زهرة الحنين
04-06-2005, 01:38 AM
لا أمل .. ولا حل .. إنها النهاية' صرخة تنفجر من أعماق طالما تألمت وعانت وقاست بل وحاولت الخروج من هذا البئر الغائر مرات ومرات ولم ينلها إلا انفلات يديها الصاعدة من على الجدران الزلقة ويأس عينيها من التطلع إلى النور في الأعلى إنه في كل حين وبعد كل محاولة فاشلة يتباعد ضوؤه ويقل هجه وتنخفض الرأس المتطلعة لرؤياه فتعود لا تنظر إلا إلى قعر البئر الغائر تري عمقه وتشعر برودة جدرانه فتفقد الهمة للصعود وتعود لا ترى إلا الهبوط والركون ... كلا وألف كلا ما هذه الحياة يغلفها اليأس والقنوط ما هذه الحياة التي تفقد قيمتها حين يفقد الإنسان قدرته على المقاومة والإرادة وتحقيق أحلامه وطموحاته ما تساوي هذه الحياة إذا تحول الإنسان فيها إلى مجرد كيان مادي جسدي محطم النفس والروح كلا ما لهذا خلقنا الله تعالى وما لهذا فضلنا على باقي الخلائق إنما هو الطموح والإرادة إنما هو التصميم والمثابرة إنما هو الأمل لا ينقطع أبدًا والصبر يتجدد دوما وتأملوا معي هذا الحديث النبوي الشريف.
'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء علمه من علمه وجهله من جهله' جبال الحكمة وأطنان الأمل وينابيع الرحمة تنفجر عيونا من هذا الحديث النبوي الشريف لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وكيف لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ومنتهى البلاغة وهداه الله قلبا يفيض بالرحمة على الخلق كلهم حيهم وميتهم جمادهم ومتحركهم فهو يبث الأمل في النفوس ويشع اليقين للقلوب ومنه هذا الحديث الذي ننطلق منه ها هنا في حوارنا كيف ذلك؟ تابعونا:
[1] 'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء' يقين لو ملأ جوانح المسلم وقلبه لما تسرب اليأس إلى النفوس ولما تسرب الشيطان إلى القلوب بالقنوط من رحمة الله تعالى أو الإحباط من تكرار المحاولة إنه الدواء خلقه الله كما خلق الداء إنه الحل أوجده الله تعالى كما أوجد المشكلة مثلا بمثل فكما ترى المشكلة أو المأساة رأي العين فكذا الحل كن على يقين أنه قريب منك رأي العين فالذي خلق هذا خلق هذا سواء بسواء ولكنه اليقين والثقة فأين تراها ذهبت؟ {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب:22] إنه الإيمان بالغيب مناط الامتحان في الدنيا لم يعدهم الله ورسوله التضييق والقتل وإنما وعدهم النصر ولكنهم رأوه حقيقة عيانا كما يرون بأعينهم الأحزاب قد اجتمعوا لقتالهم والقضاء عليهم تأمل معي هكذا وستتأكد أن الله تعالى في كل الامتحانات والمواقف التي نتعرض لها في الدنيا إنما يمتحن فينا إيماننا بالغيب ولما وصف الله تعالى في مفتتح كتابة أهل الإيمان كانت أول صفاتهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3] ثم بعد ذلك بين لنا الوسائل التي بها يزرع العبد هذا الإيمان بالغيب في القلوب عن طريق الإتيان بالعبادات الشرعية بالصورة السليمة'.
