زياد جيوسي
02-05-2005, 12:23 PM
بين عدالة قانون التقاعد واستحقاقات التسريع به
بقلم: آصف قزموز
قيل إن رجلاً فقيراً قد جار عليه الزمان والأهل والخِلاّن وبقايا الأوطان. فحكموه بالإعدام شنقاً، زوراً وبهتاناً ومن دون وجه حق. وساقوه إلى المشنقة في اليوم الموعود فأوقفوه في ساحة الإعدام معصوب العينين ببذلته الحمراء ينتظر أجله المحتوم، غير بعيد عن الجلاد الذي كان مشغولاً بتوضيب المشنقة على مقاس الرجل المسكين.
وبينما كان الجلاد مشغولا بمهمة تحضير المشنقة، كان الرجل المحكوم يكرّر طوال الوقت عبارة "الله ينجِّينا من الأعظم".
ولما لاحظ الجلاد بأن الرجل يبالغ في تكرارها على مسامعه. التفت اليه سائلاً: أي أعظم هذا الذي تطلب النجاة منه وأنت مقبل على الموت شنقاً بعد لحظات؟!!
أجاب الرجل: ما بتِعرف يا بنيِّي، بيجوز في هناك ما هو أمَرّ وأعظم. ثم تابع تكرار نفس العبارة. الله ينجينا من الأعظم...
فعجب الجلاد لأمر هذا الرجل، وتابع عمله في تحضير المشنقة ولما انتهى من إعدادها. دفع بالرجل نحو المشنقة وبدأ بوضع الحبل حول عنقه استعداداً لتنفيذ مراسم الحكم. وما هي إلا لحظات. وإذا برجل ينادي من بعيد أوقفوا الحكم.. أوقفوا الحكم. فتوقف الجلاد بانتظار استجلاء أمر المنادي، حتى وصل وقال: لقد أمر مولاي السلطان بأن يتم إعدام هذا الرجل بالخازوق، بدلاً من إعدامه شنقاً.
فالتفت الرجل إلى الجلاد وقال: مش قلت لك بابني، الله ينجِّينا من الأعظم؟
فالموظف الفلسطيني الذي ما زال مصيره عالق في مهب الريح، ما بين القوانين والنظم والفتاوى والتشريعات المتزاحمة. وبات العالم من حوله رويبضياً انفصامياً، والحق هرماً يقف على رأسه ويُصَعِّر أخمصه للشمس جزاء على فعلتها بانتحال اسم شمس الحرية يوماً. ولأن بدايته الوظيفية المتأخرة قد تداخلت مع بداية حتفه الوظيفي، الذي داهمه بعد طول ترحال واحتلال في نهايات مرحلة الإياب من خريف العمر، المندفع نحو محطته الأخيرة. أصبح لسان حاله هذه الأيام، ليس بأفضل من حال أبي الطيب المتنبي، ولا أقل سوءاً حين قال:
بِمَ التَّعلُّل لا أهلٌ ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن
إن مبدأ التقاعد، يعد أمراً غير قابل للتصرف ولا الاجتهاد، سواء عند من سبقونا أو من لحقونا من الشعوب، لأنه ومن دون أدنى شك، يعبر فعلياً عن حالة صحية في المجتمعات، باعتباره يجسد عملية التجدد والتجديد، في خلايا المجتمع وأجسامه الإدارية. وبالتالي ليس من المقبول أبداً أن يكون بيننا ثمة من يرفض تطبيق هذا المبدأ، سيما وأننا نمر في مرحلة انتقالية ما بين الثورة والدولة، والسلم الوظيفي ينوء تحت أعداد كبيرة من الموظفين المتراكمين عليه منذ سنين. لكن عند التطبيق لا بد من مراعاة جوانب عديدة ذات حساسية خاصة، لها علاقة في المشاعر الإنسانية والسياسية الوطنية التي تشكلت على مرّ السنين وأصبحت جزءاً مكوناً لشخصية هذا الموظف، خصوصاً وأن مبدأ التقاعد الذي نحن يصدده، قد جاء قسرياً ومفاجئاً، ولم يأت ضمن سياق عملية التطور الطبيعي المتدرج، بمقدار ما هو استحقاق ملزم، باتت تفرضه عوامل داخلية وخارجية نعرفها جميعاً.
وانطلاقاً من كل ذلك لا بد من تطبيق قانون تقاعد عصري، لا كيدياً، يحمي مستقبل هذه الفئات ومستقبل أسرهم، بحياة كريمة بعيداً عن أي شعور بالمهانة أو المساس بالكرامة، لا قدر الله. ولا يجوز لنا الانجرار، لإطلاق فزاعة الفساد عليهم، وكأن جميع هذه الفئات بقضها وقضيضها فاسدة ونريد قانوناً للتقاعد يخلصنا منها، لأن في ذلك ظلماً كبيراً وجرحاً بالغاً في الكرامة الوطنية لهؤلاء ووصمة عار في جبين فلسطيننا الحبيبة. فنحن لم نأتِ من المريخ، بل نحن شعب مناضل، قدم وضحى ولا يزال، فمن حقنا أن يكون لنا قوانين عادلة تنظم حياتنا وتحفظ كراماتنا وكرامات أبنائنا ووطننا. لأن جميع الشعوب التي سبقتنا وخاضت حروب التحرير الوطنية، كرمت قدامى مناضليها عند وبعد انتهاء خدماتهم وأمنت لهم حقوقهم.
