عادل عمر
05-06-2005, 09:06 AM
السلام عليكم ورحمة الله
إليكم
أحبتى فى الله
هذا الطرح الخطير وأخص بالذكر كل زوجة ترغب فى رضا الله تعالى أن تجتنب أمر الخروج على الزوج والعلو عليه ( النشوز ) ولذلك أطرح عليكم هذا الموضوع :
( الْكَبِيرَةُ الثَّمَانُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ : نُشُوزُ الْمَرْأَةِ بِنَحْوِ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَرِضَاهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَاسْتِفْتَاءٍ لَمْ يَكْفِهَا إيَّاهُ أَوْ خَشْيَةٍ كَأَنْ خَشِيَتْ فَجَرَةً أَوْ نَحْوَ انْهِدَامِ مَنْزِلِهَا ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } لَمَّا تَكَلَّمَ النِّسَاءُ فِي تَفْضِيلِ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ وَأُجِبْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } إلَخْ . بَيَّنَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا فَضَلَّهُمْ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَوَّامُونَ عَلَيْهِنَّ ، فَالْجَمِيعُ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي التَّمَتُّعِ لَكِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ الرِّجَالَ بِالْقِيَامِ عَلَى النِّسَاءِ بِإِصْلَاحِهِنَّ وَتَأْدِيبِهِنَّ وَدَفْعِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ إلَيْهِنَّ . إذْ الْقَوَّامُ الْأَبْلَغُ مِنْ الْقَيِّمِ هُوَ الْقَائِمُ بِأَتَمِّ الْمَصَالِحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْحِفْظِ وَالتَّوَقِّي مِنْ الْآفَاتِ ، نَزَلَتْ فِي { سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَحَدِ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ ، نَشَزَتْ زَوْجَتُهُ فَلَطَمَهَا فَجَاءَ بِهَا أَبُوهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : افْتَرَشَتْهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا وَإِنَّ أَثَرَ اللَّطْمَةِ بِوَجْهِهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَصِّي مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : اصْبِرِي حَتَّى انْتَظَرَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَمْرًا وَاَلَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ } ، فَعُلِمَ أَنَّ فِي الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّبُ زَوْجَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسِيءَ عِشْرَتَهَا كَمَا أَفْهَم ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { قَوَّامُونَ } .
وَفِي قَوْله تَعَالَى : { وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ قِوَامِيَّتِهِ بِانْتِفَاءِ إنْفَاقِهِ لِإِعْسَارِهِ ، وَإِذَا انْتَفَتْ قِوَامِيَّتُهُ عَلَيْهَا فَلَهَا فَسْخُ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِزَوَالِ الْمَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ النِّكَاحُ ، وقَوْله تَعَالَى : { فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ وَغَيْرِهِ ، وَلَفْظُ الْقُنُوتِ يُفِيدُ الطَّاعَةَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِلْأَزْوَاجِ بِطَوَاعِيَتِهِمْ فِي حُضُورِهِمْ وَحِفْظِهِمْ عِنْدَ غَيْبَتِهِمْ فِي مَالِهِمْ وَمَنْزِلِهِمْ وَأَبْضَاعِهِنَّ عَنْ الزِّنَا لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِهِ الْعَارُ أَوْ وَلَدُ غَيْرِهِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ ، إنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ } ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ " . ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الصَّالِحَاتِ وَبَيَّنَهُنَّ بِذِكْرِ وَصْفَيْ الْقُنُوتِ وَالْحِفْظِ الشَّامِلَيْنِ لِكُلِّ كَمَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَإِلَى الزَّوْجِ ذَكَرَ وَصْفَ غَيْرِ الصَّالِحَاتِ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } وَالْخَوْفُ حَالَةٌ تَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَلَالَةٌ تَكُونُ بِالْقَوْلِ كَأَنْ كَانَتْ تُلَبِّيهِ إذَا دَعَاهَا وَتَخْضَعُ لَهُ بِالْقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ ، وَبِالْفِعْلِ كَأَنْ كَانَتْ تَقُومُ لَهُ إذَا دَخَلَ إلَيْهَا وَتُسَارِعُ إلَى أَمْرِهِ وَتُبَادِرُ إلَى فِرَاشِهِ بِاسْتِبْشَارٍ إذَا لَمَسَهَا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ فَهَذِهِ مُقَدِّمَاتٌ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ ؛ فَأَمَّا حَقِيقَةُ النُّشُوزِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَمُخَالَفَةٌ ، مِنْ نَشَزَ إذَا ارْتَفَعَ فَكَأَنَّهَا بِهِ تَرَفَّعَتْ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : هُوَ أَنْ لَا تَتَعَطَّرَ لَهُ وَتَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَتَتَغَيَّرَ عَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ مِنْ الطَّوَاعِيَةِ ، وَالْوَعْظِ التَّخْوِيفِ بِالْعَوَاقِبِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا اتَّقِي اللَّهَ فِي حَقِّي الْوَاجِبِ عَلَيْك وَاخْشِ سَطْوَةَ انْتِقَامِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا فِي الْمَضْجَعِ بِأَنْ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمُهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ يَعْتَزِلُ عَنْهَا فِي فِرَاشٍ آخَرَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ ، وَالثَّانِي أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إنْ أَحَبَّتْهُ شَقَّ عَلَيْهَا هَجْرُهُ فَتَرْجِعُ عَنْ النُّشُوزِ أَوْ كَرِهَتْهُ فَقَدْ وَافَقَ غَرَضَهَا فَيَتَحَقَّقُ نُشُوزُهَا حِينَئِذٍ . وَقِيلَ اُهْجُرُوهُنَّ مِنْ الْهَجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْقَبِيحُ مِنْ الْقَوْلِ ، أَيْ أَغْلِظُوا عَلَيْهِنَّ فِي الْقَوْلِ وَضَاجِرُوهُنَّ لِلْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ شِدُّوهُنَّ وِثَاقًا فِي بُيُوتِهِنَّ مِنْ هَجَرَ الْبَعِيرَ أَيْ رَبَطَهُ بِالْهِجَارِ وَهُوَ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالشُّذُوذِ وَإِنْ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : لَهَا مِنْ هَفْوَةِ عَالِمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، لَكِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا الْهَجْرُ غَايَتُهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ شَهْرٌ كَمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَسَرَّ إلَى حَفْصَةَ حَدِيثًا أَيْ تَحْرِيمَ مَارِيَةَ أَمَتِهِ النَّازِلُ فِيهَا : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } فَأَفْشَتْهُ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . ا هـ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ عُلَمَاءَ مَذْهَبِهِ .
أَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَعِنْدَهُ مَا أَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لِحَاجَةِ صَلَاحِهَا ، فَمَتَى لَمْ تَصْلُحْ تُهْجَرُ ، وَإِنْ بَلَغَ سِنِينَ وَمَتَى صَلُحَتْ فَلَا هَجْرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } وَ ( فِي ) إمَّا ظَرْفٌ عَلَى بَابِهِ مُتَعَلِّقٌ بِاهْجُرُوهُنَّ : أَيْ اُتْرُكُوا مُضَاجَعَتَهُنَّ أَيْ النَّوْمَ مَعَهُنَّ ، أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ اُهْجُرُوهُنَّ مِنْ أَجْلِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنْ الْمُضَاجَعَةِ مَعَكُمْ ، قِيلَ : وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ ؛ لِأَنَّ فِي الْمَضَاجِعِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْهَجْرِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ . ا هـ .