الذين يقيمون الصلاة .. 'إنه في نهينا عن المنكرات إنما يمتحن إيماننا بالغيب بعدم بيان الحكمة من النهي في كثير من الأحيان ومع ذلك نطيعه للإتباع والإيمان بالغيب أنه تعالى أخبرنا أنه حرم هذا وانتهى وكذا في الأوامر إنما هو التنفيذ والإتباع والتسليم وهو حقيقة الإسلام في مضمونه ومجمله وتفصيله إنه اليقين بأن كل ما أخبرنا به الله تعالى حق وكذا ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم ثم كيف يكون حال المسلم وهو على يقين أن الدواء لهذا الداء أو ذاك موجود مخلوق وإنما يلزم بذل الجهد فقط لتحصيله إنه لا ييأس ولا ييأس أبدا ولا يمل ولا يكل فهو في معين الرضا والاطمئنان أن الأمر ما هو إلا مسألة وقت فقط وأنه إن تأخر فإنما يؤدي عبادة الوقت ألا وهي الصبر والرضا والثقة بالله ورحمته لعباده وعدم إساءة الطن بربه تعالى وحتى وهو يقضي الوقت يبحث عن الحل فهو يؤجر على ذلك ولا يضيع بحثه وبذله سدى بل الله تعلى يحفظه له ويبارك له فيه فبوركت والله هذه الحياة التي تمتلئ رضا بالله واختياره لعبيده حتى والعبد من أصعب اللحظات لا يفقد الوصلة بربه وأنه الرحيم بأنه وإنما يرفع درجته ويعلي مكانته فياله من بؤس ينقلب نعيمًا ويا لبؤس من فقد هذا اليقين كم تنقلب حياته هما وغما وهو يرفل في أثواب الصحة والنعيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة فيقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول لا يا رب ويؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيغمس في النار غمسة ويقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب' إنه اختلاف المقاييس يحفظه الموقن جيدًا ويغفل عنه من لا يعرف الله تعالى حق المعرفة فحقًا' ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء'.
[2] 'علمه من علمه وجهله من جهله' هذا هو الشق الثاني من الحديث وهو الذي سيرد على التساؤل الذي لا بد سيرد على الأذهان بعدما ذكرناه في تفسير وبيان معنى الشق الأول وهو كيف بنا إن صبرنا وصبرنا ولم نجد حلا؟! أهو الصبر إلى الممات ذلك الذي تعنيه بقولك الصبر واليقين وكيف ذلك؟ ما دم الحل موجودا فلم لا نصل إليه ولم لا نحصل عليه ولم لا فيض أمل ومزيد يقين لكل هذه الأسئلة وغيرها إنه الدواء لكل مصيبة وأزمة ومشكلة خلقه الله تعالى يقينا ولكن أين هو؟ علمه من علمه وجهله من جهله إن عدم توصلنا للحل إنما يرجع لأسباب عديدة منها:
1ـ أننا لا نعرف عما نبحث بل نحن نضع صورة للحل توافق هوانا ورغبتنا ولا يشترط أن تكون هي الحل كلا بل لا بد من تمام التسليم من المريض للطبيب لتحقق الشفاء التام بإذن الله تعالى إننا في الحقيقة نبحث عما نطمع لا ما نعرف أنه الحل نبحث عن تصوراتنا نحن للحل لا عن حقيقة الحل ودعوني أضرب مثلا بسيطا فقد سألني أحدهم ونحن نتحدث عن كتاب الله تعالى القرآن وعن تصوراتنا حوله كيف أنه بحث في المصحف وهو خاتم له عن الصورة العاطفية الجياشة فلم تلحظها عيناه ثم جعل يبحث عنها ورجا أن تكون في صورة يوسف ولكني استوقفته قليلا سائلا إياه عما يبحث بالضبط؟
ما هي الصورة التي تضعها في ذهنك للعاطفة الجياشة إنها تلك الصورة التي تكونت في أذهاننا وعقولنا من أجهزة إعلامنا وأبواق مجتمعاتنا المجافية لحياة الروح التي أمر بها ربنا تبارك وتعالى إذن أنت تبحث عن صورة لن تجدها لأنها في الحقيقة من صنع تصورات البشر بل الصحيح أنك تبحث عن العاطفة انطلق لتبحث عنها في القرآن ولكن تعلمها من القرآن سله هو عن الصورة السليمة لها فهو المصدر أقبل على النص القرآني لا تبحث عما تريد بل تسأل ما تريده وكيف تحصل عليه؟ بذا تنال الحل على حقيقته وبه يكون الشفاء بإذن الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ[15]يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15ـ16].
