رحمة
16-06-2005, 01:18 PM
يحكى أن إحدى الزوجات كانت تبغض حماتها بغضاً شديداً، على الرغم من أنها كانت طيبة المعشر، سمحة النفس، حلوة الحديث، فكانت كلما قدمت إلى بيت ابنها في زيارة، ضايقتها وكادت لها وأزعجتها، فتخرج الحماة كئيبة حزينة، على حين كانت تستقبل أمها خير استقبال، وتستضيفها، وتكرمها، وتوسع لها في كل شيء، وكانت أمها سليطة اللسان، متقلبة المزاج، لا يعجبها شيء، ولا ترضى عن شيء، وتعبر دائماً عن ضيق واستياء، بأقسى الألفاظ.
وكانت تلك الزوجة توغر صدر زوجها على أمه، وتشكوها له، وتصورها في أسوأ صورة، مختلقة في ذلك الأكاذيب، غير متورعة ولا خجلة، حتى إنها طلبت منه ذات يوم أن يأخذ أمه إلى أي مكان، ليذبحها، كي ترتاح منها، ويبدو أن الزوج كان في لحظة ضعف، فأطاع زوجته، ومضى بأمه إلى بستان قريب، متذرعاً لها بطلب النزهة، ثم قعد معها على ضفة نهر، حتى ملت، وأخذتها سنة من النوم، فأغفت، ونامت، فما كان منه إلا أن تركها، ورجع إلى البيت.
وأفاقت الأم، فوجدت نفسها وحيدة، فلم تغضب، وظنت أن ابنها قد ذهب إلى عمله، ولم تشعر بشيء، من الاستياء، ومضت لترجع إلى البيت، وبينما هي في الطريق، مر بها رجلان، أحدهما شاب، والآخر عجوز، فاستوقفاها وسألاها ما تحب، الصيف أم الشتاء؟! فتبسمت وقالت لهما: "الصيف جميل، بفواكهه وخضاره، والنسمات الحلوة في لياليه الساهرة، والشتاء جميل، بالموقد والحكايات أحكيها للأحفاد، فشكرها الرجلان على جوابها، وذهبا.
ولما بلغت بيت ابنها، قرعت الباب، فخرج لها ابنها، فرحب بها معتذراً لها، فغفرت له، وسامحته، ولكنها فوجئت، مثلما فوجئ، ابنها، فإنها مع كل كلمة تنطقها كانت الدرر والجواهر تتساقط من فمها، فعجب لذلك، مثلما عجبت هي، أما الزوجة فقد كانت دهشتها أشد وأعظم، ولم تلبث أن طلبت من زوجها أن يأخذ أمها إلى الموضع الذي أخذ إليه أمه.
ومضى الزوج بحماته إلى الموضع نفسه، وتركها، ورجع، وبينما هي جالسة قرب النهر، ضاقت نفسها، وملت، فنهضت، ومضت تتمشى في البستان، وهي مستاءة من الأشواك والحصى والتراب، ضائقة بالصمت والهدوء، تحس بالوحشة والضيق، ثم قررت العودة إلى البيت.
وبينما هي في الطريق، التقى بها العجوز والشاب، فسألاها السؤال نفسه، فقطبت وجهها، واشمأزت، وقالت: "لا أحب الصيف، ولا الشتاء، فليس في الصيف سوى الحر والغبار والظمأ، وليس في الشتاء سوى البرد والطين"، ولم يجبها الرجلان بشيء، وتركاها، ومضيا في طريقهما.
ورجعت إلى بيت ابنتها، وما إن استقبلتها ابنتها، ورحبت بها، حتى شتمتها وشتمت زوجها، وفوجئت البنت، بل ذعرت، مثلما فوجئت الأم وذعرت، فقد كانت الأفاعي والعقارب تتساقط من فم الأم، مع كل كلمة تنطق بها.
من روائع الادب العربى
وكانت تلك الزوجة توغر صدر زوجها على أمه، وتشكوها له، وتصورها في أسوأ صورة، مختلقة في ذلك الأكاذيب، غير متورعة ولا خجلة، حتى إنها طلبت منه ذات يوم أن يأخذ أمه إلى أي مكان، ليذبحها، كي ترتاح منها، ويبدو أن الزوج كان في لحظة ضعف، فأطاع زوجته، ومضى بأمه إلى بستان قريب، متذرعاً لها بطلب النزهة، ثم قعد معها على ضفة نهر، حتى ملت، وأخذتها سنة من النوم، فأغفت، ونامت، فما كان منه إلا أن تركها، ورجع إلى البيت.
وأفاقت الأم، فوجدت نفسها وحيدة، فلم تغضب، وظنت أن ابنها قد ذهب إلى عمله، ولم تشعر بشيء، من الاستياء، ومضت لترجع إلى البيت، وبينما هي في الطريق، مر بها رجلان، أحدهما شاب، والآخر عجوز، فاستوقفاها وسألاها ما تحب، الصيف أم الشتاء؟! فتبسمت وقالت لهما: "الصيف جميل، بفواكهه وخضاره، والنسمات الحلوة في لياليه الساهرة، والشتاء جميل، بالموقد والحكايات أحكيها للأحفاد، فشكرها الرجلان على جوابها، وذهبا.
ولما بلغت بيت ابنها، قرعت الباب، فخرج لها ابنها، فرحب بها معتذراً لها، فغفرت له، وسامحته، ولكنها فوجئت، مثلما فوجئ، ابنها، فإنها مع كل كلمة تنطقها كانت الدرر والجواهر تتساقط من فمها، فعجب لذلك، مثلما عجبت هي، أما الزوجة فقد كانت دهشتها أشد وأعظم، ولم تلبث أن طلبت من زوجها أن يأخذ أمها إلى الموضع الذي أخذ إليه أمه.
ومضى الزوج بحماته إلى الموضع نفسه، وتركها، ورجع، وبينما هي جالسة قرب النهر، ضاقت نفسها، وملت، فنهضت، ومضت تتمشى في البستان، وهي مستاءة من الأشواك والحصى والتراب، ضائقة بالصمت والهدوء، تحس بالوحشة والضيق، ثم قررت العودة إلى البيت.
وبينما هي في الطريق، التقى بها العجوز والشاب، فسألاها السؤال نفسه، فقطبت وجهها، واشمأزت، وقالت: "لا أحب الصيف، ولا الشتاء، فليس في الصيف سوى الحر والغبار والظمأ، وليس في الشتاء سوى البرد والطين"، ولم يجبها الرجلان بشيء، وتركاها، ومضيا في طريقهما.
ورجعت إلى بيت ابنتها، وما إن استقبلتها ابنتها، ورحبت بها، حتى شتمتها وشتمت زوجها، وفوجئت البنت، بل ذعرت، مثلما فوجئت الأم وذعرت، فقد كانت الأفاعي والعقارب تتساقط من فم الأم، مع كل كلمة تنطق بها.
من روائع الادب العربى