د0 احمد فنديس
11-04-2005, 01:06 PM
(قراءة في ديوان)
د0 عبد العاطي كيوان *
(عبير من الفردوس) الديوان الأول للشاعر زينهم البدوي.والمتلقي لهذا الديوان ـ فضلاً عن تضوّع العبير في فراديسه ـ يجد تنوعاً ملحوظاً لموضوعاته الشِعرية.يخرج فيها الشاعر من موضوع إلى آخر.وإن جمعها في النهاية موضوع واحد.وهو موضوع يتكرر كثيراً في هذه (الفراديس).فتارة يرتد إلى القرية المصرية بقيمها وأخلاقيات مجتمعها وعاداته الموروثة.وتارة يعود إلى المجتمع والواقع، بما حاق به من تغيرات، لا يهش لها الشاعر كثيرا ولا يعبأ بها، نرى هذا في صوره وتشكيلاته، بل ونراها في ألفاظه المنمقة المختارة، التي لم تكن نتاج ثقافة شاعرية ـ وإن كان هذا ـ وإنما هي نتاج وجدانات متصارعة، وخبايا نفس طليقة محبة، تحن إلي تلك الجذور الأولى، وتهيم بها ولهاً وشوقاً، عبر تموجات حبيسة، تهتز في دواخلها، وكوامن خلجاتها؛ فشغلت فراغاً فيها.
ومهما يكن من أمر، فإن ديوان زينهم البدويّ يزخر بفيض لا ينتهي من الصدق والتسامي و(المثال)، وصولاً إلي (يوتوبيا) من صنعه، تفتقت عن طبقات أقطاره، وطوايا نفسه، ومع هذا لا يخلو من ألمٍ وشكوى، نرى فيها الواقع، والناس، والزمن، وقد تعددت أرديتهم، وتباينت أزياؤهم، وإن جاء هذا ـ جميعه ـ عبر (رومانسية حالمةٍ) تعيش عالمها بكل تفاصيله، نشاهدها في (رسالة إلى أبيها)، عبر مقارنة بين الواقع، (الزيف)، والقيم، (الأصالة)، التي لم يعد لبعضها وجود في عصرنا.
مليماً ما يحوي جيبي وكنوز العالم في قلبي
هل يوجد في هذه الدنيا من يملك جزءاً من حبّي؟
ملكُ وثمارك تملكني وإليك حساب الأرصدة
نبضات فؤاد لا تُحصى في بنك الخالق يا أبتى
فقري وكفاحي وعنائي أركان في صرح ثرائي
وبغير ثباتٍ وصمودٍ لا أعرف معنىً لبقائي
في عمق المحنة يا أبتى كالطود الشامخ تلقاني
وسأبقى دوماً أعلنها أني تلميذ الحرمان
وعلى هذا تتردد شكاوى الشاعر، خلال ثورته وإدانته لوقائع لا تخلو من زيف، أو تهرّؤ، فرضتها مظاهر المدنية الحديثة، عبر أقنعةٍ هشّةٍ لبعض أربابها.
غير أن شاعرنا يعود مرة ومرة إلى ينابيعه الأولى التي شكلته، نطالعها في قصيدته: (رسالة إلى أبيها)، التي سألته: من أين أتيت إلينا ؟ فقال:
من حيث يطير عبير الزهر من حيث يفوح أريج العطر
من حيث ترتل أغنيتي في جنتها آيات السحر
من حيث تعيش ملائكة بقلوب ملء صداها الخير
من حيث تئن قيود الأسر من حيث تنوء جبال الصبر
قد جئت وفي قلبي كلفُُ لا تدركه أفهام العصر
كما نطالع هذا وغيره في قصائد أخرى تكررت كثيراً في الديوان، لتكشف عن عبق شعريّ، يتعاطف مع الجموع ويتألم لها.