2ـ قد يكون بحثنا عن الحل في المكان الخاطئ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [[علمه من علمه وجهله من جهله]] وفي هذا الأثر علم وحل وأمل فالعلم أن الدواء قد لا يوجد عند من تبحث عنه وهو تنبيه ألا تتجه بالمشاكل إلا لأهل الاختصاص والخبرة والمؤتمنون على دينك وأهل المشورة الصحيحة المعروفين بعلمهم وورعهم وخبرتهم وحرصهم على مصالح الناس والحل أن تعيد البحث عن غير من استشرت ولا يمتنع أن يوجد جزء من الحل عند هذا أو ذاك وتجمع من كل منهم ما يفيدك ويعينك على تجاوز المحن والصبر والثبات وأما الأمل فإن الحل الموجود وإذا فقدته عند أحد فستجده فإذن الله تعالى عند آخر ولكنها الهمة في البحث والتنقيب والصبر يرفعه الله في آخر الطريق جائزة للواصلين المطمئنين إلى وعد الله تعالى.
إذن أيها المريض أقبل فإنما أنت اختيار الله تعالى واصطفاؤه لتكون من حزب الصابرين والراضين بقضاء الله تعالى وقدره, فها هو اليقين يملأ جوانحك أن الله تعالى ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء وأنه سبحانه نبهنا أن هذا الدواء لا يعلمه كل الناس, بل هو مما يحتاج إلى البحث عنه وبذل الجهد لتحصيله, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناس يوم القيامة عندما يرون أجر الصابرين يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا فيقرضوا بالمقاريض لما يرون من عظم أجر الصابرين.
ولكل ما سبق يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [[ولا تداووا بحرام, إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم]] وكيف ونحن في ظلال عبادة المرض عبادة الرضا والصبر والأخذ بالأسباب, فكيف نصلها بالحرام؟ كلا بل هي تنال بالرضا واليقين فاللهم ارفع منازلنا وثبت قلوبنا وزد يقيننا وعلمنا بك تبارك وتعاليت.
وكذا هنا تعاملنا مع مريض الوسواس القهري لأن عدوه خفي غير ظاهر وداءه مرهق لا يستسلم بسهولة ويعتمد على إفشال المحاولات المستمرة للتخلص من العلاج, بل ويضع مرض الوسواس القهري في داخل سلوكياته الجين المقاوم للشفاء بأن يجمع بين السلوك غير المرغوب والاعتقاد بأن ترك هذا السلوك أو التخلي عنه سينبني عليه قلق عظيم وهم شديد, فكلما حاول الشخص التخلص من السلوك المرضي ضغط عليه الوسواس بأن هذا ليس هو الحل وأنه بذلك لم يفعل أكثر من أن سبب لنفسه القلق والاضطراب فضلاً عن إقناعه عند أول فشل أنه لا يمكنه مطلقًا التخلي عن هذا السلوك, فقد أصبح من مكوناته وبالذات إذا كان مستمرًا عليه لسنوات أو شهور كعادة متأصلة, فكم تحتاج من مجهود لإزالتها.
وسنعرض في الجزء الثاني من هذه المقالة للحديث عن علاج مرضى الوسواس القهري ودرجاته ومراحله حتى يستوعب المريض بنفسه أبعاد هذا المرض وكيفية السيطرة عليه والتعامل معه وحبسه في أضيق الحدود وكذا لمعونة الأهل والمحيطين بمريض الوسواس القهري على التغلب على مرضه وتحجيمه قدر الإمكان والاستطاعة.
ولقد كان من الأهمية بمكان التقديم للحديث عن العلاج بمقدمة تبعث الأمل وتحفظ الصبر وتضمن المواصلة على الطريق للبحث عن الشفاء لأنه قد ثبت من الإحصائيات أن 25% من مرضى الوسواس القهري لا يتم لهم الشفاء, والسبب الرئيس في ذلك هو تخليهم عن الاستمرار في العلاج سواء الدوائي أو المعرفي والسلوكي ومن المعلوم أن السبب الرئيس للانقطاع عن العلاج هو اليأس وفقد الأمل من العلاج مع الأخذ في الاعتبار أن هناك نسبة تمتنع نظرًا لدفع التكلفة المادية, ولكن الأغلب إنما يمتنعون وينقطعون نظرًا لدرجات الإحباط المختلفة التي يواجهونها مع بداية مراحل العلاج المختلفة.