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الظَّرْفِيَّةُ هُنَا صَحِيحَةٌ ، وَالْهَجْرُ وَاقِعٌ فِيهَا ، وَقِيلَ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنُشُوزِهِنَّ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا مَعْنًى ؛ لِإِيهَامِهِ قَصْرَ النُّشُوزِ عَلَى الْعِصْيَانِ فِي الْمَضْجَعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَلَا صِنَاعَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَمَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ بَعْدَ نُشُوزِهِنَّ : أَيْ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ وَنَشَزْنَ وَإِنَّمَا يَفِرُّ لِذَلِكَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ بِمُجَرَّدِ الْخَوْفِ وَمَذْهَبُنَا خِلَافُهُ ، عَلَى أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْخَوْفَ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقِيلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ وَاضْرِبُوهُنَّ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِنٍ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مِثْلُ اللَّكْزَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ ضَرْبٌ بِالسِّوَاكِ . وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَلَا تَضْرِبْ إلَّا فِي الْبَيْتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهَا أَقَلُّ حُدُودِ الْحُرِّ . وَقَالَ غَيْرُهُ دُونَ الْعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ كَامِلٌ فِي حَقِّ الْقِنِّ وَيُفَرِّقُهَا عَلَى بَدَنِهَا وَلَا يُوَالِيهِ فِي مَوْضِعٍ لِئَلَّا يَعْظُمَ ضَرَرُهُ وَيَتَّقِي الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَكُونُ بِمِنْدِيلٍ مَلْوِيٍّ أَوْ بِيَدِهِ لَا بِسَوْطٍ وَلَا بِعَصًا ، وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِمَّا مَرَّ عَنْ عَطَاءٍ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَالتَّخْفِيفُ يُرَاعَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَرْكُ الضَّرْبِ بِالْكُلِّيَّةِ أَفْضَلُ . وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَمْ لَا ؟
قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - : يَعِظُهَا بِلِسَانِهِ فَإِنْ أَبَتْ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ فَإِنْ أَبَتْ ضَرَبَهَا فَإِنْ لَمْ تَتَّعِظْ بِالضَّرْبِ بَعَثَ الْحَكَمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا التَّرْتِيبُ مُرَاعًى عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ ، أَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَلَا بَأْسَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ ، وَمَعْنَى " لَا تَبْغُوا " أَيْ لَا تَطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَيْ لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ : أَيْ لَا تَطْلُبُوا مِنْهُنَّ مَا لَا يَلْزَمُهُنَّ شَرْعًا بَلْ اُتْرُكُوهُنَّ إلَى خِيرَتِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ جُبِلْنَ طَبْعًا عَلَى التَّبَرُّعِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْخِدْمَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُهُنَّ ، وَخَتَمَ الْآيَةَ بِذَيْنِك الِاسْمَيْنِ فِي تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا أَنَّهُ - تَعَالَى - مَعَ عُلُوِّهِ وَكِبْرِيَائِهِ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ إذْ لَا يُؤَاخَذُ الْعَاصِي إذَا تَابَ فَأَنْتُمْ أَوْلَى أَنْ لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَا لَا يُطِقْنَ وَأَنْ تَقْبَلُوا تَوْبَتَهُنَّ عَنْ نُشُوزِهِنَّ .
وَقِيلَ : إنَّهُنَّ إنْ ضَعُفْنَ عَنْ دَفْعِ ظُلْمِكُمْ فَاَللَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ قَادِرٌ يَنْتَصِفُ لَهُنَّ مِنْكُمْ . وَمَرَّ آنِفًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى بَعْضِ صُوَرِ النُّشُوزِ ، وَيُقَاسُ بِهِ بَاقِيهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ : { إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ : { إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : { مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ - أَيْ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ - سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا زَوْجُهَا } . وَمَرَّتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ الَّتِي يَسْخَطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا لَا تُقْبَلُ صَلَاتُهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا .
إليكم
أحبتى فى الله
هذا الطرح الخطير وأخص بالذكر كل زوجة ترغب فى رضا الله تعالى أن تجتنب أمر الخروج على الزوج والعلو عليه ( النشوز ) ولذلك أطرح عليكم هذا الموضوع :
( الْكَبِيرَةُ الثَّمَانُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ : نُشُوزُ الْمَرْأَةِ بِنَحْوِ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَرِضَاهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَاسْتِفْتَاءٍ لَمْ يَكْفِهَا إيَّاهُ أَوْ خَشْيَةٍ كَأَنْ خَشِيَتْ فَجَرَةً أَوْ نَحْوَ انْهِدَامِ مَنْزِلِهَا ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } لَمَّا تَكَلَّمَ النِّسَاءُ فِي تَفْضِيلِ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ وَأُجِبْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } إلَخْ . بَيَّنَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا فَضَلَّهُمْ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَوَّامُونَ عَلَيْهِنَّ ، فَالْجَمِيعُ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي التَّمَتُّعِ لَكِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ الرِّجَالَ بِالْقِيَامِ عَلَى النِّسَاءِ بِإِصْلَاحِهِنَّ وَتَأْدِيبِهِنَّ وَدَفْعِ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ إلَيْهِنَّ . إذْ الْقَوَّامُ الْأَبْلَغُ مِنْ الْقَيِّمِ هُوَ الْقَائِمُ بِأَتَمِّ الْمَصَالِحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ وَالِاهْتِمَامِ بِالْحِفْظِ وَالتَّوَقِّي مِنْ الْآفَاتِ ، نَزَلَتْ فِي { سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَحَدِ نُقَبَاءِ الْأَنْصَارِ ، نَشَزَتْ زَوْجَتُهُ فَلَطَمَهَا فَجَاءَ بِهَا أَبُوهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : افْتَرَشَتْهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا وَإِنَّ أَثَرَ اللَّطْمَةِ بِوَجْهِهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَصِّي مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : اصْبِرِي حَتَّى انْتَظَرَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَمْرًا وَاَلَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ } ، فَعُلِمَ أَنَّ فِي الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّبُ زَوْجَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسِيءَ عِشْرَتَهَا كَمَا أَفْهَم ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { قَوَّامُونَ } .
وَفِي قَوْله تَعَالَى : { وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ قِوَامِيَّتِهِ بِانْتِفَاءِ إنْفَاقِهِ لِإِعْسَارِهِ ، وَإِذَا انْتَفَتْ قِوَامِيَّتُهُ عَلَيْهَا فَلَهَا فَسْخُ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِزَوَالِ الْمَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ النِّكَاحُ ، وقَوْله تَعَالَى : { فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ وَغَيْرِهِ ، وَلَفْظُ الْقُنُوتِ يُفِيدُ الطَّاعَةَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلِلْأَزْوَاجِ بِطَوَاعِيَتِهِمْ فِي حُضُورِهِمْ وَحِفْظِهِمْ عِنْدَ غَيْبَتِهِمْ فِي مَالِهِمْ وَمَنْزِلِهِمْ وَأَبْضَاعِهِنَّ عَنْ الزِّنَا لِئَلَّا يَلْتَحِقَ بِهِ الْعَارُ أَوْ وَلَدُ غَيْرِهِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ ، إنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ } ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ " . ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الصَّالِحَاتِ وَبَيَّنَهُنَّ بِذِكْرِ وَصْفَيْ الْقُنُوتِ وَالْحِفْظِ الشَّامِلَيْنِ لِكُلِّ كَمَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَإِلَى الزَّوْجِ ذَكَرَ وَصْفَ غَيْرِ الصَّالِحَاتِ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } وَالْخَوْفُ حَالَةٌ تَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَلَالَةٌ تَكُونُ بِالْقَوْلِ كَأَنْ كَانَتْ تُلَبِّيهِ إذَا دَعَاهَا وَتَخْضَعُ لَهُ بِالْقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ ، وَبِالْفِعْلِ كَأَنْ كَانَتْ تَقُومُ لَهُ إذَا دَخَلَ إلَيْهَا وَتُسَارِعُ إلَى أَمْرِهِ وَتُبَادِرُ إلَى فِرَاشِهِ بِاسْتِبْشَارٍ إذَا لَمَسَهَا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ فَهَذِهِ مُقَدِّمَاتٌ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ ؛ فَأَمَّا حَقِيقَةُ النُّشُوزِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَمُخَالَفَةٌ ، مِنْ نَشَزَ إذَا ارْتَفَعَ فَكَأَنَّهَا بِهِ تَرَفَّعَتْ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : هُوَ أَنْ لَا تَتَعَطَّرَ لَهُ وَتَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَتَتَغَيَّرَ عَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ مِنْ الطَّوَاعِيَةِ ، وَالْوَعْظِ التَّخْوِيفِ بِالْعَوَاقِبِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا اتَّقِي اللَّهَ فِي حَقِّي الْوَاجِبِ عَلَيْك وَاخْشِ سَطْوَةَ انْتِقَامِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا فِي الْمَضْجَعِ بِأَنْ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمُهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ يَعْتَزِلُ عَنْهَا فِي فِرَاشٍ آخَرَ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ ، وَالثَّانِي أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إنْ أَحَبَّتْهُ شَقَّ عَلَيْهَا هَجْرُهُ فَتَرْجِعُ عَنْ النُّشُوزِ أَوْ كَرِهَتْهُ فَقَدْ وَافَقَ غَرَضَهَا فَيَتَحَقَّقُ نُشُوزُهَا حِينَئِذٍ . وَقِيلَ اُهْجُرُوهُنَّ مِنْ الْهَجْرِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الْقَبِيحُ مِنْ الْقَوْلِ ، أَيْ أَغْلِظُوا عَلَيْهِنَّ فِي الْقَوْلِ وَضَاجِرُوهُنَّ لِلْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ شِدُّوهُنَّ وِثَاقًا فِي بُيُوتِهِنَّ مِنْ هَجَرَ الْبَعِيرَ أَيْ رَبَطَهُ بِالْهِجَارِ وَهُوَ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالشُّذُوذِ وَإِنْ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : لَهَا مِنْ هَفْوَةِ عَالِمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، لَكِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا الْهَجْرُ غَايَتُهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ شَهْرٌ كَمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَسَرَّ إلَى حَفْصَةَ حَدِيثًا أَيْ تَحْرِيمَ مَارِيَةَ أَمَتِهِ النَّازِلُ فِيهَا : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } فَأَفْشَتْهُ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . ا هـ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ عُلَمَاءَ مَذْهَبِهِ .
أَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَعِنْدَهُ مَا أَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ لِأَنَّهُ لِحَاجَةِ صَلَاحِهَا ، فَمَتَى لَمْ تَصْلُحْ تُهْجَرُ ، وَإِنْ بَلَغَ سِنِينَ وَمَتَى صَلُحَتْ فَلَا هَجْرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } وَ ( فِي ) إمَّا ظَرْفٌ عَلَى بَابِهِ مُتَعَلِّقٌ بِاهْجُرُوهُنَّ : أَيْ اُتْرُكُوا مُضَاجَعَتَهُنَّ أَيْ النَّوْمَ مَعَهُنَّ ، أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ اُهْجُرُوهُنَّ مِنْ أَجْلِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنْ الْمُضَاجَعَةِ مَعَكُمْ ، قِيلَ : وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ ؛ لِأَنَّ فِي الْمَضَاجِعِ لَيْسَ ظَرْفًا لِلْهَجْرِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ . ا هـ .
