمه السّامية ، فالتحق بالركب وواصل المسير .
لقد اطّلع اُمَيّة بن خلف على ذلك ، فراح يُعذِّب بلالاً: « فكانت إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرّمضاء على وجهه وظهره ، ثمّ يأمر بالصخرة العظيمة فتُلقى على صدره » (73).
ويستمرّ اُمَيّة بن خلف في تعذيب بلال ، ويستمرّ بلال على صموده وتحدِّيه ، فيُخيَّر بين أن يكفر بتوحيد الله وبنبوّة محمّد (ص) ، وبين أن يموت تحت الصخرة وعذاب الطّغاة ، فيتعالى صوته ، وتُستَنفَرُ قُوى التحدِّي في إرادته فينادي : « أحد أحد » .
ويُسلِم حليف بني مخزوم ياسر وابنه عمّار وزوجته سميّة ، الاُسرة المستضعفة البائسة الّتي دخلت الاسلام في المرحلة السرِّيّة ، أمّا الآن فقد انكشف إسلامهم وعرف الاسياد والطّغاة بذلك ، « فكانوا يُخرِجوَن عمّاراً وأباه واُمّه إلى الابطح إذا حميت الرّمضاء يعذِّبونهم بحرِّ الرّمضاء ، فمرّ بهم النبيّ (ص) فقال : (صبراً آل ياسر ، فإنّ موعدكم الجنّة)، فمات ياسر في العذاب ، وأغلظت امرأته سميّة بالقول لابي جهل، فطعنها في قُبْلِها بِحَرْبَة في يديه فماتت ، وهي أوّل شهيدة في الاسلام ، وشدّدوا العذاب على عمّار بالحرِّ تارة ، وبوضع الصّخرِ على صدره اُخرى وبالتغريق اُخرى » (74).
ويُعذّبُ خَبّاب بن الارَت التميميّ ، وكان أبوه من السّبايا الّذين بيعوا في مكّة ، وهو من المسلمين الاوائل الّذين بادروا إلى التصديق بمحمّد (ص) : « فأخذه الكفّار وعذّبوه عذاباً شديداً ، فكانوا يُعَرّونه ويُلصِقون ظهره بالرّمضاء ثمّ بالرّضْفِ ـ وهي
الحجارة المحمّاة بالنار ـ ولووا رأسه ، فلم يُجِبهُم إلى شيء ممّا أرادوا منه » (75).
ومن الّذين عُذِّبوا واُوذوا في الله هو صهيبُ بن سنان الروميّ وعامر بن فهيرة الّذي كان
مولى الطفيل بن عبد الله الازدي ، ومن اُولئك المعذّبين الصابرين هو أبو فكيهة ، وقد كان عبداً لصفوان بن اُميّة بن خلف الجمحي : « فأخذه اُميّة بن خلف وربط في رجله حبلاً وأمر به فجرّه ثمّ ألقاه في الرمضاء ، ومرّ به على جُعل ، فقال له اُميّة : أليس هذا ربّك ؟ فقال : الله ربّي وربّك وربّ هذا ، فخنقه خنقاً شديداً ، ومعه أخوه اُبي بن خلف يقول : زِدْهُ عذاباً حتّى يأتي محمّد فيخلِّصه بسحره ، ولم يزل على تلك الحال حتّى ظنّوا أنّه قد مات ، ثمّ أفاق ، فمرّ به أحد المسلمين فاشتراه وأعتقه. وقيل إنّ بني عبدالدار كانوا يضربونه ، وانّما كان مولى لهم ، وكانوا يضعون الصخرة على صدره حتّى دلع لسانه فلم يرجع عن دينه »(76).
وليست المؤمنة الشهيدة سميّة هي المرأة الوحيدة الّتي دخلت ملحمة الصِّراع ، وتحدّت إرهاب الطّغاة ، بل وهناك نساء خالدات في سجل الدعوة والجهاد . فها هي (النّهديّة) مولاة لبني نهد الّتي امتلكتها فيما بعد امرأة من بني عبدالدار تُنزِل بها مولاتها أشدّ العذاب ، وتقول لها : « لا أترك عذابك حتّى يشتريك بعض أصحاب محمّد » ، فيشتريها أحدهم ويُعتِقُها من العبوديّة .
وتلك (لبيبة) جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب ، يُنزِل بها عمر بن الخطّاب (قبل اسلامه)(77) أشدّ ألوان العذاب ثمّ يتركها ، ويقول لها : « إنِّي لم أدعك إلاّ سآمة ، فتقول له : كذلك يفعل الله بك »(78) .
وزنّيرة : المرأة الّتي فقدت عينيها بالتعـذيب ، كانت مملوكة لبني
عدي أو لبني مخزوم ، فكان عمر بن الخطاب يعذّبها ، أو كان أبو جهل هو الّذي يمارس التعذيب الوحشي معها، لقد ردّ الله عليها بصرها، فقال المشركون هذا من سحر محمّد (ص)(79).
وكانت اُمّ عبيس أو (اُمّ عنيس) أمة لبني زهرة ، فكان الاسود بن عبد يغوث يعذِّبها فاشتراها أحد المسـلمين وأعتقها(80). وهكذا يدوِّن التاريخ صوراً من تلك الملحمة الخالدة ، الّتي انتصرت فيها الارادة الحرّة ، وكلمة التوحيد، وقيم الهُدى ، على الارهاب والتعذيب والخرافة .
إذن فلنعِ حركةَ الصِّراع ، وعظمةَ الرّوح الّتي وهبها الاسـلام لاتبـاعه ، والقوّة المعنويّة الّتي صنعت تاريخ الاسلام ، وشادت أركان حضارة التوحيد الخالدة .
إنّ تلك الدروس لهي المعالم الدالّة للانسان المسلم ، والمربّي له ، كلّما وجد نفسه في مواجهة الردّة والجاهليّة
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:28 AM
إلى الحبشة
وحين رأى الرسول (ص) إصرار قريش وعنادها ، واستعمالها الوسائل الارهابية والوحشـية في محاربة الاسـلام والفئة المسـلمة الّتي آمنت به وصبرت على الاذى والاضطهاد ، أمرهم بالبحث عن أرض جديدة والفرار بدينهم ، والابتعاد عن الظلم والارهاب ، وحدّد لهم الهجرة إلى أرض الحبشة ، على أن يبقى هو يواصِل دعوته ويصبر كما صبر اُولو العزمِ من الرّسـل بحمـاية عمّه أبي طالب ، الّذي كان زعيماً لقريش وسيِّدها المعظّم ، والّذي تعهّد للرّسول بالحماية والدِّفاع عنه .
وقد سجّل المؤرّخون قرار الهجرة وثبّتوه في وثائق التأريخ أسطراً لامعة في تأريخ الكفاح والثبات على المبدأ .
« ولمّا رأى رسول الله (ص) ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عزّ وجلّ ، وعمّه أبي طالب ، وأنّه لا يقدر على أن يمنعهم ، قال : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإنّ فيها ملكاً لا يُظلم أحدٌ عنده ، حتّى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً ممّا أنتم فيه . فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة وفراراً بدينهم ، فكانت أوّل هجرة في الاسلام » (81).
وهكذا استقرّ الرأي على الهجرة وارتياد طريق الجهاد والثّبات على المبدأ باُسلوب آخر وبتوجيه الرّسـول القائد (ص) ، فهاجر بعد اتخاذ الرّسـول (ص) هذا القرار ، عشرة رجال وأربع نسوة بقيادة عثمان بن مظعون (82).
وبدأت الهجرة في رجب في السنة الثانية بعد إعلان الرسول لدعوته المباركة وهي السنة الخامسة من البعثة النبويّة .
سار الجمع المهاجر إلى أرض الحبشة ، فوصلها وأقام فيها شعبان ورمضان ، ثمّ عادوا مرّة اُخرى إلى مكّة المكرّمة ، بعد أن اُشيع أنّ قريشاً قد صالحت المسلمين وتحسّنت علاقاتها بهم فوصلوها في شهر شوال من السنة ذاتها (83).
ولم يستطيعوا الدخول إلى مكّة لتوتّر الموقف فيها وشدّة الارهاب والقسوة الّتي أعلنتها قريش ضدّ المسلمين، إلاّ بجوار وحماية من بعض شخصيات مكّة ورجالاتها .
استمرّ الرسول يواصل الدعوة والجهاد ومعه الفئة المؤمنة الصابرة لتغيير المجمتع المكّي الجاهلي واجتثاث جذور الفساد والكفر والطغيان . واستمرّت قريش وقادة الشِّرك والجاهلية على عنادها وتعذيبها للمسلمين واضطهادها ومحاربتها لهم . فأمر
الرّسول (ص) أصحابه بالهجرة والعودة إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب مرّة ثانية ، فاستجاب وواصل طريق الهجرة ، وتتابع المسلمون بعده بالهجرة إلى الحبشة حتّى بلغ عددهم اثنين وثمانين رجلاً .
وكما أصابت المحنة الرجال المسلمين ، كذلك شاركت النِّساء بنصيب وافر في الدعوة إلى الاسلام والجهاد في سبيله، فهاجر بعضهنّ مع أزواجهنّ المهاجـرين في المرّة الاُولى والثانية ، كرقيّة زوجة عثمان بن عفّان ، وسهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة بن عتبة ، واُمّ سلمة بنت أبي اُميّة زوجة أبي سلمة بن عبد الاسد (التي تزوّجها رسول الله فيما بعد) ، وليلى بنت أبي حُثْمة زوجة عامر بن ربيعة (84) ، وهاجرت نساء اُخريات في المرّة الثانية مع أزواجهنّ وشاركن في الهجرة والجهاد والصبر على الاذى والتغريب والبُعْد عن الاهل والاوطان، كأسماء بنت عميس زوجة جعفر ابن أبي طالب ، واُمّ حبيبة بنت أبي سفيان (التي تزوّجها رسول الله فيما بعد) ، وبركة بنت يسار ، واُمّ حرملة ، وريطة بنت الحارث ، وأم سلمة بنت أبي اُمية (التي تزوجها رسول الله (ص) فيما بعد)، وأمثالهنّ .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:29 AM
المُلاحَقـة
استقرّ المسلمون في الحبشة ، وكان ملكها النجاشي على دين عيسى ، ملكاً عادلاً يحمي الجوار ، فاطمأنّ المسلمون بجواره واستقرّوا بأرض الحبشة ، فخافت قريش من امتداد الدعوة الاسلامية ، وانتشار وجودها ، وحصولها على حماية دولة مناصرة قويّة ; لذلك أوفدت شخصين ممّن تعتمدهم إلى النجاشيّ ملك الحبشة للتفاوض معه وإقناعه بالتخلِّي عن حماية المهاجرين وتسليمهم إلى قريش لتعذيبهم وإرغامهم على التخلِّي عن دينهم، فوقع اختيارهم
على بحيرى بن أبي ربيعة (85) وعمرو بن العاص ، فأرسلوهما إلى النجاشي ملك الحبشة وحمّلوهما الهدايا الثمينة له ولرجال السّلطة وأعيان الدولة والبطارقة .
وصل مبعوثا قريش إلى النجاشي وقدّما الهدايا إليه وإلى أعيان دولته وحاشيته وبطارقته ، ثمّ فتحا حواراً معه نقلته إحدى المهاجرات المؤمنات ، وهي اُمّ سلمة زوج أبي سلمة عبد الاسد بن هلال بن عبد الله آنذاك ، فقالت بعد وصف لاوضاع المهاجرين الطيّبة وحياتهم المستقرّة بجوار النجاشي :
« قدّما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ، ثمّ كلّماه ، فقالا له : أيُّها الملك إنّه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومِهِم مِن آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ، قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي » (86).
وما أن أنهى المبعوثان كلامهما حتّى عقّب البطارقة الّذين كانوا حول النجاشي والّذين روّضت مشاعرهم ومَلَكَت نفوسَهم الهدايا الّتي تسلّموها ، عقّبوا بالتأييد وطلبوا من النجاشي الاستجابة إلى الطلب وتسليم المهاجرين إلى قريش .
إلاّ أنّ النجاشي كان رجل دهاء وبصيرة ، وصاحب قيم ومقاييس أخلاقية ، فلم يخضع لاقتراح الحواشي ، ولم يستجب لضغط النفوس الضعيفة الّتي تأثّرت بالهدايا ورضيت بالمال مقابل التنازل عن القيم والخلق الرفيع ، فغضب مما سمع وقال :
« لاها الله إذن لا اُسلِّمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَن سواي حتّى أدعـوهم فأسـألهم عمّا يقول هذان في أمـرهم ، فإنْ كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم ، وإنْ كانوا على غير ذلك منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ما جاوروني »(87).
طلب النجاشي حضور جعفر بن أبي طالب وأصحابه في مجلسه ، ثمّ دعا أساقفته فحضروا مجلس الحوار والمناظرة وقد نشروا مصاحفهم حوله، وبدأ الحوار العقائدي مع المهاجرين
للتعرّف على عقيدتهم ودعوتهم وأسباب هجرتهم وملاحقة قريش لهم ، وكان المتكلّم جعفر بن أبي طالب ، قالت اُمّ سلمة :
« ثمّ أرسل إلى أصحاب رسول الله (ص) فدعاهم ، فلمّا جاءهم رسولُهُ اجتمعوا ، ثمّ قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما عَلِمْنا وما أمَرَنا به نبيّنا (ص) كائناً في ذلك ما هو كائن ، فلمّا جاؤوا ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ما هذا الدِّينُ الّذي قد فارقتم فيه قومَكُم ، ولم تَدخُلوا به في ديني ، ولا في دينِ أحد مِن هذه الملل ؟ قالت : فكان الّذي كلّمه جعفر بن أبي طالب (رضوان الله عليه) ، فقال له : أيُّها الملك ! كنّا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبدُ الاصنامَ ، ونأكل الميتةَ ، ونأتي الفواحِشَ ، ونقطعُ الارحامَ ، ونُسيءُ الجوارَ ، ويأكلُ القويُّ منّا الضعيفَ ، فكنّا على ذلك ، حتّى بعثَ اللهُ إلينا رسولاً منّا ، نعرفُ نسبَهُ وصِدقَهُ وأمانَتَهُ وعفافَهُ ، فدعانا إلى اللهِ لنوحِّدَهُ ونعبدَهُ ونخلَعَ ما كنّا نعبدُ نحنُ وآباؤنا من دونِهِ مِنَ الحجارةِ والاوثانِ ، وأمرنا بصدقِ الحديثِ ، وأداءِ الامانةِ ، وصِلَةِ الرَّحمِ ، وحُسْنِ الجوارِ ، والكفِّ عَنِ المحارِمِ والدماءِ ، ونهانا عن الفواحِشِ ، وقَولِ الزّورِ ، وأكلِ مالِ اليتيمِ ، وقذفِ المحصناتِ ، وأمَرَنا أن نعبدَ الله وحدَه لا نُشرِكُ بهِ شيئاً ، وأمَرَنا بالصّلاةِ والزّكاةِ والصِّيامِ .
قالت : فعدّد عليه اُمور الاسلام وقال : فصدّقناهُ وآمنّا بهِ ، واتّبعناهُ على ما جاءَ بهِ مِن اللهِ ، فَعَبَدْنا اللهَ وحدَهُ فلم نُشرِكْ بِهِ شَيْئاً ، وحَرَّمْنا ما حَرَّمَ علَينا ، وأحْلَلْنا ما أحَلَّ لَنا ، فَعَدا علينا قومُنا ، فَعذّبونا وفَتَنونا عن ديننا ، لِيَرُدّونا إلى عبادةِ الاوثانِ مِن عبادةِ الله تعالى ، وأن نستحلَّ ما كنّا نستحلُّ مِنَ الخبائثِ ، فلمّا قهرونا وظلمونا وضَيّقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خَرَجْنا إلى بلادك ، اخْتَرْناكَ على مَن سواكَ ورغبنا في جوارِكَ ، ورَجَوْنا أنْ لا نُظْلَم عندك أيُّها الملكُ؟ قالت : فقال له
النجاشي : هَلْ معكَ ممّا جاءَ بِهِ عنِ الله مِنْ شيء ، قالت : فقال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ ، قالت : فقرأ عليه صدراً من : (كهيعص ) قالت : فبكى والله النجاشي حتّى اخضلّت لحيتُهُ، وبَكَتْ أساقِفتُهُ حتّى أخضلّوا مصاحفهم ، حين سمعوا ما تلا عليهم ثمّ قال لهم النجاشي : إنّ هذا والّذي جاءَ به عيسى ليخرج مِن مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا اُسلِّمهم إليكما ولا يُكادون » (88).
وهكذا انتصر الحق والعقل والمنطق السليم على الكذب والتضليل والتهم الملفّقة ، وتعزّز موقع المهاجرين ، وخرج مبعوثا الشرك والجاهلية يجرّان أذيال الخيبة ، إلاّ أنّهما حاولا الكيد مرّة اُخرى .
فعاد عمرو بن العاص إلى النجاشي في اليوم الثاني وطلب منه أن يسأل المسلمين عن عقيدتهم في عيسى بن مريم (ع) ظنّاً منه أنّهم سيختلفون معه في العقيدة والتفكير ، فأرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب ، فسأله عن عقيدة المسلمين بالمسيح (ع) فقال جعفر : « نقول فيه الّذي جاءنا به نبيّنا محمّد (ص) : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت اُمّ سلمة : فضرب النجاشي بيده إلى الارض فأخذ منها عوداً ثمّ قال : والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود » (89).
وهكذا فشلت خطّة تسليم المهاجرين وتشويه سمعتهم وعاد مبعوثا قريش يجرّان أذيال الخيبة ، وبقي جعفر وأصحابه ينعمون برعاية النجاشي الّذي تأثّر بمبادئهم وشدّد عنايته ورعايته لهم ، حتّى أنّ الاحباش على ما يروي بعض المؤرِّخين اتّهموه بتغيير دينه فثاروا عليه بعد فترة من الزمن ، فوجّه اهتمامه ورعايته للمهاجرين ، فأرسل إليهم سُفُناً ليركبوا فيها ويبحثوا عن أرض اُخرى إن هو خسر المعركة مع المعارضين للحفاظ عليهم ، ولئلاّ يقعوا بيد المعارضة المعادية له ولهم ، ولكن شاء الله
أن ينتصر ويبقى جعفر وبعض المهاجرين معه حتّى غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة النبويّة ، فالتحق برسول الله (ص) بالمدينة المنوّرة هو وأهله وأولاده وأصحابه ، التحق مجاهداً شجاعاً ، وقائداً فذّاً ، فكان رسول الله (ص) يوم استقبله يقول :
« والله ما أدري بأيّهم أنا أشدّ سروراً ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر » (90).
وقد استشهد هذا المهاجر والقائد الشجاع في السنة الثامنة من الهجرة في غزوة مؤتة في الشام عندما غزوا الروم فيها ، وهو يحمل راية الجهاد والقيادة .
تلك صفحة مُشرِقة من صفحات الجهاد والشهادة ، افتتحها جعفر بن أبي طالب والفئة المهاجرة ليكونوا قدوة للمسلم ، ومثلاً أعلى له في الهجرة والجهاد والثبات على المبدأ ، مهما تتراكم المحن وتشتدّ ضراوة الطغاة ، وتضيق مسالك الكفاح .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:29 AM
الحصار والمقاطعة
بعد سنين من الكفاح والمواجهة رأت قريش أنّ محمّداً مصرّ على دعوته وأن وسائل الارهاب والتعذيب والحرب النفسية والدعائية قد فشلت كلّها ، وانّ أبا طالب ومعه بنو هاشم ما زالوا يقفون بكلّ قوّة وصلابة إلى جانب محمّد (ص)، والاساليب كلّها قد فشلت في مواجهة الدعوة
وتحجيم مساحتها ، ولم يجد الطواغيت غير أسلوب الحصار الاقتصادي والمقاطعة الاجتماعية ، فاجتمع زعماء قريش وقرّروا أن يقاطعوا أبا طالب وبني هاشم ومحمّداً ، مقاطعة اقتصادية واجتماعية ، ويكتبوا عهداً بذلك ، فكتبوا صحيفة العهـد الظالم هذا « وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة خلال محرّم سنة سبع من النبوّة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه إلاّ أبا لهب فكان مع قريش » (91).
تحدّث اليعقوبي المؤرِّخ عن محتوى هذا القرار الآثم ، فقال :
« فلمّا علمت قريش أنّهم لا يقدرون على قتل رسول الله (ص) وأنّ أبا طالب لا يسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة : ألاّ يبايعوا أحداً من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتّى يدفعوا إليهم محمّداً فيقتلوه ، وتعاقدوا على ذلك ، وتعاهدوا ، وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً ، وكان الّذي كتبها منصور ابن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار فَشُلَّتْ يده ، ثمّ حَصَرَتْ قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف في الشِّعْب ، الّذي يُقال له شِعْب بني هاشم بعد ست (92) سنين من مبعثه » (93).
هكذا دخلت الدعوة إلى الاسلام مرحلة جديدة من مراحل الكفاح والامتحان الصعب والمواجهة الحادّة ، بعد أن حُصِرَ رسول الله (ص) ومَن معه في ذلك الشِّعْب الموحِش المجدِب .
لقد استمرّ الحصار وطال حتّى أنفق أبو طالب ومحمّد (ص) مالهما ، كما أنفقت خديجة المرأة الثريّة أموالها الطائلة في هذا الحصار الاقتصادي الظالم ، واشتدّ خلاله الخَطْبُ على المسلمين ، وراحوا يُعانون الجوعَ والاذى ، ويأكلون نباتاتِ الارض ، ولم يكنْ يصلُ إليهم شيء من الطعام ، واستمرّ هذا الحصار ثلاث سنوات تقريباً .
وحين اشتدّ العُسرُ والاذى، وصبرَ المسلمون، جاء الفرجُ واليُسرُ، وتدخّل النصر الالهي ، فأرسلَ الله (حشرةَ الاَرْضَةِ) على الصحيفة فأكلت كل ما كُتِبَ فيها عدا ما كان فيها من اسم الله سبحانه ، فهبط جبريل (ع) وأخبر محمّداً (ص) بذلك .
تلقّى النبيّ محمّد (ص) هذا النصر الالهي العـظيم ، والمعجزة الدّامغة على صدق نبوّته واطّلاعه على الغـيب ، وتأييد الله له ، تلقّى ذلك النّبأ العظيم فخبّر أبا طالب
وأطلعَهُ على ما حدث للصحيفة الظالمة ، فتوجّه أبو طالب ومحمّد وبنو هاشم إلى البيت الحرام ليحدِّثوا طواغيت قريش بما أخبر به ربّ العزّة ، وليؤكِّدوا لهم بدليل آخر نبوّة محمّد (ص) واطِّلاعه على الغيب ، وقد رأوا النصر وتباشير الفرج ، وابتداء مرحلة جديدة من مراحل الدعوة وظهور منعطف تأريخي مميّز من منعطفات المسيرة الصاعدة .
« جلس أبو طالب بفناء الكعبة ، وأقبلت عليه قريش من كل أوب فقالوا : قد آنَ لكَ يا أبا طالب أن تذكر العهد ، وأن تشتاق إلى قومك ، وتدع اللّجاج في ابن أخيك ، فقال لهم : يا قوم أحْضِروا صحيفتكم فلعلّنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الارحام وتركِ القطيعة » (94).
لقد طلب أبو طالب احضار الصّحيفة ، وقلبه ممتلئ ثقة عظيمة بما أخبره به محمّد (ص) ، وعندما اُحْضِرت الصّحيفة ، نظر إليها أبو طالب فخاطب قومه متحدِّياً : هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها ، قالوا : نعم ، قال : فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟ قالوا : اللّهمّ ! لا .
قال : فإنّ محمّداً أعلمني عن ربِّه ، أنّه بعث الاَرْضَة فأكلت كلّ ما فيها إلاّ ذكر الله . أفرأيتم إن كان صادقاً ، ماذا تصنعون ؟ قالوا : نكفُّ ونُمسكُ ، قال : فإنْ كان كاذِباً دفعته إليكم تقتلونه ، قالوا : قد أنصفت وأجملت .
وبهت الطّـغاة ، واسـتولى عليهم الصّلف ، وأخذتهم العزّة بالاثم ، وكبر عليهم التسليم لهذه المعجزة الّتي أسقطت الحصار ، وأعطت دليلاً معجزاً على صدق النبوّة والدعوة ، فقالوا :
« ما هذا إلاّ سحر ، وما كنّا قط أجدّ في تكذيبه منّا ساعتنا هذه » (95).
إلاّ أنّ هذا الحدث العظيم لم يكن ليصادر بهذا الردّ التافه ، أو يواجه بتلك الاباطيل ، بل راح الناس يتفاعلون معه ، ويتأ ثّرون به وينشدّون إليه ، فأسلم اُناس كثيرون وصدّقوا هذه المعجزة الخالدة ، وفُكَّ الحصار وسقطت المؤامرة، وخرج محمّد (ص) ومن معه من الشِّعْبِ أعزّةً مُنتصِرين .
وهكذا حدثت النّقلة الثانية في حياة المسيرة الاسلامية في مكّة المكرّمة ، بعد أن كانت النقلة الاُولى في موقف بني هاشم في دار الحارث بن عبد المطلب بعد ما أمر الرسـول (ص) بإنذار العشـيرة ودعوة الاقربين . وفي كلّ نقلة تأريخية من هاتين النقلتين كان أبو طالب هو الدّعامة الاساس والقوّة المؤثِّرة في مسار الاحداث .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:30 AM
عام الحزن
انتهى الحصار وخرج رسول الله (ص) ومَن معه من هذه القطيعة منتصرين ظافرين، وشاء الله سبحانه أن يَتوفّى خديجة ، الزوجة المخلصة ، والمرأة العقـائدية الفذّة ، الّتي أنفقت أموالها وثروتها الطائلة من أجل نصرة الدعوة، وتأييد الرسالة ، حتّى غدت تبيتُ على جِلد شاة من شدّة الفقر والحاجة .
واجه رسـول الله (ص) موقفاً عاطفيّاً ونفسيّاً صعباً ، حين رأى خديجة تجود بنفسها وتلقي نظرات الوداع على مَن حولها ، لتستقبلها الجنان الخالدة ، حتّى عبّر عن ذلك بقوله : « بالكُرهِ منِّي ما أرى » .
لقد ماتت خديجة ، وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة للبعثة النبويّة بعد أن أمضت تلك السنين العشر مؤمنة صادقة مخلصة ، فكانت أوّل من آمنت به من النِّساء وصدّقته ، وصبرت معه على الاذى والاضطهاد . إنّها مثال المرأة المسلمة ، والزّوجة المخلصة .
وتوالت الاحزان والآلام على رسول الله (ص) فتُوُفِّي عمّه أبو طالب بعد وفاة خديجة بثلاثة أيّام فقط ، وعمره آنذاك ست وثمانون سنة (وقيل تسعون سنة) .
دخل رسول الله (ص) على أبي طالب وهو على فراش الموت ، فمسح جبينه أربع مرّات ثمّ خاطبه بقوله :
« يا عم ربّيتَ صغيراً، وكفلتَ يتيماً ، ونصرتَ كبيراً ، فجزاكَ الله عنِّي خيراً » (96).
وحين شُيِّعَ أبو طالب : « مشى (ص) بين يدي سريره ، وجعل يعرضه ويقول : (وصلتك رحمٌ ، وجُزيتَ خيراً) » (97).
لقد شعر الرسول (ص) بالحزن والالم وتكالب الاعداء ، وعظمة الخسارة بعد موت خديجة وأبي طالب ، فعبّر عن ذلك بقوله :
« اجتمعت على هذه الاُمّـة في هذه الايّام مصـيبتان ، لا أدري بأيّهما أنا أشدّ جزعاً »(98).
وحين فقدَ رسـول الله (ص) حمـاية أبي طالب وغطاءه الاجتماعي ، ونصرته المسلّحة تكالبت عليه الاعداء ، واشتدّ أذى قريش ، وحاولوا مراراً النيل منه ، والتآمر على حياته المباركة .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:31 AM
إلى الطّائف
توفِّي أبو طالب وخديجة الكبرى زوج رسول الله (ص) قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين ، بعد فكّ الحصار عن المسـلمين وخروجهم من الشِّعْب ، وبموت أبي طالب ، المحامي والمدافع عن الرسول ودعوته ، والّذي قال فيه رسول الله (ص) :
« ما نالت قريش منِّي شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب » (99).
اشتدّ أذى قريش ووحشيتها ضدّ رسول الله (ص) ودعوته وأصحابه ، فراح رسول الله (ص) يبحث عن أرض جديدة وعن محيط جديد ، راح يحمل دعوته ويُبشِّر برسالته بين قبائل العرب وأحيائها ، علّه يجد الاستجابة ، أو يحصل على التأييد والحماية ، وقد ارتأى أنْ يدعو قبيلة (ثقيف) ويعرض عليهم الدخول في الاسلام ، فتوجّه إلى ثلاثة من زعمائها وعرض عليهم الدخول في الاسلام ، مُبَشِّراً بمبادئ رسالته .
سخر زعماء الطائف من هذه الدعوة، واستخفّوا بشخص الرسول الكريم ورسالته وأسمعوه الكلمات الجارحة، ولم يكتفوا بموقف الرّفض والاستهزاء ، بل راحوا يؤلِّبون السّفهاء والصِّبيان ويحثّونهم على إيذاء الرّسول وإخراجه من قريتهم ، فهاج الغوغاء يرمون الرّسـول بالحجارة ، ويسدّون منافذ الطّرق ، ويُطاردونه في طرقات القرية ، ويُسمِعونه القول والكلمات الاثيمة .
تحمّل الرسول هذا الاذى والاستخفاف، بقلب النبوّة الكبير، وصبر صاحب الرسالة المؤمن بها، المتفاني من أجلها على ما أصابه من مشقّة وعناء في رحلة الدعوة والجهاد هذه .
فكان مثالاً للتضحية والصّبر على الاذى والاضطهاد والثّبات على الحق .
خرج الرّسول (ص) من الطائف وهو يعاني من معاملة أهلها وقد أرهقه المسير والمطاردة والاذى واُدْمِيَتْ قدماهُ ، حتّى وصل بسـتاناً (لعتبة وشيبة ابني ربيعة) وجلس تحت نخلة يناجي ربّه ويشكو إليه المحنة :
« اللّهمّ ! إليكَ أشكو ضَعْفَ قُوَّتي ، وقِلَّةَ حيلتي ، وهَواني على النّاسِ ، اللّهمّ ! يا أرحمَ الرّاحمين ، أنتَ ربُّ المستضْعَفين ، وأنتَ رَبِّي ، إلى مَنْ تَكِلُني ؟
إلى بعيد يَتَجَهَّـُمني ، أو إلى عدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أمْرِي ، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلا اُبالي ، ولكِنَّ عافِيَتَكَ هِيَ أوسَعُ ، إنِّي أعوذُ بِنورِ وَجْهِكَ الّذي أشْرَقَتْ بِهِ الظّلماتُ وَصَلَحَ عَلَيهِ أمرُ الدُّنيا والآخرةِ ، مِنْ أنْ تُنْزِلَ بي غَضَبَكَ ، أو تُحِلَّ بي سَخَطَكَ » (100).
يئس رسولُ الله (ص) من ثقيف ، وحاشاه أن ييأس من حمل الدعوة إلى الاسلام والاصرار على مواصلة المسيرة والتبشير بالرسالة ، فهو رغم ما عانى من أذىً وتعذيب واستهزاء كان راضياً مطمئناً ما دام عمله وجهاده ودعوته تُرضي الله سبحانه، فهو لا يخاف الاذى والملاحقة والاستهزاء، إنّما يخاف غضبَ الله وعدمَ رضاه.
وما دام قَدِ اطمأنّ إلى ذلك ، فهو يناجي ربّه ، ويعبِّر عمّا في نفسه بقوله : « إن لم يكن بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلا اُبالي » .
أثار المنظرُ المحزنُ والموقفُ الغريبُ شفقةَ وتعاطفَ صاحِبَي البستان ، فأرسلا مع غلام لهما ـ وكان اسمه (عدّاس) ويدين بدين النصرانية ـ عِنَباً إلى الرّسول الكريم .
تناول الرّسول (ص) العِنَب ، ومدّ يده ليأكل فقال : « بسم الله » .
فأثارت الكلمة استغراب عدّاس ، أثارته بما لها من معان عقائدية وتعبير سلوكي خاص ، وارتباط يُعبِّر عن روح وتفكير ربّاني ، غريب على عقـيدة أهلِ الطائف وتفكيرهم ، فقال :
(والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة) ، فسأله الرّسول (ص) : (من أيّ بلاد أنت وما دينُكَ ؟ ) ، فقال : ( أنا نصراني مِن أهل نينوى) ، فقال الرّسول (ص) : ( أمن قريةِ الرّجل الصّالح يونس بن متّى ؟ ) ، فاستغرب عدّاس القول ، وسأل الرّسول مندهشاً : (وما يُدريكَ ما يونس ؟ ) أجاب الرّسول (ص) : (ذاك أخي ، كان نبيّاً ، وأنا نبي) .
سُرّ عدّاس بما سمع وأثّر الموقفُ والحوارُ وشخصُ الرّسول (ص) في نفسه ، فراح يقبِّل يدي الرّسول ورجليه ، وعتبة وشيبة يرقبان الحوار ويرصدان الموقف ، فالتفت أحدهما إلى الآخر ، وهو يقول لصاحبه : (أمّا غلامُك فقد أفسَدَهُ عليك)(101).
حاول عتبة وشيبة أن يقنعا عدّاساً أن دينه خير من دين الاسلام ، ويحولا بينه وبين التأثّر بدعوة الرّسول فلم يفلحا .
لقد آمن عدّاس ودخل دين الاسلام، فعاد الرسول ولم يؤمن من أهل الطائف أحد غير عدّاس ، عاد وهو أشدّ عزيمةً وأقوى مَضاءً ، لا تهوله المواقف الشِّداد ، ولا تحول بينه وبين رسالته العوائق والاعداء .