فاستمرار حالة القلق والتخبط والضياع عند الموظفين الفلسطينيين ما زال سيد الموقف، وما زالت تتقاذفهم الإشاعات اليومية يميناً ويساراً حتى التَّدويخ. والجلطات والذبحات الصدرية تستبيح اليافعين والكهول منهم. فأي ذنب هذا الذي اقترفوه حتى يصبح حالهم هذا الحال؟!!
كيف لا، ونحن ما زلنا نشهد الموظف مشبوحاً ما بين سماء القوانين غير الواضحة حتى الآن، وأرض المنفذين لها والمُسيِّرين لحقوقه. فما يكاد الموظف يسمع خبراً أو شائعة تَسُرّ البال، عن قرب إقرار قانون أو لائحة ما تبين حقوقه، حتى يقع من جديد تحت ضغط وتوتير شائعات وأخبار أخرى معاكسة، بل ويواجه متطلبات أخرى، تصل إلى حد إثبات وظيفته أو إثبات أنه خدم في المنظمة أو الفصائل. وفي هذه الحالة يصبح حال الموظف، أشبه بحال المسلم الذي يطلب منه أن يثبت إسلامه كل يوم حتى يعترف به كمسلم. وبالتالي يكون قد كفر وأَلحد قبل أن ينجح في إثبات ذلك.
صحيح إننا بحاجة ماسة لقانون تقاعد عصري لجميع الفئات، وتحكمه المعايير والنسب المتوازنة والعادلة، لا المجزأة لفئات دون أخرى. وصحيح أن مسألة التقاعد تأتي في زمن يشوبه التشكك وتطغى على عقولنا نظرية المؤامرة. لكن ما لا يجوز أن نختلف عليه أبداً، هو ضرورة أن نتذكر دائماً مقولة "مَصيرِك يا كِنِّة تصيري حْماية"، وأن الشعوب التي لا تحترم تاريخها، لا يمكن لأحد أن يحترمها. ولنتق الله في أنفسنا أولاً قبل غيرنا. والله ينجّينا من الأعظم.
للتواصل مع الكاتب
asefsaeed@yahoo.com
To visit , go to:
http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/ (http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/)
بقلم: آصف قزموز
قيل إن رجلاً فقيراً قد جار عليه الزمان والأهل والخِلاّن وبقايا الأوطان. فحكموه بالإعدام شنقاً، زوراً وبهتاناً ومن دون وجه حق. وساقوه إلى المشنقة في اليوم الموعود فأوقفوه في ساحة الإعدام معصوب العينين ببذلته الحمراء ينتظر أجله المحتوم، غير بعيد عن الجلاد الذي كان مشغولاً بتوضيب المشنقة على مقاس الرجل المسكين.
وبينما كان الجلاد مشغولا بمهمة تحضير المشنقة، كان الرجل المحكوم يكرّر طوال الوقت عبارة "الله ينجِّينا من الأعظم".
ولما لاحظ الجلاد بأن الرجل يبالغ في تكرارها على مسامعه. التفت اليه سائلاً: أي أعظم هذا الذي تطلب النجاة منه وأنت مقبل على الموت شنقاً بعد لحظات؟!!
أجاب الرجل: ما بتِعرف يا بنيِّي، بيجوز في هناك ما هو أمَرّ وأعظم. ثم تابع تكرار نفس العبارة. الله ينجينا من الأعظم...
فعجب الجلاد لأمر هذا الرجل، وتابع عمله في تحضير المشنقة ولما انتهى من إعدادها. دفع بالرجل نحو المشنقة وبدأ بوضع الحبل حول عنقه استعداداً لتنفيذ مراسم الحكم. وما هي إلا لحظات. وإذا برجل ينادي من بعيد أوقفوا الحكم.. أوقفوا الحكم. فتوقف الجلاد بانتظار استجلاء أمر المنادي، حتى وصل وقال: لقد أمر مولاي السلطان بأن يتم إعدام هذا الرجل بالخازوق، بدلاً من إعدامه شنقاً.