بالباب طرق من ترى يأتي ويستجدى الفقير
وظلام ليلى حالك وبلونه يكسو الشعور
والفجر آثر بخله أنساه تضحيتي الغرور
قد كنت أهون أهله وبجنبه نعم النصير
ما عاد يذكر قصتي ويرق للقلب الكسير
ألقى وصيحة حاتم في النار تلتهم السطور
فالطرق يلهب مسمعي وبمقلتي دمع غزير
إن (عبير الفردوس) لزينهم البدويّ، لا يعبر عن شاعرية عبر تصوير وصناعة وحرفة، بقدر ما يعبر عن شاعرية نفسٍ هائمةٍ، تعيش عالماً من الوجد، وعالماً من الإرهاف، توقاً إلى الجمال، وتشوقاً إلى الفضيلة، تنامى هذا في روحٍ ملهمةٍ شجيّة، تتآلف مع عصرها، وتتأثر به، كما أنها تهفو إلى آمالٍ وأحلامٍ تروم إليها، وإن كان ثمة أخلاط من أوجاعها، تترى إلينا بين سطور أبياتها، من آنٍ إلى آن، لتقول كلمة في النهاية، حتى لو كان هذا لها، وعنها وحدها، كما لخصتها أنّاته التي تعددت أصواتها وأصداؤها في قصائد الديوان، بوصفها تجسيداً لشخصية زينهم البدويّ، والتي جاءت هذه الأشعار صدىً لها، وإن غلفت ببعض من تشاؤم، وشيء من ألمٍ وشجنٍ وحيره، شاهدنا بعضها في قصيدته الأخيرة، التي وضعها علي غلاف الديوان، وكأنه أراد بها ألا يغلف الديوان بهذه الرؤية فحسب، وإنما يغلف بها أشعاره ونفسه.
غداً سيرحل رسمي وأصبح طعماً لدود
ولكن سيبقى بروحي وجود يفوق الوجود
غداً سيذكر عهدي أناس وفيو العهود
ويهوى ترنم شعري ربيع شجي وحيد
يراه عزاء وسلوى ورمزاً لمعنى الخلود
غير أن هذه القصيدة، وإن كشفت عن معنى، وقيم، وقناعة، ورضي، وإيمان ـ فإنها مع ذلك كله، قد كشفت عن نوع من (اضطراب) وشيء من فقدان الأمل، وبعض من قطيعة وتشاؤم بين الشاعر والواقع، تصطدم معه نفسه، وإن تحطم هذا ـ جميعه ـ علي صخرتها في النهاية، دون أن ينال منها، أو تهتز له.
وليس من ريب، أننا نشاهد هنا (زفرات) شاعر، عاش فترات من (الغليان) والتأرجح، مرت بإنسان مجتمعه في مراحله الأخيرة، فعبر عنها، وتفاعل معها، حساً ووجداناً وكيانا، وأخرجها للناس، فجاءت معبرة عن نفس قائلها، وصورة صادقة لها، تؤرخ لواحد من الأبناء المخلصين، عندما يفرحون، وعندما يحزنون، بل عندما يغضبون، ويثورون وينكفئون علي ذواتهم، يجترون آلام الأوطان وأشجانها، باعتبارهم لبنات بنيانها..فلذات أكبادها، كما أنهم يجترون آلاماً أخرى، تبدت فيما بين الإنسان والإنسان.
----------------------------
زينهم البدوي ـ مذيع بإذاعة صوت العرب ـ عضو اتحاد كتاب مصر ـ عضو رابطة العالم الإسلامي العالمية ـ مواليد 1957 ـ خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة 1980 ـ حاصل علي: شهادة تقدير في عيد الفن والثقافة 1979/ شهادة تقدير من مهرجان الشعر الأول بجامعة طنطا 1982/ شهادة تقدير من مؤتمر الرافعي الأول 1986 ـ قدم العديد من البرامج الإذاعية الثقافية والأدبية0
----------------------------
* أستاذ الأدب الحديث بكلية التربية جامعة القاهرة ، فرع الفيوم ، من مواليد المنصورة جمهورية مصر العربية تخرج في كلية الآداب جامعة المنصورة 1984، دكتوراه الآداب جامعة طنطا 1993، بعض الكتب والمؤلفات :
1. رؤية الوجود في شعر طاهر أبو فاشا ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1996
2. الفكاهة والسخرية عند حافظ ابراهيم ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1997
3. التناص القرآني في شعر أمل دنقل ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1998
4. جانب الثورة والعقيدة في شعر المتنبي ـ دار العلم ـ للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ 1998
5. هزيمة 67 في الشعر العربي في مصر ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1999
6. الشخصية المصرية في الشعر الحيث ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 2000
7. الأسلوبية في الخطاب العربي ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة ـ 2000
8. مظاهر الفن والجمال في الشعر الحديث ـ دار العلم ـ للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ 2002
9. أدب الجسد بين الفن والإسفاف (دراسة في السرد النسائي) مركز الحضارة العربية ـ القاهرة ـ 2002
10. خصائص الخطاب السردي عند احمد عبد العال ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهر ــ 2004
د0 عبد العاطي كيوان *
(عبير من الفردوس) الديوان الأول للشاعر زينهم البدوي.والمتلقي لهذا الديوان ـ فضلاً عن تضوّع العبير في فراديسه ـ يجد تنوعاً ملحوظاً لموضوعاته الشِعرية.يخرج فيها الشاعر من موضوع إلى آخر.وإن جمعها في النهاية موضوع واحد.وهو موضوع يتكرر كثيراً في هذه (الفراديس).فتارة يرتد إلى القرية المصرية بقيمها وأخلاقيات مجتمعها وعاداته الموروثة.وتارة يعود إلى المجتمع والواقع، بما حاق به من تغيرات، لا يهش لها الشاعر كثيرا ولا يعبأ بها، نرى هذا في صوره وتشكيلاته، بل ونراها في ألفاظه المنمقة المختارة، التي لم تكن نتاج ثقافة شاعرية ـ وإن كان هذا ـ وإنما هي نتاج وجدانات متصارعة، وخبايا نفس طليقة محبة، تحن إلي تلك الجذور الأولى، وتهيم بها ولهاً وشوقاً، عبر تموجات حبيسة، تهتز في دواخلها، وكوامن خلجاتها؛ فشغلت فراغاً فيها.
