محمود حسين 0
08-05-2005, 09:55 AM
ولكن .. !!
بقلم : محمود حسين
وقفت ( شروق ) تنظر إلى صورتها المنعكسة من مرآتها البالية ، لا تكاد ترى من خلالها جمال وجهها .. ودقة تقسيمات جسدها ..
وسرعان ما سرحت بل هامت في عبارات الإعجاب التي تسمعها كثيراً من زميلاتها في كلية الآداب .. اللاتي يطلقن عليها جميلة جميلات الكلية ..! مما يزيد من إحساسها بالثقة في نفسها ..!
ولكن ..
آهٍ .. من العبارات الجريئة التي تطلقها جارتها وزميلتها في الكلية ( سهام ) .. فلها مذاق خاص .. تدغدغ بها مشـاعرها .. تجعلها تشعر بأنها ملكة جمال الكون ..! إحساس جميل ..! ما كادت تحلق في فضائه حتى تذكرت دعوتها الأكثر جراءة لها :
- لابد من أن تستغلي هذا الجمال قبل أن يذبل ..!
ترتسم علامات الدهشة فوق وجه ( شروق ) فتزيده احمراراً وخجلاً ..!
تقول سهام : انظري إلى ملابسي ..، مجوهراتي ..
تتبدل دهشة ( شروق ) إلى حيرة ..! تعبر عنها بأسئلة صامتة ..!!
سهام بثقة مصطنعة فضحتها عيناها الزائغتان ، ونبرات صوتها الحزين :
وصلتني أسئلتك ..!!
- نعم .. أنا من أسرة أشد فقراً من أسرتك .. ومازالت كما تعلمين ..
أسمع همسـات أهل حيّنا المستغربة .. المستنكرة .. ألمح الشك في عيونهم .. لم
أعـد أحتمل شظف العيش .. ذل الفقر .. حتى متى ؟ ..طرحت همساتهـم
وشكهم وراء ظهري .. لم أعد أعبأ بهذا .. انطلقت لتحقيق أحلامي .. نجحت
كما ترين ..
لم تستطع ( شروق ) مقاومـة سؤال متطفل .. صريح .. ملّح .. فأطلقته كسهم يعرف هدفه إلى ( سهام ) :
- من أين لكِ كل هذا وأنت ما زلت على حالك التي أعرف ؟!..
- سهام بابتسامة مفتعلة : الأمر أبسط مما تتخيلين ..!
- شروق : كيف ؟!
- سهام : عن طريق الراقصة المشهورة مدام ( لولو )
- شروق متعجبة : ( لولو ) ..!!
- سهام : نعم .. ألا تعرفينها ؟!
- شروق .. متعجبة .. ساخرة : ومن في البلد لا يعرفها !!.. وقد شاهدتها مؤخراً مع ملايين غيري في البرنامج التليفزيوني الشهير الذي أذيع عقب الإفطار في شهر رمضان الفائت ، وسمعت قصة كفاحها التي بدأت من سن الثانية عشرة عندما هربت من أهلها ..!! وعملت راقصة مغمورة .. ثم راقصة معروفة .. ثم راقصة مشهورة .. وهي أعلى درجات سلّم الـرقص .. ! وأصبحت الآن فنانة متعددة المواهب .. تفتح لها الأبـواب المغلقـة .. ! وتملأ لها الخزائن .. ! رأيتهـا وسمعتهـا وهي تطرح هذا الكفاح المشرف .. !! ولسان حالها يدعو للاقتداء بها .. ممن تريد أن تصل إلى ما وصلت إليه من جاه ومال ..!! خاصة عندما قالت : انظروا إلى ما أنا فيه الآن ..!
- سهـام في عزيمـة وإصرار : سأكـون أفضل منها .. فأنا أملك موهبة كبيرة في الرقص .. فأنا الآن أقدم وصلة رقص واحدة في " الكازينو" السياحي الذي تملكه.. نظراً لظروف الدراسة ..! وعندما أنتهي من دراستي هذا العام وأحصل على الليسانس .. سأتفرغ تماماً للرقص وسأعمل في أكثر من "كازينو" .. وسأحقق الانتشار .. وسأنطلق إلى عالم الشهرة والمال ..