رزقنا الله تعالى وإياكم الصبر والرضا باختياره وجعلنا أهلاً لاصطفائه لنا بالبلاء لرفع الدرجات ووهبنا الثبات على ما يحب رؤيته منا في هذا المقام من مقامات العبودية اللهم آمين وإلى اللقاء
منقول لافادة*11*
'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء علمه من علمه وجهله من جهله' جبال الحكمة وأطنان الأمل وينابيع الرحمة تنفجر عيونا من هذا الحديث النبوي الشريف لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وكيف لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ومنتهى البلاغة وهداه الله قلبا يفيض بالرحمة على الخلق كلهم حيهم وميتهم جمادهم ومتحركهم فهو يبث الأمل في النفوس ويشع اليقين للقلوب ومنه هذا الحديث الذي ننطلق منه ها هنا في حوارنا كيف ذلك؟ تابعونا:
[1] 'ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء' يقين لو ملأ جوانح المسلم وقلبه لما تسرب اليأس إلى النفوس ولما تسرب الشيطان إلى القلوب بالقنوط من رحمة الله تعالى أو الإحباط من تكرار المحاولة إنه الدواء خلقه الله كما خلق الداء إنه الحل أوجده الله تعالى كما أوجد المشكلة مثلا بمثل فكما ترى المشكلة أو المأساة رأي العين فكذا الحل كن على يقين أنه قريب منك رأي العين فالذي خلق هذا خلق هذا سواء بسواء ولكنه اليقين والثقة فأين تراها ذهبت؟ {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب:22] إنه الإيمان بالغيب مناط الامتحان في الدنيا لم يعدهم الله ورسوله التضييق والقتل وإنما وعدهم النصر ولكنهم رأوه حقيقة عيانا كما يرون بأعينهم الأحزاب قد اجتمعوا لقتالهم والقضاء عليهم تأمل معي هكذا وستتأكد أن الله تعالى في كل الامتحانات والمواقف التي نتعرض لها في الدنيا إنما يمتحن فينا إيماننا بالغيب ولما وصف الله تعالى في مفتتح كتابة أهل الإيمان كانت أول صفاتهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3] ثم بعد ذلك بين لنا الوسائل التي بها يزرع العبد هذا الإيمان بالغيب في القلوب عن طريق الإتيان بالعبادات الشرعية بالصورة السليمة'.
الذين يقيمون الصلاة .. 'إنه في نهينا عن المنكرات إنما يمتحن إيماننا بالغيب بعدم بيان الحكمة من النهي في كثير من الأحيان ومع ذلك نطيعه للإتباع والإيمان بالغيب أنه تعالى أخبرنا أنه حرم هذا وانتهى وكذا في الأوامر إنما هو التنفيذ والإتباع والتسليم وهو حقيقة الإسلام في مضمونه ومجمله وتفصيله إنه اليقين بأن كل ما أخبرنا به الله تعالى حق وكذا ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم ثم كيف يكون حال المسلم وهو على يقين أن الدواء لهذا الداء أو ذاك موجود مخلوق وإنما يلزم بذل الجهد فقط لتحصيله إنه لا ييأس ولا ييأس أبدا ولا يمل ولا يكل فهو في معين الرضا والاطمئنان أن الأمر ما هو إلا مسألة وقت فقط وأنه إن تأخر فإنما يؤدي عبادة الوقت ألا وهي الصبر والرضا والثقة بالله ورحمته لعباده وعدم إساءة الطن بربه تعالى وحتى وهو يقضي الوقت يبحث عن الحل فهو يؤجر على ذلك ولا يضيع بحثه وبذله سدى بل الله تعلى يحفظه له ويبارك له فيه فبوركت والله هذه الحياة التي تمتلئ رضا بالله واختياره لعبيده حتى والعبد من أصعب اللحظات لا يفقد الوصلة بربه وأنه الرحيم بأنه وإنما يرفع درجته ويعلي مكانته فياله من بؤس ينقلب نعيمًا ويا لبؤس من فقد هذا اليقين كم تنقلب حياته هما وغما وهو يرفل في أثواب الصحة والنعيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة غمسة فيقال له: هل رأيت بؤسا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول لا يا رب ويؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيغمس في النار غمسة ويقال له: هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب' إنه اختلاف المقاييس يحفظه الموقن جيدًا ويغفل عنه من لا يعرف الله تعالى حق المعرفة فحقًا' ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه الدواء'.