ومهما يكن من أمر، فإن ديوان زينهم البدويّ يزخر بفيض لا ينتهي من الصدق والتسامي و(المثال)، وصولاً إلي (يوتوبيا) من صنعه، تفتقت عن طبقات أقطاره، وطوايا نفسه، ومع هذا لا يخلو من ألمٍ وشكوى، نرى فيها الواقع، والناس، والزمن، وقد تعددت أرديتهم، وتباينت أزياؤهم، وإن جاء هذا ـ جميعه ـ عبر (رومانسية حالمةٍ) تعيش عالمها بكل تفاصيله، نشاهدها في (رسالة إلى أبيها)، عبر مقارنة بين الواقع، (الزيف)، والقيم، (الأصالة)، التي لم يعد لبعضها وجود في عصرنا.
مليماً ما يحوي جيبي وكنوز العالم في قلبي
هل يوجد في هذه الدنيا من يملك جزءاً من حبّي؟
ملكُ وثمارك تملكني وإليك حساب الأرصدة
نبضات فؤاد لا تُحصى في بنك الخالق يا أبتى
فقري وكفاحي وعنائي أركان في صرح ثرائي
وبغير ثباتٍ وصمودٍ لا أعرف معنىً لبقائي
في عمق المحنة يا أبتى كالطود الشامخ تلقاني
وسأبقى دوماً أعلنها أني تلميذ الحرمان
وعلى هذا تتردد شكاوى الشاعر، خلال ثورته وإدانته لوقائع لا تخلو من زيف، أو تهرّؤ، فرضتها مظاهر المدنية الحديثة، عبر أقنعةٍ هشّةٍ لبعض أربابها.
غير أن شاعرنا يعود مرة ومرة إلى ينابيعه الأولى التي شكلته، نطالعها في قصيدته: (رسالة إلى أبيها)، التي سألته: من أين أتيت إلينا ؟ فقال:
من حيث يطير عبير الزهر من حيث يفوح أريج العطر
من حيث ترتل أغنيتي في جنتها آيات السحر
من حيث تعيش ملائكة بقلوب ملء صداها الخير
من حيث تئن قيود الأسر من حيث تنوء جبال الصبر
قد جئت وفي قلبي كلفُُ لا تدركه أفهام العصر
كما نطالع هذا وغيره في قصائد أخرى تكررت كثيراً في الديوان، لتكشف عن عبق شعريّ، يتعاطف مع الجموع ويتألم لها.