***
تهبط سهام بأحلامها التي كادت تلامس بها السحاب .. إلى حيث الواقع .. المهمة الآن أصبحت أسهل .. فالكلام الآن أصبح على المكشوف .. لابد من جـذب ( شـروق ) ذات الجمـال الصارخ إلى الطريق نفسها .. قربة إلى مدام ( لولو ) .. وعوناً قوياً تُسكِتُ به بقايا ضميرها ..
تنظر ( سهام ) في عيني ( شروق ) - الساكنتين .. الشاردتين .. – تستبشر .. تمني نفسها بنجاح المهمة .. تطلق كلماتها بصوت ناعم حنون : لابد لنا من اغتنام الفرصة .. فهي لا تأتي سوى مرة واحدة .. مدام ( لولو ) في انتظارك على أحر من الجمر .. حدثتها كثيراً عن جمالك ورشاقتك .. موعدنا معها الليلة القادمة .. أتركك الآن .. سأنتظر ردك صباحاً ..
***
تفرك عينها .. تمعن في النظر .. تبحث عن مساحة صافية !..
لا فائدة .. إنها بالية ..
تشعر بنقمة تملأ صدرها .. كل شيء حولها متهالك .. أثاث غرفتها تشتم منه عبق الماضي البعيد .. فهي ورثته عن أختها الوسطى .. حي شعبي ضارب في جذور التاريخ .. أهل الحي معظمهم فقراء .. لا يكاد راتب والدها يكفي نفقات معيشتهم المتواضعة ..
تغلي الدماء في عروقها ..! كحمم بركانية منصهرة ..! ثائرة ..! تسقط دمعـة حسرة ..! يوقظ لهيبها شوقاً دفيناً في أعماقها لآمال وأحلام ..!
تتنهد بحرقة .. تمسح دمعتها .. فقر مدقع .. آثاره واضحة .. مؤلمة .. محبطة ..
يكاد رأسها أن ينفجر ..!
تتذكر دعوة ( سهام ) ..
- ولماذا لا أفعل مثلها ؟
هي صادقة مع نفسها .. استطاعت أن تحدد هدفها .. سعت إلى تحقيقه .. حاربت فقرها .. انتصرت عليه .. ترشدها معالم ومكاسب قدوتها الواضحة كوضوح النهار وقت الضحى ..!!
ماذا أنتظر ؟!
أأنتظر فارس أحلامي الشريف الذي قد أعيد معه كرّة الحرمان ..؟!
***
تدخل عليها أمها مهنئة بحلول العام الهجري الجديد .. طالبة منها مشاركتها – كعادتهما كل عام – في مشاهدة الفيلم الديني الذي يعيد عرضه التلفاز مرة واحدة في السنة !!
تأخذهـا أحداث الفيلم من أحزانها ..! تتابع سيناريو وحوار الفيلم بانفعال شديد .. ! وكأنها تشاهده لأول مرة .. يلفت انتباهها رد ( هند بنت عتبة ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مبايعة نساء مكة له، حين أمرهن ( ولا يزنين ) فترد ( هند ) متسائلة ..متعجبة .. ( وهل تزني الحرة ؟! ) ..
***
تحاور نفسها : الرقص فن راق .. مهنة .. أموال كثيرة .. تنقذني من الفقر .. سأحقق أحلامي ..
لن أنحرف ..! لن يجرفني التيار ..!
ولكن ..
كيف ؟!
ترتعد .. تنهمر دموعها .. تردد في صمت .. أوتزني الحرة ؟!
ترتمي فوق فراشها ..! تزداد رعشتها ..! تغرق وسادتها ..!
تهدأ .. ترى شعاع نور يخرج من ظلمات أعماقها ..!
تمتد أصابعها إلى المذياع .. برنامج لغتنا الجميلة .. تنصت ..
- يتحدث مقدم البرنامج – ذو الصوت الرخيم - : أصدق أمثال العرب " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ..!! "
***
ترددها مرات ومرات بصوت صارخ .. مكتوم .. !
" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ..!! "
بقلم : محمود حسين
وقفت ( شروق ) تنظر إلى صورتها المنعكسة من مرآتها البالية ، لا تكاد ترى من خلالها جمال وجهها .. ودقة تقسيمات جسدها ..
وسرعان ما سرحت بل هامت في عبارات الإعجاب التي تسمعها كثيراً من زميلاتها في كلية الآداب .. اللاتي يطلقن عليها جميلة جميلات الكلية ..! مما يزيد من إحساسها بالثقة في نفسها ..!
ولكن ..
آهٍ .. من العبارات الجريئة التي تطلقها جارتها وزميلتها في الكلية ( سهام ) .. فلها مذاق خاص .. تدغدغ بها مشـاعرها .. تجعلها تشعر بأنها ملكة جمال الكون ..! إحساس جميل ..! ما كادت تحلق في فضائه حتى تذكرت دعوتها الأكثر جراءة لها :
- لابد من أن تستغلي هذا الجمال قبل أن يذبل ..!
ترتسم علامات الدهشة فوق وجه ( شروق ) فتزيده احمراراً وخجلاً ..!
تقول سهام : انظري إلى ملابسي ..، مجوهراتي ..
تتبدل دهشة ( شروق ) إلى حيرة ..! تعبر عنها بأسئلة صامتة ..!!
سهام بثقة مصطنعة فضحتها عيناها الزائغتان ، ونبرات صوتها الحزين :
وصلتني أسئلتك ..!!
- نعم .. أنا من أسرة أشد فقراً من أسرتك .. ومازالت كما تعلمين ..
أسمع همسـات أهل حيّنا المستغربة .. المستنكرة .. ألمح الشك في عيونهم .. لم
أعـد أحتمل شظف العيش .. ذل الفقر .. حتى متى ؟ ..طرحت همساتهـم
وشكهم وراء ظهري .. لم أعد أعبأ بهذا .. انطلقت لتحقيق أحلامي .. نجحت
كما ترين ..
لم تستطع ( شروق ) مقاومـة سؤال متطفل .. صريح .. ملّح .. فأطلقته كسهم يعرف هدفه إلى ( سهام ) :
- من أين لكِ كل هذا وأنت ما زلت على حالك التي أعرف ؟!..
- سهام بابتسامة مفتعلة : الأمر أبسط مما تتخيلين ..!
- شروق : كيف ؟!
- سهام : عن طريق الراقصة المشهورة مدام ( لولو )
- شروق متعجبة : ( لولو ) ..!!
- سهام : نعم .. ألا تعرفينها ؟!
- شروق .. متعجبة .. ساخرة : ومن في البلد لا يعرفها !!.. وقد شاهدتها مؤخراً مع ملايين غيري في البرنامج التليفزيوني الشهير الذي أذيع عقب الإفطار في شهر رمضان الفائت ، وسمعت قصة كفاحها التي بدأت من سن الثانية عشرة عندما هربت من أهلها ..!! وعملت راقصة مغمورة .. ثم راقصة معروفة .. ثم راقصة مشهورة .. وهي أعلى درجات سلّم الـرقص .. ! وأصبحت الآن فنانة متعددة المواهب .. تفتح لها الأبـواب المغلقـة .. ! وتملأ لها الخزائن .. ! رأيتهـا وسمعتهـا وهي تطرح هذا الكفاح المشرف .. !! ولسان حالها يدعو للاقتداء بها .. ممن تريد أن تصل إلى ما وصلت إليه من جاه ومال ..!! خاصة عندما قالت : انظروا إلى ما أنا فيه الآن ..!
- سهـام في عزيمـة وإصرار : سأكـون أفضل منها .. فأنا أملك موهبة كبيرة في الرقص .. فأنا الآن أقدم وصلة رقص واحدة في " الكازينو" السياحي الذي تملكه.. نظراً لظروف الدراسة ..! وعندما أنتهي من دراستي هذا العام وأحصل على الليسانس .. سأتفرغ تماماً للرقص وسأعمل في أكثر من "كازينو" .. وسأحقق الانتشار .. وسأنطلق إلى عالم الشهرة والمال ..