[2] 'علمه من علمه وجهله من جهله' هذا هو الشق الثاني من الحديث وهو الذي سيرد على التساؤل الذي لا بد سيرد على الأذهان بعدما ذكرناه في تفسير وبيان معنى الشق الأول وهو كيف بنا إن صبرنا وصبرنا ولم نجد حلا؟! أهو الصبر إلى الممات ذلك الذي تعنيه بقولك الصبر واليقين وكيف ذلك؟ ما دم الحل موجودا فلم لا نصل إليه ولم لا نحصل عليه ولم لا فيض أمل ومزيد يقين لكل هذه الأسئلة وغيرها إنه الدواء لكل مصيبة وأزمة ومشكلة خلقه الله تعالى يقينا ولكن أين هو؟ علمه من علمه وجهله من جهله إن عدم توصلنا للحل إنما يرجع لأسباب عديدة منها:
1ـ أننا لا نعرف عما نبحث بل نحن نضع صورة للحل توافق هوانا ورغبتنا ولا يشترط أن تكون هي الحل كلا بل لا بد من تمام التسليم من المريض للطبيب لتحقق الشفاء التام بإذن الله تعالى إننا في الحقيقة نبحث عما نطمع لا ما نعرف أنه الحل نبحث عن تصوراتنا نحن للحل لا عن حقيقة الحل ودعوني أضرب مثلا بسيطا فقد سألني أحدهم ونحن نتحدث عن كتاب الله تعالى القرآن وعن تصوراتنا حوله كيف أنه بحث في المصحف وهو خاتم له عن الصورة العاطفية الجياشة فلم تلحظها عيناه ثم جعل يبحث عنها ورجا أن تكون في صورة يوسف ولكني استوقفته قليلا سائلا إياه عما يبحث بالضبط؟
ما هي الصورة التي تضعها في ذهنك للعاطفة الجياشة إنها تلك الصورة التي تكونت في أذهاننا وعقولنا من أجهزة إعلامنا وأبواق مجتمعاتنا المجافية لحياة الروح التي أمر بها ربنا تبارك وتعالى إذن أنت تبحث عن صورة لن تجدها لأنها في الحقيقة من صنع تصورات البشر بل الصحيح أنك تبحث عن العاطفة انطلق لتبحث عنها في القرآن ولكن تعلمها من القرآن سله هو عن الصورة السليمة لها فهو المصدر أقبل على النص القرآني لا تبحث عما تريد بل تسأل ما تريده وكيف تحصل عليه؟ بذا تنال الحل على حقيقته وبه يكون الشفاء بإذن الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ[15]يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15ـ16].
2ـ قد يكون بحثنا عن الحل في المكان الخاطئ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [[علمه من علمه وجهله من جهله]] وفي هذا الأثر علم وحل وأمل فالعلم أن الدواء قد لا يوجد عند من تبحث عنه وهو تنبيه ألا تتجه بالمشاكل إلا لأهل الاختصاص والخبرة والمؤتمنون على دينك وأهل المشورة الصحيحة المعروفين بعلمهم وورعهم وخبرتهم وحرصهم على مصالح الناس والحل أن تعيد البحث عن غير من استشرت ولا يمتنع أن يوجد جزء من الحل عند هذا أو ذاك وتجمع من كل منهم ما يفيدك ويعينك على تجاوز المحن والصبر والثبات وأما الأمل فإن الحل الموجود وإذا فقدته عند أحد فستجده فإذن الله تعالى عند آخر ولكنها الهمة في البحث والتنقيب والصبر يرفعه الله في آخر الطريق جائزة للواصلين المطمئنين إلى وعد الله تعالى.