عاد من الطائف وقد ثبّتَ أروعَ درس في تأريخ الجهاد والدعوة إلى الله سبحانه ، عاد ولم يستطع دخول مكّة إلاّ بحماية وجوار (المُطعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مُناف) الّذي أجاره ودافع عنه
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:31 AM
مرحلة جديدة
أصبح المقام صعباً في مكّة ، والصراع ضارياً بين رسول الله (ص) وأصحابه من جهة، وبين مشركي مكّة وقادة الشرك والجاهلية والطغيان من جهة اُخرى، والرّسول مُصِرٌّ على حمل الرِّسالة والاستمرار بالدعوة إلى الله سبحانه ، وهدم حصون الشِّرك ورموز الجاهلية ، واستئصال جذورها العقيدية والاخلاقية والاجتماعية لبناء الانسان الجديد والمجتمع الاسلامي السعيد .
لذا راحَ يعرض دعوته على القبائل وأحياء العرب ، ويتصل بالحجّاج ويفتح أمام دعوة الهُدى آفاق الامتداد والانتشـار ، فتهيّأت ظروف جـديدة ومجالات لتقبّل الاسلام وامتداد أنواره .
خرج رسول الله (ص) ليلتقي بالوافدين إلى مكّة لاداء فريضة الحجّ الّتي ألِفَها العربُ قبل الاسلام ، ليبلِّغ رسالته ، ويعرِّف بمبادئه وعقيدته .
وفي موضع يُدعَى العقبة كان اللِّقاء والمنعطف التأريخي الخطير والانقلاب في مسار الاحداث وتغيّرها لصالح الاسلام ونبيّه العظيم محمّد (ص) ، هناك وفي ذلك المكان المبارك التقى بسبعة رجال من الخزرج قادمين من يثرب لحجّ البيت الحرام .
إلتقى بهم وعَرَضَ عليهم رسـالته ودعـوته ، وكانوا وثنيِّين يجاورون اليهود ، ويتوعّدونهم بنبيّ يظهر منهم ينتصرون به عليهم ويقتلونهم (102).
ربط هذا الرّهط من الخزرج بين دعوة الرّسول (ص) وبين ما كانوا يسمعون من اليهود :
« إنّ نبيّاً يُبْعَثُ الآن ، نَتَّبِعُهُ ونقتُلُكُم معهُ قَتْلَ عاد وثمود » (103).
تأمّلوا فيما يقوله الرّسولُ (ص) بعد أنْ فتح الله أسماعَهُم لكلمة الهُدى ، فقال بعضهم لبعض :
« هذا واللهِ النبيُّ الّذي تَوَعَّدَكُم بِهِ اليَهودُ » (104).
لقد انفتحت قلوبهم لدعوة رسول الله (ص) ، فصدّقوه وآمنوا به ، وهُم يَرجونَ أن ينصرهم الله به بنصرهم له ، فقد وجدوا فيه ضالّتهم المنشـودة ، وأملهم المفقـود، لا فقد كانوا يعيشـون حالة من التمزّق والخلاف ـ قبيلتا الاوس والخزرج ـ وهم يبحثون عن القائد والرّائد الّذي يستأصل هذا الصِّراع المرير والخلاف المستعصي بينهم ، ويجمع كلمتهم ويُنقذهم من الحروب والفتن وحالة التمزّق والضّياع ، لذلك قالوا للنبيّ (ص) :
« إنّ بين قومِنا شرّاً ، وعسَى الله أن يجمعهم بك ، فإنِ اجتمعوا عليك فلا رجلَ أعزُّ منك » (105).
عاد الرِّجـال الطلائع ، وهم يحملون البُشرى ومشعل النور والهداية لقومهم ، فراحوا يُبشِّرون بالرِّسالة ، ويُعرِّفون بمبادئ الدعوة الالهيّة .
فاستقبلت يثرب هذه الدعوة بالقبول والتصديق، وأخذ الاسلام طريقه إلى النفوس، وراحت مجالس المدينة ونواديها تتحدّث بالدين الجديد ، وبالدعوة المباركة ، وبالنبيّ المرسل (ص) .
وفي الموسم التالي، موسم الحجّ، توجّه اثنا عشر رجلاً من الّذين آمنوا من يثرب قاصدين مكّة للحج والاجتماع بالنبيّ الهادي (ص) والتفاوض معه ، فكان اللِّقاء بالعقبة(106)، وكان التفاوض والبيعة ، فأرسل النبيّ (ص) مُصعَبَ بنَ عُمير ممثِّلاً عنه ، يُبلِّغ رسالته، ويُعرِّف بمبادئ الاسلام، ويُعلِّم القرآن، وينشر مفاهيم الشريعة وأحكامها .
عاد الوفد إلى يثرب وبصحبته مصعب بن عمير ، فلمّا وصل يثرب نزل مصعب ضيفاً على أسعد بن زرارة ، أحد أعضاء الوفد ، ومن رجال الخزرج السابقين (107) إلى الاسلام ، وراح ينشر الدعوة ويعرِّف بالاسلام ويدعو الناس إلى الايمـان ، فانتشر الاسلام بين أهل يثرب .
وبدأ التغيير والانقلاب في المعتقد والتفكـير والتوجّه يسري إلى أوساط ذلك المجتمع الوثني ، وكان لاسلامِ بعضِ الشّخصيات القياديّة ذات التأثير الاجتماعي ، أثرٌ كبير ودورٌ فعّال في إحداث النّقلة والدخـول في دين الله ، أمثـال اُسَيْدِ بن حُضَير وسَعدِ بن مُعاذ (زعيمي بني عبدالاشهل)
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:32 AM
البيعة والهجرة
أحدث وجود مُصعب بنَ عُمير والرِّجال المسـلمين الّذين آمنوا وأسلموا على يدي رسول الله (ص) تيّاراً اسلاميّاً واسعاً ، وكوّن قوّة اجتماعية وسياسية وعقيدية وجهادية مؤثِّرة ، فقد صارت يثرب حصناً من حصون الاسلام ، وقاعدة قويّة من قواعده ، يستطيع المسلمون بقيادة المصطفى الهادي محمّد (ص) ، أن ينطلقوا منها ويتحرّكوا ويؤثِّروا في حياة الجزيرة العربية والعالم من حولهم .
لقد أحسّ المسلمون في يثرب أنّهم قوّةٌ قادرة على أن تَنقُلَ الاسلامَ والدعوةَ الاسلاميةَ إلى مرحلة متقدِّمة من مراحل السّير والانتشار، إلى مرحلة القوّة والمواجهة المسلّحة، لذلك قرّروا تشكيلَ وفد والذهابَ في موسم الحجّ إلى مكّة للاجتماع بالرّسول القائد (ص) وإعلانَ البيعة والوَلاءِ له ، والاعرابَ عن استعدادهم لنُصْرتَهُ وحماية دعوته والدفاع عنه .
وعلى هذه المقرّرات تشكّل الوفد من ثلاثة وسبعين رجلاً (108) وامرأتين (اُمّ عمارة نسيبة بنت كعب المازنيّة ، واُمّ قنيع ، من بني سلمة) ، وسـاروا باتّجـاه مكّة سرّاً مُسْتَخْفين ، لئلاّ ينكشف أمرهم أو يُحبطَ مشروعهم الرِّسـاليّ الخطير ، ساروا ضمن الحجّاج الذاهبين إلى مكّة، وهناك في مكّة المكرّمة تمّ تنظيم لقاء سرِّيٍّ مع رسول الله (ص) والتفاهم معه ، وحُدِّدَ موعدٌ للّقاء ، وكان أوسطَ أيّامِ التشريق (109) بالعقبة ، وحين بدأ اللّيلُ ، ومضى ثُلُثُهُ ، راحَ الانصار يتسلّلون مُسْتَخْفين بأستاره إلى المكان المقرّر ، ليلتقوا بالرّسول القائد ، ويُبايعوا الله ورسوله بيعة السّمع والطّاعة والحماية .
وقد حضر البيعةَ العبّاس بن عبد المطلب ليستوثقَ مِنَ الانصار ويطمئنّ على حياة ابن أخيه وصدقهم في البيعة .
ويبدو من مجرى الاحداث والبيعة ، أنّها كانت سِرِّيّة وبعيدة عن الانظار ، فلا بُدّ وأن يكون الرّسول مطمئنّاً إلى عمّه العبّاس، وهو الّذي أخبره بالخبر وعرّفه بالوقت والمكان واصطحبه معه ، وإلاّ لما استطاع العبّاس أن يشارك في هذا الاجتماع السرِّيّ الخطير ويُشارك في تقرير نتائجه .
وقد نقل إلينا ابن الاثير وقائع ذلك المؤتمر وصيغة الحوار الّذي دار فيه ، ودور العبّاس بن عبد المطلب ـ عمّ الرّسول (ص) ـ .
قال ابن الاثير :
« فكان العبّاسُ أوّلَ مَنْ تكلّم فقال : يا معشر الخزرج - وكانت العـرب تُسمِّي الخزرج والاوس به - إنّ محمّداً منّا ، حيث قد علمتم ، في عزّ ومنعة ، وإنّه قد أبى إلاّ الانقطاع إليكم ، فإنْ كنتم تَرَوْنَ أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ، فأنتم وذلك ، وإنْ كنتم تَرَوْنَ انّكم مُسلِّموهُ فَمِنَ الآن فَدَعوه ، فإنّه في عِزٍّ ومنعة .
فقال الانصـار : قد سمعنا ما قلت ، فتكلّم يا رسـول الله وخذ لنفسك وربّك ما أحببت ، فتكلّم وتلا القـرآن ورغّب في الاسلام ، ثمّ قال : (تَمنعوني ممّا تَمنعونَ منه نساءكم وأبناءكم) .
ثمّ أخذ البراءُ بن مَعرور بيده ، ثمّ قال : والّذي بعثك بالحق لنمنعنّك ممّا نمنعُ منه اُزُرَنا ] نساءنا [ ، فبايِعنا يا رسول الله فنحنُ والله أهل الحرب .
فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله ! إنّ بيننا وبين الناس حِبالاً، وإنّا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ ، فهل عَسَيْتَ إنْ أظهرَكَ الله عزّ وجلّ أن تَرجِعَ إلى قومك وتَدَعَنا ؟
فتبسّم رسول الله (ص) ، وقال: {(بلِ الدّمُ الدّمُ والهدْمُ الهدْمُ ، أنتم منِّي وأنا منكم ،
اُسالِمُ مَنْ سالمتُم واُحارِبُ مَنْ حاربتُم)} ، وقال رسول الله (ص) : {(أخرجوا إليَّ اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم)} ، فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس .
وقال لهم العبّاسُ بن عبادة بن نصلة الانصاري : يا معشر الخزرج هل تَدرونَ عَلامَ تُبايعـونَ هذا الرّجل ؟ تُبايعونَهُ على حَربِ الاحمرِ والاسودِ ، فإنْ كنتم ترون أنّكم إذا نُهِكَتْ أموالكم مصيبةً وأشرافكم قتلاً أسلمتموه ، فَمِنَ الآن فهو والله خِزْيُ الدُّنيا والاخرة، وإنْ كنتم تَرَوْنَ أنّكم وافونَ له فَخُذوهُ فهو والله خير الدُّنيا والاخرة .
قالوا : فإنّا نأخذه على مُصيبة الاموال وقتلِ الاشرافِ ، فما لنا بذلك يا رسول الله ؟ فقال : (الجنّة) ، قالوا : ابسطْ يَدَكَ ، فبايَعوهُ » (110).