بالباب طرق من ترى يأتي ويستجدى الفقير
وظلام ليلى حالك وبلونه يكسو الشعور
والفجر آثر بخله أنساه تضحيتي الغرور
قد كنت أهون أهله وبجنبه نعم النصير
ما عاد يذكر قصتي ويرق للقلب الكسير
ألقى وصيحة حاتم في النار تلتهم السطور
فالطرق يلهب مسمعي وبمقلتي دمع غزير
إن (عبير الفردوس) لزينهم البدويّ، لا يعبر عن شاعرية عبر تصوير وصناعة وحرفة، بقدر ما يعبر عن شاعرية نفسٍ هائمةٍ، تعيش عالماً من الوجد، وعالماً من الإرهاف، توقاً إلى الجمال، وتشوقاً إلى الفضيلة، تنامى هذا في روحٍ ملهمةٍ شجيّة، تتآلف مع عصرها، وتتأثر به، كما أنها تهفو إلى آمالٍ وأحلامٍ تروم إليها، وإن كان ثمة أخلاط من أوجاعها، تترى إلينا بين سطور أبياتها، من آنٍ إلى آن، لتقول كلمة في النهاية، حتى لو كان هذا لها، وعنها وحدها، كما لخصتها أنّاته التي تعددت أصواتها وأصداؤها في قصائد الديوان، بوصفها تجسيداً لشخصية زينهم البدويّ، والتي جاءت هذه الأشعار صدىً لها، وإن غلفت ببعض من تشاؤم، وشيء من ألمٍ وشجنٍ وحيره، شاهدنا بعضها في قصيدته الأخيرة، التي وضعها علي غلاف الديوان، وكأنه أراد بها ألا يغلف الديوان بهذه الرؤية فحسب، وإنما يغلف بها أشعاره ونفسه.
غداً سيرحل رسمي وأصبح طعماً لدود
ولكن سيبقى بروحي وجود يفوق الوجود
غداً سيذكر عهدي أناس وفيو العهود
ويهوى ترنم شعري ربيع شجي وحيد
يراه عزاء وسلوى ورمزاً لمعنى الخلود
غير أن هذه القصيدة، وإن كشفت عن معنى، وقيم، وقناعة، ورضي، وإيمان ـ فإنها مع ذلك كله، قد كشفت عن نوع من (اضطراب) وشيء من فقدان الأمل، وبعض من قطيعة وتشاؤم بين الشاعر والواقع، تصطدم معه نفسه، وإن تحطم هذا ـ جميعه ـ علي صخرتها في النهاية، دون أن ينال منها، أو تهتز له.
وليس من ريب، أننا نشاهد هنا (زفرات) شاعر، عاش فترات من (الغليان) والتأرجح، مرت بإنسان مجتمعه في مراحله الأخيرة، فعبر عنها، وتفاعل معها، حساً ووجداناً وكيانا، وأخرجها للناس، فجاءت معبرة عن نفس قائلها، وصورة صادقة لها، تؤرخ لواحد من الأبناء المخلصين، عندما يفرحون، وعندما يحزنون، بل عندما يغضبون، ويثورون وينكفئون علي ذواتهم، يجترون آلام الأوطان وأشجانها، باعتبارهم لبنات بنيانها..فلذات أكبادها، كما أنهم يجترون آلاماً أخرى، تبدت فيما بين الإنسان والإنسان.
----------------------------
زينهم البدوي ـ مذيع بإذاعة صوت العرب ـ عضو اتحاد كتاب مصر ـ عضو رابطة العالم الإسلامي العالمية ـ مواليد 1957 ـ خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة 1980 ـ حاصل علي: شهادة تقدير في عيد الفن والثقافة 1979/ شهادة تقدير من مهرجان الشعر الأول بجامعة طنطا 1982/ شهادة تقدير من مؤتمر الرافعي الأول 1986 ـ قدم العديد من البرامج الإذاعية الثقافية والأدبية0
----------------------------
* أستاذ الأدب الحديث بكلية التربية جامعة القاهرة ، فرع الفيوم ، من مواليد المنصورة جمهورية مصر العربية تخرج في كلية الآداب جامعة المنصورة 1984، دكتوراه الآداب جامعة طنطا 1993، بعض الكتب والمؤلفات :
1. رؤية الوجود في شعر طاهر أبو فاشا ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1996
2. الفكاهة والسخرية عند حافظ ابراهيم ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1997
3. التناص القرآني في شعر أمل دنقل ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1998
4. جانب الثورة والعقيدة في شعر المتنبي ـ دار العلم ـ للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ 1998
5. هزيمة 67 في الشعر العربي في مصر ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 1999
6. الشخصية المصرية في الشعر الحيث ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهرة ـ 2000
7. الأسلوبية في الخطاب العربي ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة ـ 2000
8. مظاهر الفن والجمال في الشعر الحديث ـ دار العلم ـ للنشر والتوزيع ـ القاهرة ـ 2002
9. أدب الجسد بين الفن والإسفاف (دراسة في السرد النسائي) مركز الحضارة العربية ـ القاهرة ـ 2002
10. خصائص الخطاب السردي عند احمد عبد العال ـ مكتبة النهضة ـ المصرية ـ القاهر ــ 2004