إذن أيها المريض أقبل فإنما أنت اختيار الله تعالى واصطفاؤه لتكون من حزب الصابرين والراضين بقضاء الله تعالى وقدره, فها هو اليقين يملأ جوانحك أن الله تعالى ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء وأنه سبحانه نبهنا أن هذا الدواء لا يعلمه كل الناس, بل هو مما يحتاج إلى البحث عنه وبذل الجهد لتحصيله, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناس يوم القيامة عندما يرون أجر الصابرين يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا فيقرضوا بالمقاريض لما يرون من عظم أجر الصابرين.
ولكل ما سبق يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: [[ولا تداووا بحرام, إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم]] وكيف ونحن في ظلال عبادة المرض عبادة الرضا والصبر والأخذ بالأسباب, فكيف نصلها بالحرام؟ كلا بل هي تنال بالرضا واليقين فاللهم ارفع منازلنا وثبت قلوبنا وزد يقيننا وعلمنا بك تبارك وتعاليت.
وكذا هنا تعاملنا مع مريض الوسواس القهري لأن عدوه خفي غير ظاهر وداءه مرهق لا يستسلم بسهولة ويعتمد على إفشال المحاولات المستمرة للتخلص من العلاج, بل ويضع مرض الوسواس القهري في داخل سلوكياته الجين المقاوم للشفاء بأن يجمع بين السلوك غير المرغوب والاعتقاد بأن ترك هذا السلوك أو التخلي عنه سينبني عليه قلق عظيم وهم شديد, فكلما حاول الشخص التخلص من السلوك المرضي ضغط عليه الوسواس بأن هذا ليس هو الحل وأنه بذلك لم يفعل أكثر من أن سبب لنفسه القلق والاضطراب فضلاً عن إقناعه عند أول فشل أنه لا يمكنه مطلقًا التخلي عن هذا السلوك, فقد أصبح من مكوناته وبالذات إذا كان مستمرًا عليه لسنوات أو شهور كعادة متأصلة, فكم تحتاج من مجهود لإزالتها.
وسنعرض في الجزء الثاني من هذه المقالة للحديث عن علاج مرضى الوسواس القهري ودرجاته ومراحله حتى يستوعب المريض بنفسه أبعاد هذا المرض وكيفية السيطرة عليه والتعامل معه وحبسه في أضيق الحدود وكذا لمعونة الأهل والمحيطين بمريض الوسواس القهري على التغلب على مرضه وتحجيمه قدر الإمكان والاستطاعة.
ولقد كان من الأهمية بمكان التقديم للحديث عن العلاج بمقدمة تبعث الأمل وتحفظ الصبر وتضمن المواصلة على الطريق للبحث عن الشفاء لأنه قد ثبت من الإحصائيات أن 25% من مرضى الوسواس القهري لا يتم لهم الشفاء, والسبب الرئيس في ذلك هو تخليهم عن الاستمرار في العلاج سواء الدوائي أو المعرفي والسلوكي ومن المعلوم أن السبب الرئيس للانقطاع عن العلاج هو اليأس وفقد الأمل من العلاج مع الأخذ في الاعتبار أن هناك نسبة تمتنع نظرًا لدفع التكلفة المادية, ولكن الأغلب إنما يمتنعون وينقطعون نظرًا لدرجات الإحباط المختلفة التي يواجهونها مع بداية مراحل العلاج المختلفة.
رزقنا الله تعالى وإياكم الصبر والرضا باختياره وجعلنا أهلاً لاصطفائه لنا بالبلاء لرفع الدرجات ووهبنا الثبات على ما يحب رؤيته منا في هذا المقام من مقامات العبودية اللهم آمين وإلى اللقاء
منقول لافادة*11*