وهكذا تمّت البيعة وأخذ العهد ، فكانت بداية الانتقال إلى مرحلة القوّة والجهاد وقاعدة الانطلاق والتحوّل في حياة الدعوة الاسلامية والمسار الاسلامي العظيم .
وقد روي عن عبادة بن الصامت ـ وكان أحد الّذين حضروا البيعة ، وهو من النقباء الاثني عشر الّذين عيّنهم رسول الله (ص) في ذلك الاجتماع التأريخي الخطير ـ أنّه قال :
« بايَعْنا رسولَ الله (ص) بيعةَ الحربِ على السمع والطاعة في عُسْرِنا ويُسْرِنا ومنشطِنا ومكرهِنا ، وأثَرَة علينا ، وأنْ لا ننازعَ الامر أهلَهُ ، وأنْ نقولَ بالحقِّ أينما كنّا لا نخافُ في الله لومة لائم »(111).
والمتأمِّل في محتوى الوثيقة يدرك عمقها وأبعادها الرسالية وأهميّتها العقائدية والسياسية لضمان مستقبل الاسلام ، واستقرار المجتمع الاسلامي ، فقد أراد الرّسول أن يضمن من أنصاره :
1 ـ مساعدته على الانتقال من مرحلة الدعوة بالكلمة والموعظة والصبر على الاذى ، إلى مرحلة الجهاد المسلّح، فقد كان رسول الله (ص) والمسلمونَ معه طيلة الثلاثة عشر عاماً ، وبالمرحلتين : السرِّيّة الّتي دامت ثلاث سنواتِ ، والعلنيّة الّتي تلتها وامتدّت عشر سنوات ، لم يُؤذَنْ له بالقتالِ ، ولم يكن يملك القوّة ، ولم يستعمل السلاحَ لنشر العقيدة ، أو حتّى الدفاع عن
النفس، وبعد بيعة العقبة أصبح رسول الله (ص) في موقع القوّة، ويملك القدرة على استعمال السلاح والدخول في مرحلة جديدة، هي المرحلة الجهادية واستعمال السلاح، وهذا ما عبّر عنه عبادة بقوله :
« بايعنا رسول الله (ص) بيعة الحرب » .
وقد سجّل المؤرّخون وأصحاب السير ذلك الانتقال في مسيرة الدعوة الاسلامية وتغيير اُسلوبها فذكروا :
« قال محمّد بن إسحاق المطلبي :
وكان رسول الله (ص) قبل بيعة العقبة لم يُؤذن له في الحرب ، ولم تحلَّ له الدماء ، إنّما يؤمر بالدّعاء إلى الله والصّبر على الاذى ، والصّفح عن الجاهل . وكانت قريش قد اضطهدت مَنِ اتَّبَعَهُ ِمَن المهاجرين حتّى فتنوهم عن دينهم ، ونَفَوْهُم مِن بلادهم ، فهم مِنْ بَينِ مَفْتون في دينهِ ، ومِنْ بَينِ مُعذّب في أيديهم ، وبين هارب في البلاد فراراً منهم ; منهم مَن بأرضِ الحبشة ، ومنهم مَن بالمدينة ، وفي كلّ وجه ، فلمّا عتت قريش على الله عزّ وجلّ ، وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذّبوا نبيّه (ص) ، وعذّبوا ونفوا مَنْ عَبَدَه ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينه ، أذِنَ الله عزّ وجلّ لرسوله (ص) في القتال والانتصار ممّن ظلمهم وبغى عليهم ، فكانت أوّل آية اُنزلت في إذنه له في الحرب إحلاله له الدماء والقـتال ، لمن بغى عليهم ، فيما بلغني عن عروة بن الزبير
وغيره من العلماء ، قول الله تبارك وتعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَ نَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَـدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الاَْرْضِى أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَللهِِ عَاقِبَةُ الاُْمُورِ )(112) .
أيْ إنِّي إنّما أحْلَلْتُ لهم القتـالَ لانّهم ظُلِموا ، ول0م يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناسِ إلاّ أن يَعبُـدوا الله ، وأنّهم إذا ظهروا أقاموا الصّـلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، يعني النبيّ (ص) وأصحابه (رضي الله عنهم أجمعين) .
ثمّ أنزل الله تبارك وتعالى عليه : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) ، أيْ حتّى لا يُفتنَ مؤمنٌ عَنْ دينِهِ : (وَيَكُونُ الدِّيْنُ كُلُّهُ للهِِ) ، أيْ حتّى يُعبدَ الله ، لا يُعبدَ معه غيره » (113).
وهكذا شكّلت بيعة العقبة الثانية المنعطف التأريخي والتحوّل في حياة الدعوة الاسلامية واُسلوب نشرها وتعاملها مع أعداء الله والانسان .
2 ـ أمّا الهدف الثاني الّذي ثبّته الرّسول (ص) في هذه الوثيقة فهو الالتزام بمقرّراته وأوامره ، بغض النظر عن صعوبة المواقف ووعورة المسار ، وشدّة المحنة ، ليضمن المواصلة والثبات في ساعات العُسرة والشدّة والمضي حتّى تحقيق أهداف البشرية وتحريرها من نير العبودية وتعبيدها لله وحده .
وقد جاء ذلك واضحاً بقول عبادة بن الصامت :
« بايعنا رسول الله (ص) بيعة الحرب على السمع والطاعة في عُسرنا ويُسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا » .
وثمّة مبدأ سياسي خطير كان الاسلام يوليه الاهميّة الكبرى ، ويعطيه القيمة
الاساسية : وهي قضيّة قيادة الاُمّة وزعامتها ، ليضمن سلامةَ المسار ونقاءَ المسيرة وديمومةَ الرِّسالة؛ لذا اشترط رسول الله (ص) في هذه البيعة أن لا ينازع الانصار مَن هُوَ أحقُّ منهم بالقيادة والزّعامة لئلاّ تفترق الاُمّة ويدبَّ في كيانها الخلاف ، وتتحوّل إلى فِرَق وكيانات .
وهذا ما عبّر عنه : « أن لا تنازع الامر أهله » .
وهكذا تمّت البيعة، وحُدِّدَتِ الشروطُ وأصبحت للمسلمين أرضٌ وقاعدة اجتماعية وقوّة بشريّة ومادِّيّة منيعة ، فأمر رسول الله (ص) أصحابه بالهجرة والانتقال إلى دار الاسلام ، إلى يثرب ، ويذكر المؤرِّخون أن أبا سلمة بن عبد الاسد هو أوّل مَن هاجر إلى المدينة وكانت هجرته قبل البيعة بسنة (114) .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:33 AM
صور من محنة المهاجرين
وراح المهاجرون يتتابعون أفراداً وجماعات ، ويتجمّعون في يثرب لبناء المجتمع والدولة ، وحمل الدعوة إلى العالم أجمع .
وكانت قريش تشتدّ في قساوتها وإرهابها وتعذيبها للمسلمين ، فكانوا يهاجرون إلى يثرب
رجالاً ونساءً ، حتّى اُغلِقت بعض دور المسلمين وأصبحت موحشة خالية مِن أهلِها يندبها الاحبّةُ ، ويذكرها الشّعراء ، وتلك سُنّة في الدعوة إلى الله والهجرة والجهاد، وقريش تستولي على الاموال والدور وتحتجز النِّساء والاطفال والمستضعفين، فقد اُغلِقَت دار بني مظعون وبني جحش وبني البكير .
ويذكر أنّ دار بني جحش هجرها أهلها ، عبد الله بن جحش وأهله وأخوته ، فأضحت قفرةً خالية مُشجية ، وحين خلتِ الدار من أهلها عدا عليها أبو سفيان فاغتصبها .
وقد مرّ عُتبة بن ربيعة والعبّاس بن عبد المطلب وأبو جهل ، بهذه الدار الخالية الموحِشـة الّتي تركها أهلها وفرّوا بدينهم هجرةً إلى الله ، فظلّت مَعْلَماً شاخِصاً ، ولساناً ناطقاً يحكي قصّة الظّلم والطّغـيان ، ويروي محنة الاسـتضعاف في الارض وصلابة المسلم العقيدي الّذي لا يلين .
فأنشد عُتبة بيتاً شجيّاً خلّد فيه ذلك الحدث التأريخي الصغير في حجمه ومساحته، الكبير في حقيقته ومعناه :
وكلّ دار وإن طالت سلامتُها يوماً *** سَتُدْرِكُها النّكباءُ والحوبُ
وتناهَى الخبرُ ، خبرُ نهب الدار والاسـتيلاء عليها إلى صاحبها فشكا ذلك إلى رسول الله (ص) ، فقال له رسول الله (ص) :
« (ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها داراً خيراً منها في الجنّة ؟ ) قال : بلى ، قال (ص) : (فذلك لك) »(1).
وحين نصر الله نبيّه وفُتحت مكّة عرض أبو أحمد ـ أخو زينب بنت جحش الّتي تزوّجها رسول الله (ص) فيما بعد ـ الامر على رسول الله وتكلّم معه في إرجاع الدار إلى أهلها ، فأبطأ رسول الله (ص) عنه ، فقال له بعض الصحابة :
« يا أبا أحمد إنّ رسول الله (ص) يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم اُصيب منكم في الله عزّ وجلّ ، فأمسك عن كلام رسول الله (ص) ، وقال لابي سفيان :
أبْلِغ أبا سـفيان عن *** أمر عواقبُهُ ندامةْ
دارَ ابن عمّك بِعـتَها *** تَقضي بها عنك الغَرامةْ
وحليفــكم بالله ربّ *** النّاس مجتهد القَسامة
إذهـب بها إذهـب بها *** طُوّقتها طوق الحمامة »(115)
ويسجِّل لنا التأريخ صوراً مأساوية اُخرى من المحنة والاذى الّذي لاقاه المهاجرون وقاساه اُولئك الاوائل من الدعاة إلى الله سبحانه والمجاهدين في سبيله ، والصابرين على البأساء والضراء .
سجّل لنا التاريخ ذلك وحدّثنا عن محنة امرأة هاجرت هي وزوجها الهجرتين ، هاجرت إلى الحبشة ، وهاجرت إلى المدينة في السابقين ، وهي اُمّ سَلَمَة زوج عبد الاسد ابن هلال .
لقد جسّدت هذه الاُسرة المجاهـدة المهاجرة صورة من صور الهجرة والجهاد والاخلاص والتفاني في العقيدة والمبدأ .
ولنترك الحديث للمؤرّخ الشهير ابن هشام لينقل صورة حيّة واقعية لما عاناه
المسلمون الاوائل ، وكيف كان أعداء الله والانسانية يعاملونهم ; ليصف معاناة اُسرة من الاُسر المسلمة المهاجرة، وما أصابها من محنة وأذىً واضطهاد معبّراً بهذا الوصف عن طبيعة الظروف والمعاناة والمحنة الّتي عايشها اُولئك المسلمون الطلائع ، قال :
« فكان أوّل مَن هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله (ص) من المهاجرين من قريش ، من بني مخزوم : أبو سَلَمَة بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله ، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة ، وكان قدم على رسول الله (ص) مكّة من أرض الحبشة، فلمّا آذته قريش وبلغه إسلام مَن أسلم من الانصار ، خرج إلى المدينة مهاجراً .