***
تهبط سهام بأحلامها التي كادت تلامس بها السحاب .. إلى حيث الواقع .. المهمة الآن أصبحت أسهل .. فالكلام الآن أصبح على المكشوف .. لابد من جـذب ( شـروق ) ذات الجمـال الصارخ إلى الطريق نفسها .. قربة إلى مدام ( لولو ) .. وعوناً قوياً تُسكِتُ به بقايا ضميرها ..
تنظر ( سهام ) في عيني ( شروق ) - الساكنتين .. الشاردتين .. – تستبشر .. تمني نفسها بنجاح المهمة .. تطلق كلماتها بصوت ناعم حنون : لابد لنا من اغتنام الفرصة .. فهي لا تأتي سوى مرة واحدة .. مدام ( لولو ) في انتظارك على أحر من الجمر .. حدثتها كثيراً عن جمالك ورشاقتك .. موعدنا معها الليلة القادمة .. أتركك الآن .. سأنتظر ردك صباحاً ..
***
تفرك عينها .. تمعن في النظر .. تبحث عن مساحة صافية !..
لا فائدة .. إنها بالية ..
تشعر بنقمة تملأ صدرها .. كل شيء حولها متهالك .. أثاث غرفتها تشتم منه عبق الماضي البعيد .. فهي ورثته عن أختها الوسطى .. حي شعبي ضارب في جذور التاريخ .. أهل الحي معظمهم فقراء .. لا يكاد راتب والدها يكفي نفقات معيشتهم المتواضعة ..
تغلي الدماء في عروقها ..! كحمم بركانية منصهرة ..! ثائرة ..! تسقط دمعـة حسرة ..! يوقظ لهيبها شوقاً دفيناً في أعماقها لآمال وأحلام ..!
تتنهد بحرقة .. تمسح دمعتها .. فقر مدقع .. آثاره واضحة .. مؤلمة .. محبطة ..
يكاد رأسها أن ينفجر ..!
تتذكر دعوة ( سهام ) ..
- ولماذا لا أفعل مثلها ؟
هي صادقة مع نفسها .. استطاعت أن تحدد هدفها .. سعت إلى تحقيقه .. حاربت فقرها .. انتصرت عليه .. ترشدها معالم ومكاسب قدوتها الواضحة كوضوح النهار وقت الضحى ..!!
ماذا أنتظر ؟!
أأنتظر فارس أحلامي الشريف الذي قد أعيد معه كرّة الحرمان ..؟!
***
تدخل عليها أمها مهنئة بحلول العام الهجري الجديد .. طالبة منها مشاركتها – كعادتهما كل عام – في مشاهدة الفيلم الديني الذي يعيد عرضه التلفاز مرة واحدة في السنة !!
تأخذهـا أحداث الفيلم من أحزانها ..! تتابع سيناريو وحوار الفيلم بانفعال شديد .. ! وكأنها تشاهده لأول مرة .. يلفت انتباهها رد ( هند بنت عتبة ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مبايعة نساء مكة له، حين أمرهن ( ولا يزنين ) فترد ( هند ) متسائلة ..متعجبة .. ( وهل تزني الحرة ؟! ) ..
***
تحاور نفسها : الرقص فن راق .. مهنة .. أموال كثيرة .. تنقذني من الفقر .. سأحقق أحلامي ..
لن أنحرف ..! لن يجرفني التيار ..!
ولكن ..
كيف ؟!
ترتعد .. تنهمر دموعها .. تردد في صمت .. أوتزني الحرة ؟!
ترتمي فوق فراشها ..! تزداد رعشتها ..! تغرق وسادتها ..!
تهدأ .. ترى شعاع نور يخرج من ظلمات أعماقها ..!
تمتد أصابعها إلى المذياع .. برنامج لغتنا الجميلة .. تنصت ..
- يتحدث مقدم البرنامج – ذو الصوت الرخيم - : أصدق أمثال العرب " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ..!! "
***
ترددها مرات ومرات بصوت صارخ .. مكتوم .. !
" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ..!! "