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الظَّرْفِيَّةُ هُنَا صَحِيحَةٌ ، وَالْهَجْرُ وَاقِعٌ فِيهَا ، وَقِيلَ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنُشُوزِهِنَّ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا مَعْنًى ؛ لِإِيهَامِهِ قَصْرَ النُّشُوزِ عَلَى الْعِصْيَانِ فِي الْمَضْجَعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ وَلَا صِنَاعَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَمَعْمُولِهِ بِأَجْنَبِيٍّ ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ بَعْدَ نُشُوزِهِنَّ : أَيْ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ وَنَشَزْنَ وَإِنَّمَا يَفِرُّ لِذَلِكَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ بِمُجَرَّدِ الْخَوْفِ وَمَذْهَبُنَا خِلَافُهُ ، عَلَى أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْخَوْفَ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقِيلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ وَاضْرِبُوهُنَّ أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِنٍ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مِثْلُ اللَّكْزَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ ضَرْبٌ بِالسِّوَاكِ . وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ وَلَا تَضْرِبْ إلَّا فِي الْبَيْتِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهَا أَقَلُّ حُدُودِ الْحُرِّ . وَقَالَ غَيْرُهُ دُونَ الْعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ كَامِلٌ فِي حَقِّ الْقِنِّ وَيُفَرِّقُهَا عَلَى بَدَنِهَا وَلَا يُوَالِيهِ فِي مَوْضِعٍ لِئَلَّا يَعْظُمَ ضَرَرُهُ وَيَتَّقِي الْوَجْهَ وَالْمَقَاتِلَ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَكُونُ بِمِنْدِيلٍ مَلْوِيٍّ أَوْ بِيَدِهِ لَا بِسَوْطٍ وَلَا بِعَصًا ، وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِمَّا مَرَّ عَنْ عَطَاءٍ . وَبِالْجُمْلَةِ : فَالتَّخْفِيفُ يُرَاعَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَرْكُ الضَّرْبِ بِالْكُلِّيَّةِ أَفْضَلُ . وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَمْ لَا ؟
قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - : يَعِظُهَا بِلِسَانِهِ فَإِنْ أَبَتْ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ فَإِنْ أَبَتْ ضَرَبَهَا فَإِنْ لَمْ تَتَّعِظْ بِالضَّرْبِ بَعَثَ الْحَكَمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا التَّرْتِيبُ مُرَاعًى عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ ، أَمَّا عِنْدَ تَحَقُّقِهِ فَلَا بَأْسَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكُلِّ ، وَمَعْنَى " لَا تَبْغُوا " أَيْ لَا تَطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَيْ لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ : أَيْ لَا تَطْلُبُوا مِنْهُنَّ مَا لَا يَلْزَمُهُنَّ شَرْعًا بَلْ اُتْرُكُوهُنَّ إلَى خِيرَتِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ جُبِلْنَ طَبْعًا عَلَى التَّبَرُّعِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْخِدْمَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُهُنَّ ، وَخَتَمَ الْآيَةَ بِذَيْنِك الِاسْمَيْنِ فِي تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا أَنَّهُ - تَعَالَى - مَعَ عُلُوِّهِ وَكِبْرِيَائِهِ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ مَا لَا يُطِيقُونَهُ إذْ لَا يُؤَاخَذُ الْعَاصِي إذَا تَابَ فَأَنْتُمْ أَوْلَى أَنْ لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَا لَا يُطِقْنَ وَأَنْ تَقْبَلُوا تَوْبَتَهُنَّ عَنْ نُشُوزِهِنَّ .
وَقِيلَ : إنَّهُنَّ إنْ ضَعُفْنَ عَنْ دَفْعِ ظُلْمِكُمْ فَاَللَّهُ عَلِيٌّ كَبِيرٌ قَادِرٌ يَنْتَصِفُ لَهُنَّ مِنْكُمْ . وَمَرَّ آنِفًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى بَعْضِ صُوَرِ النُّشُوزِ ، وَيُقَاسُ بِهِ بَاقِيهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ : { إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ : { إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : { مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ - أَيْ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ - سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا زَوْجُهَا } . وَمَرَّتْ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ الَّتِي يَسْخَطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا لَا تُقْبَلُ صَلَاتُهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا .