زياد جيوسي
24-04-2005, 09:38 AM
23 نيسان 2005
طائر الفينيق ينهض ثانية من تحت الرماد
بقلم: آصف قزموز*
قالوا: إن جملاً قد ضل طريقه بعد ان ضاقت به السبل، ودخل غابة يسيطر عليها احد الاسود، باعتبارها مملكته. وكان لهذا الاسد ثلاثة اصدقاء ذئب وثعلب وغراب يعيشون معه ويقودون لحسابه ويتولون مهمة الترويض والتوضيب لمن يقع عليهم اختيار الاسد ممن لم يدخلوا الغابة بعد.
فسأل الأسد الجمل: ما بك وما حاجتك؟
أجاب الجمل: لا اريد شيئاً سوى السلامة والعدالة.
الاسد: مرحباً بك في غابتي، ولك ان تقيم معنا بأمن وسلام.
لكن الجمل لم يشأ حينها ان يقول بأنه كان مع اجداده يقطن تلك الغابة منذ ما قبل ولادة الاسد وظهوره فيها، ونما وترعرع فيها منذ نعومة اخفافه. لكن، ما علينا.
وفي احد الايام، وبينما كان الاسد يحاول افتراس فيل ضخم، وقع عراك دام بينهما، وعاد الاسد يجر ذيله بين ساقيه، وهو مدمى ومثخن الجراح بفعل أنياب الفيل الحادة التي نالت منه. واصبح من الضعف بحيث لم يعد يقوى على تحصيل ما يقتات به. بل واصاب الضعف والهزال والجوع الشديد اصدقاءه الثلاثة الذين كانوا يعيشون على فضلاته.
وقال لهم الاسد: انكم تعبون وجوعى ولا بد لكم من شيء تأكلونه لكي تستعينوا على ضعفكم وتدهور صحتكم واحوالكم.
أجاب الثلاثة: لبيك يا سيدي. فنحن لا تهمنا انفسنا، بل نحن حزينون من اجلك لاننا لم نجد شيئاً نقدمه لك لتأكله وتصلب طولك، واصبحنا لا حول لنا ولا قوة.
قال: اشكركم على مشاعركم الطيبة. لكن عليكم ان تنطلقوا في طلب الرزق عسى ان تصطادوا ما يطعمني ويطعمكم ويسد رمقنا جميعاً.
وخرج الثلاثة وجلسوا بعيداً يحيكون الدسيسة والمؤامرة التي ترضي سيدهم وتؤمن مصالحهم، وقالوا: ما الذي يجمعنا مع هذا الجمل العاشب ونحن اللاحمين، فلا هواه على هوانا، ولا طريقه من طريقنا، ولا رأيه من رأينا، فهو عنطوز دائم ويزاود علينا، ويشعرنا بصغرنا امام ضخامته وعلوه الشاهق وفي نظر اهالينا ورعايانا في بلداننا؟ فلماذا لا نقنع الاسد بأكله، فيصيبنا منه نصيب ونتخلص من رؤيته التي تؤرقنا وتذكرنا بحقيقتنا المرة وضعفنا امام عنفوانه وصبره المغايرة لصفاتنا. فتعهد الغراب للثعلب والذئب، بأن يتولى امر إقناع الاسد بأكل الجمل. فلما دخل على الاسد قابله بالسؤال: هل اصطدتم شيئاً ايها الغراب؟
الغراب: كلا يا سيدي، لأن الجوع قد نال منا ولم نعد قادرين على الصيد، ولكننا توافقنا على امر يسد حاجتك وحاجتنا ويكفينا واياك شرور الجوع والحاجة.
الأسد: وما هو هذا الأمر؟
الغراب: هذا الجمل آكل العشب، النشاز بيننا والمختلف عن طبائعنا واطوارنا، فلا هواه هوانا ولا طريقه طريقنا.. بل ويحرجنا امام قومنا بصبره وقوة تحمله وضخامته قياساً بضآلة حجمنا وضعفنا امامه. كما انه لا يقدم لك اي منفعة ولا مصلحة.
فصاح الاسد به: ويحك ايها الغراب اللعين. ألا تعرف انني قد عقدت اتفاقاً معه واعطيته الأمان ليعيش في كنفنا بسلام. كم انت فظ وغليظ القلب، لا رحمة فيك ولا وفاء.
الغراب: حاشا وكلا يا مولاي. فاني احترم واقدر رأيك السديد. لكن المنطق الذي علمناه منكم، هو ان تبقى مصلحتك هي الاساس وليس القيم والمثل والمبادئ، وانه حيثما تكون مصلحتك تكون هي المثل والمبادئ التي يجب ان تسود. وبالتالي، فان الفرد يضحي بنفسه من اجل الاسرة، والاسرة يجب ان تضحي بنفسها من اجل العشيرة، والعشيرة تفتدي الوطن كله، واهل الوطن جميعاً فداء الملك. ومولاي الآن في ظرف حرج يستحق التضحية.
فسكت الاسد عن جواب الغراب في اشارة واضحة الى الموافقة. فخرج الغراب فوراً الى الثعلب والذئب وقال لهما: لقد وافق الاسد على الفكرة، شريطة ان نجتمع نحن والجمل في حضرة الاسد، ونبدأ بالتودد اليه والتوجع لآلامه، والمبالغة في خوفنا وحرصنا عليه. ثم يعرض كل واحد منا نفسه على الأسد كي يأكله، حباً وطواعية، فيرد الآخران منا عليه ويفندان رأيه، ويسفهانه، ويظهران الضرر الذي يمكن ان يتسبب من اكله. فاذا ما حان دور الجمل في الحديث، صوبنا رأيه، واثنينا عليه، فيهلك ونخلص منه ونرتاح، ونسلم نحن، ويرضى الاسد عنا. فيبقى الميدان لحميدان.
ولما حضروا عند الاسد. تقدم الغراب وقال: انت بحاجة لأن تقيت نفسك لتصلب طولك، ونحن أحقّ الناس ان نفديك بأنفسنا. واذا أصابك مكروه لا قدّر الله فلن يكون لي رغبة بهذه الدنيا من بعدك لأنك المطعم الكاسي والآمر الناهي. فلتأكلني يا سيدي بكل رضى وعن طيب خاطر.
فرد عليه الذئب والثعلب: لا إخرس أيها الغراب. انت كلك على بعضك ما بتساوي شيء فلا طعم بلحمك ولا شبع لسيدي".
فتقدم الثعلب وقال: أنا قد أشبع سيدي. فلتتفضل يا مولاي وتأكلني حباً ووفاءً وعن طيب نفس.
فرد عليه الذئب والغراب: تباً لك أيها الثعلب الحقير، انسيت أنك نتنٌ وقذر، ولحمك؛ لا يليق بمقام سيدي الأسد؟
ثم تقدم الذئب قائلاً: أنا لست مثلكم ولا لحمي كلحمكم.
فقاطعه الغراب والثعلب قائلين: وفر كلامك ولا تكمل. الا تعلم بأن الاطباء قد قالوا: ان من يريد قتل نفسه فليأكل لحم ذئب؟
وهنا ظن الجمل انهم يتلمسون له الاعذار مثلما فعلوا لبعض: فتقدم من الاسد ليفاجئهم قائلاً: أما أنا فإنني أعلم جيداً ان فيّ ما يكفي للملك ويزيد، ولحمي من طينة مختلفة، فبطني نظيف وقلبي انظف وانقى، واعيش هنا بين اهلي وعلى ارضي التي آكل من عشبها، ولم آحضر هنا لأكون قرباناً له. فصاحوا به: ويلك ايها المخبول ستدفع الثمن غالياً فانقضوا عليه من فورهم ومزقوه ارباً ارباً وقدموه قرباناً لسيدهم الاسد.
"فسلموا" الثلاثة وفازوا برضى الاسد ولعنات شعوبهم بعد ان نجوا الاسد وحموه من الهلاك.
يذكر ان الجمل المغدور، الذي صبر لسنوات طوال على ظلام وظلم من اوقعوا به الى الحد الذي حجبوا صوته يوماً عن اسماعهم وهو في محنته، ليقرروا في امره غيابياً، بل هم انفسهم الذين ألقوا به في اليم مكتوفاً وقالوا له: اياك ان تبتل بالماء!! ولم يمدوا له طوق النجاة حين كان يسير مكبلاً بالسلاسل مثخن الجراح في درب الجلجلة الموصلة الى حتفه. فكان أقصى ما لامس اسماعه في تلك المحنة عبارة تقول "الخيرة في ما اختاره الله"!!
فلتتنزل شآبيب الرحمة على الجمل بما حمل. والذي عاش ومضى عاشباً صابراً بعيداً عن اللحم واللاحمين. فها هو الخلف يسير على ذات الهدى وثوابت السكة التي رسمها السلف، ويغذ الخطى الواثقة والمعززة بالارادة الصلبة الجريئة، والايمان الراسخ بعدالة حقوقنا الوطنية والثوابت التي قضى في سبيلها الجمل.
وليتذكروا دائماً ولا ينسوا بأن طائر الفينيق هو الوحيد الذي ينهض ثانية من تحت الرماد ولا يموت ابداً.
* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله.