فالتفت الرجل إلى الجلاد وقال: مش قلت لك بابني، الله ينجِّينا من الأعظم؟
فالموظف الفلسطيني الذي ما زال مصيره عالق في مهب الريح، ما بين القوانين والنظم والفتاوى والتشريعات المتزاحمة. وبات العالم من حوله رويبضياً انفصامياً، والحق هرماً يقف على رأسه ويُصَعِّر أخمصه للشمس جزاء على فعلتها بانتحال اسم شمس الحرية يوماً. ولأن بدايته الوظيفية المتأخرة قد تداخلت مع بداية حتفه الوظيفي، الذي داهمه بعد طول ترحال واحتلال في نهايات مرحلة الإياب من خريف العمر، المندفع نحو محطته الأخيرة. أصبح لسان حاله هذه الأيام، ليس بأفضل من حال أبي الطيب المتنبي، ولا أقل سوءاً حين قال:
بِمَ التَّعلُّل لا أهلٌ ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن
إن مبدأ التقاعد، يعد أمراً غير قابل للتصرف ولا الاجتهاد، سواء عند من سبقونا أو من لحقونا من الشعوب، لأنه ومن دون أدنى شك، يعبر فعلياً عن حالة صحية في المجتمعات، باعتباره يجسد عملية التجدد والتجديد، في خلايا المجتمع وأجسامه الإدارية. وبالتالي ليس من المقبول أبداً أن يكون بيننا ثمة من يرفض تطبيق هذا المبدأ، سيما وأننا نمر في مرحلة انتقالية ما بين الثورة والدولة، والسلم الوظيفي ينوء تحت أعداد كبيرة من الموظفين المتراكمين عليه منذ سنين. لكن عند التطبيق لا بد من مراعاة جوانب عديدة ذات حساسية خاصة، لها علاقة في المشاعر الإنسانية والسياسية الوطنية التي تشكلت على مرّ السنين وأصبحت جزءاً مكوناً لشخصية هذا الموظف، خصوصاً وأن مبدأ التقاعد الذي نحن يصدده، قد جاء قسرياً ومفاجئاً، ولم يأت ضمن سياق عملية التطور الطبيعي المتدرج، بمقدار ما هو استحقاق ملزم، باتت تفرضه عوامل داخلية وخارجية نعرفها جميعاً.
وانطلاقاً من كل ذلك لا بد من تطبيق قانون تقاعد عصري، لا كيدياً، يحمي مستقبل هذه الفئات ومستقبل أسرهم، بحياة كريمة بعيداً عن أي شعور بالمهانة أو المساس بالكرامة، لا قدر الله. ولا يجوز لنا الانجرار، لإطلاق فزاعة الفساد عليهم، وكأن جميع هذه الفئات بقضها وقضيضها فاسدة ونريد قانوناً للتقاعد يخلصنا منها، لأن في ذلك ظلماً كبيراً وجرحاً بالغاً في الكرامة الوطنية لهؤلاء ووصمة عار في جبين فلسطيننا الحبيبة. فنحن لم نأتِ من المريخ، بل نحن شعب مناضل، قدم وضحى ولا يزال، فمن حقنا أن يكون لنا قوانين عادلة تنظم حياتنا وتحفظ كراماتنا وكرامات أبنائنا ووطننا. لأن جميع الشعوب التي سبقتنا وخاضت حروب التحرير الوطنية، كرمت قدامى مناضليها عند وبعد انتهاء خدماتهم وأمنت لهم حقوقهم.
فاستمرار حالة القلق والتخبط والضياع عند الموظفين الفلسطينيين ما زال سيد الموقف، وما زالت تتقاذفهم الإشاعات اليومية يميناً ويساراً حتى التَّدويخ. والجلطات والذبحات الصدرية تستبيح اليافعين والكهول منهم. فأي ذنب هذا الذي اقترفوه حتى يصبح حالهم هذا الحال؟!!
كيف لا، ونحن ما زلنا نشهد الموظف مشبوحاً ما بين سماء القوانين غير الواضحة حتى الآن، وأرض المنفذين لها والمُسيِّرين لحقوقه. فما يكاد الموظف يسمع خبراً أو شائعة تَسُرّ البال، عن قرب إقرار قانون أو لائحة ما تبين حقوقه، حتى يقع من جديد تحت ضغط وتوتير شائعات وأخبار أخرى معاكسة، بل ويواجه متطلبات أخرى، تصل إلى حد إثبات وظيفته أو إثبات أنه خدم في المنظمة أو الفصائل. وفي هذه الحالة يصبح حال الموظف، أشبه بحال المسلم الذي يطلب منه أن يثبت إسلامه كل يوم حتى يعترف به كمسلم. وبالتالي يكون قد كفر وأَلحد قبل أن ينجح في إثبات ذلك.
صحيح إننا بحاجة ماسة لقانون تقاعد عصري لجميع الفئات، وتحكمه المعايير والنسب المتوازنة والعادلة، لا المجزأة لفئات دون أخرى. وصحيح أن مسألة التقاعد تأتي في زمن يشوبه التشكك وتطغى على عقولنا نظرية المؤامرة. لكن ما لا يجوز أن نختلف عليه أبداً، هو ضرورة أن نتذكر دائماً مقولة "مَصيرِك يا كِنِّة تصيري حْماية"، وأن الشعوب التي لا تحترم تاريخها، لا يمكن لأحد أن يحترمها. ولنتق الله في أنفسنا أولاً قبل غيرنا. والله ينجّينا من الأعظم.
للتواصل مع الكاتب
asefsaeed@yahoo.com
To visit , go to:
http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/ (http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/)