قال ابن إسحاق : فحدّثني أبي إسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة ، عن جدّته اُمّ سَلَمَة ، زوج النبيّ (ص) ، قالت :
لمّا أجمع أبو سَلَمَة الخروج إلى المدينة رَحَّلَ لي بعيره ، ثمّ حملني عليه ، وحمل معي ابني سَلَمَة بن أبي سَلَمَة في حِجْري ، ثمّ خرج بي يقود بي بعيره ، فلمّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، قاموا إليه فقالوا :
هذه نفسُكَ غَلَبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتَك هذه؟ عَلامَ نتركُكَ تسير بها في البلاد؟ قالت : فنزعوا خِطام البعير من يده فأخذوني منه ، قالت : وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط أبي سَلَمَة ، فقالوا : لا والله ، لا نتركُ ابْنَنا عندها إذ نزعتموها مِن صاحبها. قالت: فتجاذبوا بُنَيَّ سَلَمَة بينهم حتّى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الاسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سَلَمَة إلى المدينة ، قالت : فَفُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني ، قالت : فكنتُ أخرجُ كلّ غداة فأجلس بالابطح ، ما أزال أبكي حتّى اُمسي سنة أو قريباً منها ، حتّى مرّ بي رجل من بني عمِّي ، أحد بني المغيرة ، فرأى ما بي فرحمني ، فقال لبني المغيرة : ألا تُخْرِجونَ هذه المسكينةَ ، فرّقتم بينها وبينَ زوجها وبينَ ولدها ، قالت : فقالوا لي : إلحقي
بزوجك إنْ شئتِ ، قالت : ورَدَّ بنو عبد الاسد إليّ عند ذلك ابني ، قالت : فارتحلت بعيري ، ثمّ أخذت ابني
فوضعته في حِجْري، ثمّ خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله ، قالت : فقلتُ : أتَبَلَّغُ بِمَنْ لقيتُ حتّى أقدِم على زوجي ، حتّى إذا كنتُ بالتنعيم (116) لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، أخا بني عبد الدار ، فقال لي : إلى أين يا بنتَ أبي اُميّة ؟ قالت : فقلتُ : أريد زوجي بالمدينة ، قال : أوَما معكِ أحد ؟ قالت : فقلت : لا ، والله إلاّ الله وبُنيَّ هذا ، قال : واللهِ ما لَكِ مِنْ مَتْرَك ، فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فوَالله ما صَحبتُ رجلاً من العرب قطّ ، أرى أ نّه كان أكرم منه ، كان إذا بلغَ المنزلَ أناخَ بي ، ثمّ استأخَر عنِّي ، حتّى إذا نزلتُ استأخرَ بِبَعيري ، فحطَّ عنه ، ثمّ قيّدَهُ في الشجرة ، ثمّ تنحّى ـ عنِّي ـ إلى شجرة ، فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدَّمَهُ فرحَّلَهُ ، ثمّ استأخر عنِّي ، وقال : اركبي ، فإذا ركبتُ واستويتُ على بعيري ، أتى فأخذ بخِـطامه ، فقاده ، حتّى ينزل بي ، فلم يزل يصـنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة ، فلمّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، قال : زوجك في هذه القرية ـ وكان أبو سَلَمَة بها نازلاً ـ فأدخليها على بركة الله ، ثمّ انصرفَ راجِعاً إلى مكّة .
قال : فكانت تقول : والله ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيت صاحباً قطّ كان أكرم من عثمان بن طلحة » (117).
وهكذا يحدِّثنا التأريخ عن صورة من معاناة وكفاح الروّاد من المهاجرين في سبيل الله والمؤمنين برسالة الاسلام .
صبروا على: الغُرْبة والفقر والحصار والاذى والتعذيب ومصادرة الاموال وحبس النِّساء والاطفال والتفريق بين الآباء والازواج وذويهم؛ فصنعوا بصبرهم وصمودهم أروع فصـل في تأريخ الاسـلام ، وثَبَّتُوا اُسُسَ الرِّسـالة ، واختطّوا الدرب المضيء للاجيال من أبناء هذه الاُمّة .
وقد خَلّدَ الشعر والادب تلك الصورة الحيّة في تاريخ الجهاد ، ونَحَتَ منها لوحة أثريّة معبِّرة ، خطّها بمشاعر اللّوعة ، ورسم مشاهدها بأحرف الصِّدق والمعاناة ، المهاجر الرائد أبو أحمد بن جحش :
« لمّا رأتني أُمّ أحمد غادياً *** بذمّةِ مَن أخشى بِغَيْب وأرهبُ
تقولُ : فإمّا كنتَ لا بُدّ فاعلاً *** فَيمِّمْ بنا البلدانَ ولتَنْأ يثربُ
فقلتُ لها : بل يثربُ اليومَ وَجهُنا *** وما يشاءُ الرّحمنُ فالعبدُ يركبُ
إلى اللهِ وجهي والرّسولِ ومَنْ يُقم *** إلى اللهِ يــوماً وجهَــهُ لا يُخـيّبُ
فكم قد تركنا مِنْ حَميم مُناصِح *** وناصحة تبكي بدمع وتندُبُ
ترى أنّ وتراً نأيُنا عن بلادنا *** ونحنُ نرى أنّ الرّغائبَ تُطْلَبُ
دعوتُ بني غنم لِحَقْن دمائهم *** وللحقِّ لمّا لاحَ للناس مَلْحبُ
أجابوا بحمدِ الله لمّا دعاهم *** إلى الحقّ داع والنجاحُ فأوْعبوا
وكُنّا وأصحاباً لنا فارقوا الهدى *** أعانوا علينا بالسِّلاح وأجْلَبوا
كَفَوْجَيْنِ : أمّا منهما فموفّق *** على الحق مَهدِيٌّ ، وفوجٌ مُعذّب
طغوا وتمنّوا كِذبةً وأزلّهم *** عن الحقّ إبليسُ فخابوا وخُيِّبوا
وَرِعْنا إلى قول النبيّ محمّد *** فطاب وُلاةُ الحقِّ منّا وطُيِّبوا
نَمَتْ بأرحام إليهم قريبة *** ولا قُرْبَ بالارحام إذ لا تُقرّبُ
فأيُّ ابنِ اُخت بعدنا يأمننكم *** وأيّة صِهْر بَعْدَ صِهري تُرقّبُ
ستعلم يوماً أيّنا إذْ تزايلوا *** وزُيِّل أمرُ النّاسِ للحقّ أصوبُ » (118)
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:33 AM
إلى المدينة المنوّرة
وحين رأت قريش الهجرة والاصرار وتجمّع المسلمين في يثرب ، عدا مَنْ حَبَسوهُ أو منعوهُ لاستضعافه ، وعدا رسول الله وعليّ بن أبي طالب وأبي بكر؛ حين رأت ذلك ، ورأت تعاظم الدعوة الاسلامية ، ونشوب الضعف والانهيار والخواء في بنية المجتمع المكِّي الجاهلي وقربه من التداعي والسقوط، ائتمرَ زعماءُ الشرك وقادة قريش في دار الندوة ، وتداولوا في أمر النبيّ محمّد (ص) ، فقال بعضهم : نحبسه .
وقال آخرون : نخرجه من مكّة وننفيه لنبعده عن أرضنا وقومنا .
وقال آخرون : لا بل نقتله .
فاختاروا الحلَّ الاخير ، فهو فيما توصّلوا إليه آخر الحلول الّتي يلجأون إليها ، ونهاية الاساليب . وقد قرّروا أن يختاروا عدداً من غلمانهم يمثِّل كلُّ واحد منهم عشيرةً ، لتكون
جبهة المقاومة والشرك متراصّة بوجه بني هاشم أعمام النبيّ ، فيصعب عليهم الطلب بدمه والاقتصاص مِنَ القتلة .
أجمعوا أمرهم وأعدّوا عدّتهم وقرّروا موعداً للتنفيذ ، فأخبر الله نبيّه وأوحى إليه بالحدث والمؤامرة :
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ) . (الانفال / 30)
فأجمعَ رسول الله أمره وتهيّأ للهجرة والخروج مِن مكّة ، وكان الليل قد أرخى سُدولَهُ ، ولفَّ مكّةَ صمتٌ وسكون عميق ، وراح المتآمرون يجرّون خُطى الجريمة نحو بيت رسـول الله (ص) ، فأحاطوا به وطوّقوه وهم يَرصدونَ شخص الرّسول الكريم (ص) ويراقبون التحرّكَ داخلَ البيت المبارك .
لقد قرّر رسول الله ، بعد ثلاثة عشر عاماً من بعثته - الخروج من مكّة في بداية شهر ربيع الاوّل ، ثمّ طلبَ مِن الامام عليّ بن أبي طالب أن ينامَ في فراشه ، ليوهِمَ قريشاً أنّ رسول الله (ص) لمّا يزلْ في فراشه ، فيتأخّروا عن طلبه والبحث عنه .
كما طلب منه أن يؤدِّي الامانات ، ويرد الودائع إلى أهلها ، وكلّفه بحمل الفواطم ، والمُهاجَرَة بهنّ .
نفّذ الامام عليّ (ع) أوامر رسول الله (ص) بكلّ إخلاص وتضحية وشجاعة ، وباع نفسه لِيَشريَ مَرضاةَ اللهِ ، فنالَ بذلك شرفَ الثناءِ الالهي ومدحَ الوحي ، فكان مثالاً للتضحية والفداء ، وقُدوة للشجاعة والثبات ، فأنزل الله فيه :
(وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي (119) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)(120) .( البقرة / 207 )
نام عليّ (ع) على فراش رسول الله وتسجّى بِبُرْدِهِ الاخضر الّذي اعتاد الرسول أن ينامَ فيه، وقد وعده رسول الله بعد أن استجاب للتتضحية والفداء أن يد سوء لن تمتدّ إليه، فقد قال له:
[ نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ينام في برده ذلك إذا نام].
وخرج رسول الله من بيته الشريف متوجِّهاً تلقاءَ يثرب ، وعصابة الشرك والجريمة تحيطُ بيته ، خرج وهو يقرأ قوله تعالى :
(يس * وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * تَنزِيلَ العَزِيْزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا َيُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الاَْذْقَانِ فَهُم مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) .(يس / 1 ـ 9)
فحفظه الله وأعمى أبصارهم ، وكان الرّسول (ص) عند خروجه قد أخذ قبضة
من التراب فألقاها على رؤوسهم ، وهم لا يشعرون حتّى جاءهم رجل فقال :
(ما تنتظرون ها هنا ؟ قالوا: محمّداً. قال : خيّبَكُمُ اللهُ ، قَدْ واللهِ خرجَ عليكم محمّد ، ثمّ ما ترك رجلاً منكم إلاّ وقد وضع على رأسه تراباً .
أيقظ هذا المارُّ إحساسهم، فراحوا يتحسّسون رؤوسهم وقد علاها التراب وأحاط بها الذلُّ والهوانُ ، ثمّ اندفعوا يتطلّعون صوب البيت ، وما فيه غير عليّ بن أبي طالب وهم يظنونه الرّسول ، فظلّوا يَرقَبونَ الدّارَ حتّى أصبحوا وقد أخذ الله على أيديهم وأحبطَ كيدَهم ، وكانوا كلّما همّوا باقتحام الدار صاحت امرأةٌ مِنَ الدار ، فكان يقول بعضهم لبعض : إنّها لَسَبَّةٌ في العرب أن يُتَحدّثَ عنّا تسـوّرنا الحيطانَ على بنات العم)(121).
وعند الصباح نهض عليّ من فراشه فهاجت العصابة بوجهه يسألونه عن رسول الله (ص) ، وهو يجيبهم :
« قلتم له اُخرُجْ عنّا ، فخرجَ عنكم » (122).
إستشاطت قريش غضباً ، وأحسّت بالخطر الداهم يهدّد كيانها ، وأنّ محمّداً قد أفلت من يدها ، والتحق بأصحابه وأنصاره ، فما عليها إلاّ أن تجوب البيداء ، وتُسرِعَ في الطلب ، وتبحث عنه في كل موقع تحتمله فيه .
إنطلق فرسان قريش ورجالها يبحثون عن رسول الله (ص) ، ويفتِّشون عنه في الوديان والشِّعاب ، ومحمّد (ص) قد كمنَ هو وصاحبه أبو بكر في غار جبل ثَوْر على مقربة من مكّة ، واختفى فيه بعيداً عن الرّقابة والملاحقة .
فعلت قريش كلّ ما بوسعها للقبض على الرّسول ، وإرجاعه إلى مكّة فلم تفلح ، لقد وضعت مكافأة ضخمة مقدارها مائة ناقة لِمَنْ يُعيدُ محمّداً (ص) ، فلم يتيسّر لها
ذلك . لقد شاء الله أن ينجو محمّد ، وأن يكتب الفصل المضيء في تأريخ الانسان ، وأن يأخذ
بيد البشرية المعذّبة والانسان المسـتضعف ، ويقود الرّكب في طريق الهُدى والصّلاح .
بقي رسول الله (ص) وأبو بكر ثلاثة أيّام في ذلك الغار، وأسماء بنت أبي بكر تنقل إليهما الطعام ، وعبد الله بن أبي بكر يوافيهما ليلاً بأخبار مكّة وآراء قريش في رسول الله (ص) ، ثمّ يأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بالغنم ، ويمرّ على الطريق المؤدِّية إلى الغار ليزيل أثر الاقدام الّتي يتركها عبد الله وأسماء عند المجيء ، لئلاّ تكتشف قريش التردّد على الغار ، فتجد أثراً يوصلها لتحديد مكان الرّسول (ص) .
إنقضت الايّام الثلاثة فخرج رسول الله (ص) وصاحبه من الغار ، وراح يواصل درب الهجرة ، ويستحثّ الخُطى، وقد اسـتأجرا دليلاً وبعيرين لهما فسـاروا ركباناً ، وقد ابتعدوا عن الطريق الّذي اعتاد الناس أن يسلكوه ، وسلكوا طريقاً آخر على ساحل البحر .
وضعت قريش جائزة مُغرِية لِمَن يأتيها بمحمّد (ص) ، واستهوى العرضُ المُغري رجلاً من المغامرين المعروفين بمكّة يُدعى (سُراقَة)، فأعدّ سلاحه ، وهيّأ لامة حربه وركب فرسه وسار يقطع البيداء ويبحث بين تلاع الصحراء وهضابها عن محمّد (ص)، وهو يحلم أن يكون من أثرياء مكّة ، بعد أن يعيد محمّداً إلى قريش ويتسلّم الجائزة ـ مائة ناقة ـ، سار سُراقة باحثاً عن الرّكب المهاجر وشاء الله أن يلتقي سُراقة برسول الله (ص) ، ويكتشف مساره ، ليرى المعجزة الخالدة ، معجزة النبـوّة الّتي حوّلت تفكيره ووجهته وألقتْ في مسامعه كلمة الصادق الامين خالدة في وعاء التأريخ .
أظهر الله سبحانه المعجزة، وغارت أرجل الفرس في باطن الارض، وألقت سُراقة ثلاثَ مرّات قبل أن تغور أرجلها ، فاستصرخَ سُراقةُ رسولَ الله (ص) واستغاثه طالباً العفو :
« يا محمّد ! إنّي علمت أنّ الّذي أصابَ قوائم فرسي إنّما هو مِنْ قِبَلِكَ ، فادْعُ الله أنْ
يطلق لي فرسي ، فلعمري إنْ لم يُصبْكم منِّي خير لم يُصبْكم منِّي شرّ ، فدعا رسول الله (ص) وأطلق الله عزّ وجلّ فرسه ، فعاد في طلب رسول الله (ص) حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات ، وفي كلّ مرّة كان رسول الله (ص) يدعو ربّه فتأخذ الارض قوائم الفرس ، فلمّا أطلقه في الثالثة قال : يا محمّد ! هذه إبلي بين يديك فيها غلامي ، فإنِ احتجت إلى ظهر أو لَبَن فَخُذْ منهُ وهذا سَهْمٌ من كِنانتي علامة ، وأنا أرجع فأردّ عنك الطّلب ، فقال : (لا حاجة لنا فيما عندك) » (123).
عاد سُراقة بعد أنْ رأى المعجزة وسمع وعد رسول الله (ص) الّذي أذهله وزرع الحيرة في نفسه .
فقد قال له رسول الله (ص) :
« كيفَ بِكَ يا سُراقة إذا سُوِّرْتَ بِسوارَيْ كِسرى » (124).
كان رسول الله (ص) المهاجر الوحيد المشرّد ، يمتد أمله وبصره إلى تحطيم أصنام الجاهلية في أقوَى إمبراطورية في عصره؛ إمبراطورية كِسرى بن هرمز ، إمبراطور الفُرْس ووعدَهُ بالفتح والاستيلاء على مُلكِ كِسرى .
لقد كان رسول الله (ص) ينطق عن لسان الوحي ، ويتطلّع إلى المستقبل الرّحب لاُمّة التوحـيد ، ويزرع في نفوس أصحابه الامل الكبير بالنصر ، رغم الضّعف والاستضعاف .
وصدق رسول الله (ص) ، فقد فتح المسـلمون أرض فارس وانتـصروا عليها ، واسـتولّوا على تاج كِسرى وحُلِيِّهِ ومُقْتَنياته وممتلكات تاجه ، وجلجل في آفاق فارس نداء الاسلام وخمدت نيرانُ المجوس ، فكانت فيما بعد قلعة من قلاع التوحيد، وحصناً من حصون الاسلام .
وقبيل أن يغادر رسول الله (ص) رحاب البيت الحرام ، وقف على المَرْوَةِ يُناجي مكّة ، ويودِّع أرض السّلام :
« إنِّي لاعلمُ أنّكِ أحبُّ البلاد إليَّ، وأنّكِ أحبُّ أرضِ الله إلى الله، لولا أنّ المشركينَ أخرجوني مِنكِ ما خَرَجْتُ » (125).
استمرّ رسول الله يواصل السّـير ويحمل مشعل النور ، ويكابدُ الاذى مِن أجل العقيدة والمبدأ ، وراح يقطع الفيافي والقفار ليحطّ رحله في يثرب (المدينة المنوّرة) ، ويبدأ الانطلاقة الحضـارية الكبرى مِن هناك ، لِيُقيمَ دولةَ الاسلام ، ويبني المجتمع الايماني ، ويحمل مشعل الاسلام إلى العـالَم أجمع ، فسار وانطلق ليحـقِّق الاهـداف الرسالية الخالدة .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:35 AM
الهوامش
1 الكليني / الكافي / ج 1 / دار الكتب الاسلامية / ط 3 / ص 403 . وذكر السيوطي حديثاً مشابهاً له في الجامع الصغير / ج 2 / ح 9264 .
2 الكليني / الكافي / ج 1 / ص 62 .
3 الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن / دار إحياء التراث العربي / ج 8 / ص 293 .
4 الراغب الاصفهاني / المفردات في غريب القرآن / دار المعرفة / ص 150 .
5 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / دار صادر (بيروت 1385) / ج 2 / ص 80 .
6 ذكر نحوه السيوطي في الجامع الصغير / ج 1 / ح 2703 .
7 كان اسمه عبد الدار وفي بعض الروايات عبد قصي، فسمّاء أبوه بعد أن نجّاه الله من الذبح، اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي/ دار صادر بيروت/ ج2/ ص9.
8 اختلف المؤرخون في يوم الميلاد، بل وحتى في شهر الميلاد، روى الشيخ الكليني في الجزء الأول من أصول الكافي: أن مولد الرسول كان لانثى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في عام الفيل يوم الجمعة مع الزوال. وروى أيضاً عند طلوع الفجر، ص 439 / ط3، وحملت به أمه في أيام التشريق، ويؤاخد على هذه الرواية أن المدة بين أيام التشريق وأيام الميلاد ثلاثة أشهر، أو خمسه عشر شهراً إذا عد من الحول السابق. وروى أيضاً ولادته كانت في يوم السابع عشر من شهر ربيع الاول.
9 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 7 .
ويروي اليعقوبي في المصدر ذاته أنّ بعض الروايات تذكر ان ولادة الرّسول (ص) كانت في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان ، عام الفيل وهذا التاريخ يتطابق مع القول بأنّ اُمّه حملت به أيّام التشريق .
10 يروى أن أم الرسول (ص) قالت: [ رايت لما ولدته نوراً بدا منّى ساطعاً، حتى افزعني، ولم أر شيئاً مما تراه النساء- تعني دم النفاس-].
11 الكليني / ج 1 / ص 439 .
وروى الشيخ الكليني أن ولادة الرسول (ص) كانت في الزاوية القصوى على يسار الداخل إلى البيت .
وذكر الشيخ الكليني أنّ الخيزران أم الهادي الخليفة العباسي قد صيّرت ذلك البيت مسجداً .
12 الكليني / الكافي / ج 1 / ص 439 . وكذا روى اليعقوبي عن الامام الصادق (ع) في الجزء الثاني من كتاب تاريخ اليعقوبي / ص 10 / أنّ ولادة الرسول كانت قبل وفاة أبيه بشهرين ، وردّ اليعقوبي قول من يقول إنّ ولادة الرسول (ص) بعد وفاة أبيه بقوله : « وقال بعضهم إنّه توفي قبل أن يولد ـ توفِّي أبوه قبل ولادته (ص) ـ وهذا قول غير صحيح لانّ الاجماع على أ نّه توفِّي بعد مولده » .
13 السيوطي / الجامع الصغير / ج 1 / ح 310 .
14 يذكر المؤرّخون أنّ النبيّ (ص) ـ بعد هجرته المباركة ـ استأذن الباري جلّ شأنه ، أن يزور قبر اُمّه ، فأذن له ، فزارها وجلس عند قبرها ، فبكى ، وبكى أصحابه ومن حوله من الناس ، بكاءً شديداً . رواه مسلم / صحيح مسلم / دار إحياء التراث العربي / ط 3 / ج 7 / ص 45 و 46 .
15 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 14 .
16 ورد في بعض كتب السيرة أنّ رسول الله (ص) تزوّج خديجة وهي ليست عذراء أيّ أ نّها كانت قد تزوّجت من قَبلُ غيره ، وأنّ عمرها كان عند زواجها برسول الله (ص) أربعين عاماً ، إلاّ أ نّه وردت روايات اُخرى تخالف ذلك ، قال ابن شهر آشوب في كتابه : « وروى أحمد البلاذري وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما ، والمرتضى في الشافي ، وأبو جعفر في التلخيص : أنّ النبيّ (ص) تزوّج بها ، وكانت عذراء » .
ويؤكّد ذلك ما ذكره في كتابي الانوار والبدع : أنّ رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة .
وقد نسبت بعض كتب السيرة رقية وزينب إلى خديجة بزعمهم أ نّها ولدتهما من زواجها السابق عن زواجها برسول الله (ص) .
أمّا بخصوص عمرها حين زواجها برسول الله (ص) فهناك روايات متعدِّدة ، منها أنّ عمرها كان (25) سنة وآخر (28) سنة ، وثالث (30) سنة ، ورابع (35) سنة ، وخامس (40) سنة ، وسادس (45) سنة ... الخ .