"asef saed" <asefsaeed@yahoo.com>
http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/ (http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/)
طائر الفينيق ينهض ثانية من تحت الرماد
بقلم: آصف قزموز*
قالوا: إن جملاً قد ضل طريقه بعد ان ضاقت به السبل، ودخل غابة يسيطر عليها احد الاسود، باعتبارها مملكته. وكان لهذا الاسد ثلاثة اصدقاء ذئب وثعلب وغراب يعيشون معه ويقودون لحسابه ويتولون مهمة الترويض والتوضيب لمن يقع عليهم اختيار الاسد ممن لم يدخلوا الغابة بعد.
فسأل الأسد الجمل: ما بك وما حاجتك؟
أجاب الجمل: لا اريد شيئاً سوى السلامة والعدالة.
الاسد: مرحباً بك في غابتي، ولك ان تقيم معنا بأمن وسلام.
لكن الجمل لم يشأ حينها ان يقول بأنه كان مع اجداده يقطن تلك الغابة منذ ما قبل ولادة الاسد وظهوره فيها، ونما وترعرع فيها منذ نعومة اخفافه. لكن، ما علينا.
وفي احد الايام، وبينما كان الاسد يحاول افتراس فيل ضخم، وقع عراك دام بينهما، وعاد الاسد يجر ذيله بين ساقيه، وهو مدمى ومثخن الجراح بفعل أنياب الفيل الحادة التي نالت منه. واصبح من الضعف بحيث لم يعد يقوى على تحصيل ما يقتات به. بل واصاب الضعف والهزال والجوع الشديد اصدقاءه الثلاثة الذين كانوا يعيشون على فضلاته.
وقال لهم الاسد: انكم تعبون وجوعى ولا بد لكم من شيء تأكلونه لكي تستعينوا على ضعفكم وتدهور صحتكم واحوالكم.
أجاب الثلاثة: لبيك يا سيدي. فنحن لا تهمنا انفسنا، بل نحن حزينون من اجلك لاننا لم نجد شيئاً نقدمه لك لتأكله وتصلب طولك، واصبحنا لا حول لنا ولا قوة.
قال: اشكركم على مشاعركم الطيبة. لكن عليكم ان تنطلقوا في طلب الرزق عسى ان تصطادوا ما يطعمني ويطعمكم ويسد رمقنا جميعاً.
وخرج الثلاثة وجلسوا بعيداً يحيكون الدسيسة والمؤامرة التي ترضي سيدهم وتؤمن مصالحهم، وقالوا: ما الذي يجمعنا مع هذا الجمل العاشب ونحن اللاحمين، فلا هواه على هوانا، ولا طريقه من طريقنا، ولا رأيه من رأينا، فهو عنطوز دائم ويزاود علينا، ويشعرنا بصغرنا امام ضخامته وعلوه الشاهق وفي نظر اهالينا ورعايانا في بلداننا؟ فلماذا لا نقنع الاسد بأكله، فيصيبنا منه نصيب ونتخلص من رؤيته التي تؤرقنا وتذكرنا بحقيقتنا المرة وضعفنا امام عنفوانه وصبره المغايرة لصفاتنا. فتعهد الغراب للثعلب والذئب، بأن يتولى امر إقناع الاسد بأكل الجمل. فلما دخل على الاسد قابله بالسؤال: هل اصطدتم شيئاً ايها الغراب؟
الغراب: كلا يا سيدي، لأن الجوع قد نال منا ولم نعد قادرين على الصيد، ولكننا توافقنا على امر يسد حاجتك وحاجتنا ويكفينا واياك شرور الجوع والحاجة.
الأسد: وما هو هذا الأمر؟
الغراب: هذا الجمل آكل العشب، النشاز بيننا والمختلف عن طبائعنا واطوارنا، فلا هواه هوانا ولا طريقه طريقنا.. بل ويحرجنا امام قومنا بصبره وقوة تحمله وضخامته قياساً بضآلة حجمنا وضعفنا امامه. كما انه لا يقدم لك اي منفعة ولا مصلحة.
فصاح الاسد به: ويحك ايها الغراب اللعين. ألا تعرف انني قد عقدت اتفاقاً معه واعطيته الأمان ليعيش في كنفنا بسلام. كم انت فظ وغليظ القلب، لا رحمة فيك ولا وفاء.
الغراب: حاشا وكلا يا مولاي. فاني احترم واقدر رأيك السديد. لكن المنطق الذي علمناه منكم، هو ان تبقى مصلحتك هي الاساس وليس القيم والمثل والمبادئ، وانه حيثما تكون مصلحتك تكون هي المثل والمبادئ التي يجب ان تسود. وبالتالي، فان الفرد يضحي بنفسه من اجل الاسرة، والاسرة يجب ان تضحي بنفسها من اجل العشيرة، والعشيرة تفتدي الوطن كله، واهل الوطن جميعاً فداء الملك. ومولاي الآن في ظرف حرج يستحق التضحية.
فسكت الاسد عن جواب الغراب في اشارة واضحة الى الموافقة. فخرج الغراب فوراً الى الثعلب والذئب وقال لهما: لقد وافق الاسد على الفكرة، شريطة ان نجتمع نحن والجمل في حضرة الاسد، ونبدأ بالتودد اليه والتوجع لآلامه، والمبالغة في خوفنا وحرصنا عليه. ثم يعرض كل واحد منا نفسه على الأسد كي يأكله، حباً وطواعية، فيرد الآخران منا عليه ويفندان رأيه، ويسفهانه، ويظهران الضرر الذي يمكن ان يتسبب من اكله. فاذا ما حان دور الجمل في الحديث، صوبنا رأيه، واثنينا عليه، فيهلك ونخلص منه ونرتاح، ونسلم نحن، ويرضى الاسد عنا. فيبقى الميدان لحميدان.
ولما حضروا عند الاسد. تقدم الغراب وقال: انت بحاجة لأن تقيت نفسك لتصلب طولك، ونحن أحقّ الناس ان نفديك بأنفسنا. واذا أصابك مكروه لا قدّر الله فلن يكون لي رغبة بهذه الدنيا من بعدك لأنك المطعم الكاسي والآمر الناهي. فلتأكلني يا سيدي بكل رضى وعن طيب خاطر.
فرد عليه الذئب والثعلب: لا إخرس أيها الغراب. انت كلك على بعضك ما بتساوي شيء فلا طعم بلحمك ولا شبع لسيدي".
فتقدم الثعلب وقال: أنا قد أشبع سيدي. فلتتفضل يا مولاي وتأكلني حباً ووفاءً وعن طيب نفس.
فرد عليه الذئب والغراب: تباً لك أيها الثعلب الحقير، انسيت أنك نتنٌ وقذر، ولحمك؛ لا يليق بمقام سيدي الأسد؟
ثم تقدم الذئب قائلاً: أنا لست مثلكم ولا لحمي كلحمكم.
فقاطعه الغراب والثعلب قائلين: وفر كلامك ولا تكمل. الا تعلم بأن الاطباء قد قالوا: ان من يريد قتل نفسه فليأكل لحم ذئب؟
وهنا ظن الجمل انهم يتلمسون له الاعذار مثلما فعلوا لبعض: فتقدم من الاسد ليفاجئهم قائلاً: أما أنا فإنني أعلم جيداً ان فيّ ما يكفي للملك ويزيد، ولحمي من طينة مختلفة، فبطني نظيف وقلبي انظف وانقى، واعيش هنا بين اهلي وعلى ارضي التي آكل من عشبها، ولم آحضر هنا لأكون قرباناً له. فصاحوا به: ويلك ايها المخبول ستدفع الثمن غالياً فانقضوا عليه من فورهم ومزقوه ارباً ارباً وقدموه قرباناً لسيدهم الاسد.
"فسلموا" الثلاثة وفازوا برضى الاسد ولعنات شعوبهم بعد ان نجوا الاسد وحموه من الهلاك.
يذكر ان الجمل المغدور، الذي صبر لسنوات طوال على ظلام وظلم من اوقعوا به الى الحد الذي حجبوا صوته يوماً عن اسماعهم وهو في محنته، ليقرروا في امره غيابياً، بل هم انفسهم الذين ألقوا به في اليم مكتوفاً وقالوا له: اياك ان تبتل بالماء!! ولم يمدوا له طوق النجاة حين كان يسير مكبلاً بالسلاسل مثخن الجراح في درب الجلجلة الموصلة الى حتفه. فكان أقصى ما لامس اسماعه في تلك المحنة عبارة تقول "الخيرة في ما اختاره الله"!!
فلتتنزل شآبيب الرحمة على الجمل بما حمل. والذي عاش ومضى عاشباً صابراً بعيداً عن اللحم واللاحمين. فها هو الخلف يسير على ذات الهدى وثوابت السكة التي رسمها السلف، ويغذ الخطى الواثقة والمعززة بالارادة الصلبة الجريئة، والايمان الراسخ بعدالة حقوقنا الوطنية والثوابت التي قضى في سبيلها الجمل.
وليتذكروا دائماً ولا ينسوا بأن طائر الفينيق هو الوحيد الذي ينهض ثانية من تحت الرماد ولا يموت ابداً.
* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله.
"asef saed" <asefsaeed@yahoo.com>
http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/ (http://groups.yahoo.com/group/RAMALLAH-ARTS/)