ونقل مؤلّف كتاب «كشف الغمة» من كتاب «معالم العترة النبويّة» لابي محمّد عبدالعزيز الجنابذي الحنبلي ، أ نّه روى عن ابن حمّاد وعن ابن عباس أنّ رسول الله (ص) تزوّج خديجة عن اثنتي عشرة أوقية ذهباً وهي ابنة ثماني وعشرين سنة .
17 الطبري / تاريخ الطبري / مطبعة الاستقامة في القاهرة سنة 1358 هـ / ج 2 / ص 36 .
18 العسقلاني / الاصابة في تمييز الصحابة / دار إحياء التراث العربي (بيروت) / ج 4 / ص 283 .
19 العسقلاني / الاصابة / ج 4 / ص 283 . الشبلنجي / إسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور الابصار / ص 96 . وما يقرب من ذلك في مسند أحمد / ج 6 / ص 150 . ابن الاثير / أسد الغابة / ط دار إحياء التراث العربي / ج 5 / ص 438 و 439 .
20 قصب: ذهب.
21 البخاري / صحيح البخاري / ط دار إحياء التراث العربي / ج 5 / ص 48 . مسند أحمد بن حنبل / ج 6 / ص 117 . ابن ماجة / سنن ابن ماجة / ط دار إحياء التراث العربي (بيروت) / ج 1 / ص 643 . ابن الاثير / أسد الغابة / ج 5 / ص 438 .
22 محب الدين الطبري / ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى / ط مكتبة القدس (القاقرة) 1967 / ص 42. الحاكم / مستدرك الصحيحين / ط دار المعرفة (بيروت) / ج3 /ص 157و ص 185. الاثير / أسد الغابة / ج 5 / ص 437 . ابن عبدالبر / الاستيعاب في معرفة الاصحاب المطبوع في حاشية كتاب الاصابة / ط دار إحياء التراث العربي (بيروت) / ج 4 / ص 284 .
23 ذكر الطبري في تاريخه / ج 2 / ص 37 : «انّ الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها» .
24 الطبري / تاريخ الطبري / ط الاستقامة (القاهرة) 1939 / ج 2 / ص 41 .
25 الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن / ط دار إحياء التراث العربي (بيروت) 1379 / ج 1 / ص 158 .
26 إنجيل يوحنّا / الاصحاح 14 / سطر 15 / جمعية الكتاب المقدس (بيروت) .
27 إنجيل يوحنّا / الاصحاح 14 / سطر 25 / جمعية الكتاب المقدس (بيروت) .
28 إنجيل يوحنّا / الاصحاح 14 / سطر 30 و 31 .
29 على الرغم من هذا التحريف والتشويه في العبارات فأن النصوص تشير الى حقيقة أساسية وهي بعثة النبي محمد (ص) بعد المسيح.
30 إنجيل يوحنّا / الاصحاح 15 / سطر 26 .
31 إنجيل يوحنّا / الاصحاح 16 / سطر 12 ـ 15 .
32 طبع تاريخ ( وليم مور) في عام 1848م.
33 إظهارالحق / ج2 / ص 281، نقلاً عن كتاب الإنجيل يبشّر بنبيّ الاسلام محمد / الصادر عن مؤسسّة في طريق الحق / الدورة الأولى / ص7.
34 نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام ، وهو الشاهد من بني إسرائيل . فقد رُوي أنّ عبد الله بن سلام جاء إلى النبيّ (ص) فأسلم ، وقال : يا رسول الله (ص) ! سل اليهود عنّي ، فانّهم يقولون هو أعلمنا ، فاذا قالوا ذلك ، قلت لهم : إنّ التوراة دالّة على نبوّتك ، وإنّ صفاتك فيها واضحة ، فلمّا سألهم قالوا ذلك ، فحينئذ أظهر عبد الله بن سلام إيمانه فكذّبوه . الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن / المجلّد 9 / ج 26 / ص 83 .
وادكول مش معقول
01-01-2003, 09:36 AM
35 الطبرسي / مجمع البيان / ج1 /ص 210، وذكر نحوه السيوطي / في الجامع الصغير / ج1 / ح 2703.
36 أصبح اسمه بعد أن أسلم (عبد الأحد داود ) محمد في الكتاب المقدّس / دار الضياء للنشّر / الدوحة، قطر / 1985.
37 فاران: هي قفار مكة، وهي اشارة الى موطن بعثة الرسول محمد (ص)، وانه جاء بعشرة آلاف مقاتل من المدينة المنورة لفتح مكة، كما يعرف الجميع ذلك من قصة فتح مكة.
38 أصبح اسمه بعد أن أسلم (عبدالاحد داود) / محمّد في الكتاب المقدّس / دار الضياء للنّشر / الدّوحة ، قطر / 1985 .
39 عبدالاحد داود / محمّد في الكتاب المقدس / ص 50 .
40 الشيخ عباس القمي / سفينة البحار / ط دار المرتضى (بيروت) / ج 2 / ص 638 .
41 إن الحالتين اللّتين يكلّم بهما الأنبياء - التكليم وحياً أو من وراء حجاب - تتم بلا واسطة ملك بل عن طريق الكلمة الإلهية المباشرة.
42 الامام علي (ع) / نهج البلاغة / شرح محمّد عبده / المطبعة الرحمانية (مصر) / ج 1 / ص 183 . يقصد بالفروج : الفواصل والابعاد . الرّجيج : اختلاط أصوات المسبِّحين .
43 المجلسي / بحار الانوار / ط مؤسّسة الوفاء (بيروت) / ج 18 / ص 271 ، نقلاً عن المحاسن . السَّبْتَةُ : حالة تشبه النوم .
44 الكليني / الكافي / ط دار الكتب الاسلامية (طهران) / ج 5 / ص 80 .
45 وهو كهف صغير في أعلى جبل حراء في الشمال الشرقي من مكة.
46 الطباطبائي / الميزان في تفسير القرآن / ط مؤسّسة الاعلمي (بيروت) / ج 20 / ص 327 .
47 الطباطبائي / الميزان / ج 20 / ص 322 .
48 القسطلاني / المواهب اللّدنيّة .
49 يبدو من سياق سورة المدثّر وأحداثها أن هذه الآيات هي التي نزلت فقط بعد الآيات الخمس الاولى من سورة العلق، لأن بعض الآيات فيها تهديد للمشركين الذين اعرضوا عن الدعوة، كقوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً).
50 كان يزيد مملوكاً لخديجة بنت فلمّا تزوّجها رسول الله (ص) وهبته له، وقد حرّرة الرسول (ص) من العبودية وأعتقه بعد ذلك.
51 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 23 و 24 .
52 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 60 .
53 الصدوق / كمال الدين وتمام النعمة / ط مؤسّسة النشر الاسلامي (قم) / ج 2 / ص 344 .
54 السيوطي / الدرّ المنثور / ج 4 / ص 106 .
55 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص24 . الابطح: مكان يُضاف إلى مكّة وإلى مِنى ، لانّ المسافة بينه وبينهما واحدة .
56 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 24 .
57 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 24 ، ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج2 / ص 70 و 75 .
58 الجزور: كل ما ابيح للذبح.
59 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 24 .
60 المصدر السابق / ص 25 .
61 الاسراء: السير ليلاً.
62 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 51 .
63 ابن هشام / السيرة النبويّة / ط دار إحياء التراث / ج 2 / ص 40 .
64 عبد الله شبّر / حقّ اليقين في معرفة اُصول الدِّين / ط العرفان (صيدا) 1352 هـ / ص 126 .
65 شبّر / حقّ اليقين / ص 133 .
66 ذكر الطباطبائى في تفسير الميزان/ ج15، ص 335 الرواية التالية: [وفي المجمع عن تفسير الثعلبي باسناده عن براء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منه يأكل المسنة ويشرب العس، فامر علياً برجل شاه فأدمها ثم قال: (ادنوا بسم الله )، فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بعقب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: ( اشربوا بسم الله )، فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل، فسكب (ص) يومئذ ولم يتكلّم ]. وذكر هذه الرواية بألفاظ أخرى اليعقوبي في تاريخة /ج2/ ص27.
67 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 27 .
68 المصدر السابق .
69 المصدر السابق .
70 المصدر السابق / ص 28 .
71 مسند أحمد / ص 111و 195. خصائص النّسائي / ج 83 /ص 66. تفسير الطبري ج 19 / ص 74. شواهد التنزيل للحسكاني / ج1 / ص 371 و 514. مجمع الزوائد / ج9/ ص 113. علل الشرائع /ج1 /ص 169. راجع أيضاً ص 488 من هذا الكتاب.
72 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 66 .
73 المصدر السابق .
74 المصدر السابق / ص 67 .
75 المصدر السابق / ص 68 .
76 المصدر السابق / ص 69 .
77 المصدر السابق .
78 المصدر السابق .
79 المصدر السابق .
80 المصدر السابق / ص 70 .
81 المصدر السابق / ص 76 .
82 ابن هشام / السيرة النبويّة / ط دار إحياء التراث العربي (بيروت) / ج 1 / ص 345 . وذكر ابن الاثير في الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 76 : « إنّ عدد الرِّجال المهاجرين يتراوح بين العشرة والاحد عشر رجلاً » .
83 ذكر هذه الاحداث ابن الاثير في الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 77 .
84 كانت هجرة رقيّة وسهلة وأم وليلى في المرّة الاولى من الهجرة.
85 سمّاه رسول الله (ص)، عبد الله ، بعد أن أسلم. وقد ذكر بعض المؤرخين أنه كان عمارة بن الوليد ابن المغيرة وليس بحيرى.
86 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 1 / ص 358 .
87 المصدر السابق / ص 359 .
88 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 1 / ص 359 .
89 المصدر السابق / ص 361 .
90 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 56 .
91 القسطلاني / المواهب اللّدنيّة / ص 52 . وذكر هذه الاحداث ابن الاثير في الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 87 . ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 1 / ص 375 و 376 .
92 ذكر القسطلاني ان المقاطعة بدأت سنة سبع من مبعثه ، كما هو مذكور أعلاه.
93 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 31 .
94 المصدر السابق / ص 31 و 32 .
95 المصدر السابق / ص 32 .
96 اليعقوبي / تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 35 .
97 المصدر السابق .
98 المصدر السابق .
99 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 91 .
100 المصدر السابق / ص 92 .
101 المصدر السابق / ص 92 .
102 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 95 .
103 المصدر السابق .
104 المصدر السابق / ص 95 و 96 .
105 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 96 .
106 سميت بيعة العقبة الأولى.
107 كان من السبعة الأوائل الذين التقوا برسول الله (ص) قبل بيعة العقبة الأولى بعام.
108 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 2 / ص 84 . أمّا ابن الاثير فقد ذكر انّهم كانوا سبعين رجلاً وامرأتين هما اُمّ عمارة وأسماء اُمّ عمرو بن عدي من بني سلمة .
109 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 98 .
110 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 98 ـ 100 .
111 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 2 / ص 97 .
112 الحجّ / 39 - 41 .
113 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 2 / ص 110 ـ 111 .
114 ابن الاثير / الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 101 .
115 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 2 / ص 145 .
116 التنعيم: موضع بين مكة وسرف، على فرسخين من مكة أي حوالى (11كم).
117 ابن هشام / السيرة النبويّة / ج 2 / ص 112 و 113 .
118 المصدر السابق / ص 116 و 117