ماجد الخطاب
28-02-2005, 04:04 AM
--------------------------------------------------------------------------------
( أوْلتْ عمامتـُـك العمائمَ كلها ............. شرفاً .. تُـقصـّـِر عنده التيجان )
من قصيدة في رثاء المجاهد الشيخ الشهيد عز الدين القسام
- 1
أهل القرية أقسموا أنهم شاهدوا في مساء ذلك اليوم نوراً يصعد من الأرض إلى السماء ...
النساء تحدثت عن كرامات بدأت تظهر حول المزار الذي دفنوا فيه جثمان ( الشيخ ياسين ) .
بكيت كما لم أبك من قبل وأنا أقف خاشعاً .. حالماً .. بجانب ضريحه .. هاهو ماثل بذاكرتي بقامته المديدة ووجهه المشرق بنور سماوي .. ببسمته التي تغرس الأمل فوق شفاه تشققت من تحديات الزمن الصعب .. ناصع العمامة .. مفعم العينين بحنان عجيب .
نهر من الذكريات يتدفق كالدموع التي تمضغ قلبي .. لم أكن قد تجاوزت أربع سنوات يوم حملني وضمني إلى صدره وقبلني بحرارة ، ودموع حنونة تتلألأ فوق لحيته البيضاء .. عيوني التائهة تنهض ببقايا بيتنا الذي هدمه القصف الإسرائيلي الوحشي لقريتنا .. مات أبي وأمي .. أخرجوهما من تحت الأنقاض .. ونجوت أنا .. ابنهما الوحيد .. يومها لم أكن أعرف معنى الموت .. ولا الظلم ولا الاحتلال .
- 2 -
في مسكن الشيخ " ياسين " أحسست بالأمان والإيمان .. رغم أن كل شيء كان يوحي بالفاقة وبدأت حياتي الجديدة مع الشيخ وزوجته التي حرمت من الإنجاب .
وقع حبات المطر على السقف والنافذة الوحيدة في البيت جعل الخوف يتسرب إلى قلبي الصغير .. لكن الآيات التي كان يتلوها الشيخ بعثت في أعماقي الطمأنينة .. وأشاعت في أرجائي أمناً في ليلة اختلط فيها الدمار والخوف بالمطر الغزير ..
هناك تحت الشجرة الضخمة التي تظلل سور المسجد الوحيد في قريتنا الصغيرة التي ترزح تحت نير الاحتلال قضيت معظم أوقاتي بصحبة الشيخ ولعله رأى فيّ نباهة فأدخلني المدرسة وتعهدني برعاية متميزة .. وراح يتابع تعليمي بشغف ومحبة .
كان يؤذن ويصلي في الناس .. يخطب الجمعة ويقوم بالتدريس والوعظ .. دون أجر أو نفقة من أحد .. بيارة الليمون التي يملكها كانت تدر عليه ما يكفيه ليعيش مع زوجته مثل كل أهل القرية البسطاء .
أرادني كبيراً .. فتناسى طفولتي .. تعلمت على يديه في بضع سنين ما يتعلمه الناس في سنين كثيرة .. لم أعرف مرح الطفولة ولا أعيادها المسروقة ، ونموت مع الزمن المثقل بالاضطهاد والجرائم والمجازر .
الوطن ينمو في داخلي والأرض تكبر في مساحات قلبي وأفق حياتي .. تعلمت من الرجل الراقد في هذا الضريح .. الذي تحدى السنين المرة ، وغرس الورد رغم كل العواصف في دروب القهر والظلم .. وتعلمت منه معنى الحب والكراهية .. الحب اللامحدود للأرض والإنسان والكره اللامحدود للاحتلال والطغيان .
- 3 –
عشرون عاماً أمضيتها بقربه .. حتى بعد مغادرتي القرية لإكمال دراستي في مدينة
" نابلس " ، لم أكن لأستطيع فراقه أكثر من شهر .. كنت أسافر وأعود إليه فأجده كما تركته .. يضمني بلهفة الوالد إلى صدره فألامس قلبه من شفافية صدره .. ويزيح بالفرحة كآبة الأعماق وغلائل الحزن .. تغمره مشاعر الأمل بغدٍ حرّّ ٍ مشرق .. أنظر إليه بعيون تاهت في أودية اليأس وصحارى الوهم والسراب فأحس أنني أمام جبل من الإيمان ، وهضاب من صخور الثقة والرسوخ .. أقرأ في عينيه التاريخ .. تاريخ مجد وشموخ ، وأسمع وقع حوافر خيول وحضارة عريقة لها رنين جميل يطل من خلاله " عز الدين القسام " معانقاً " عمر المختار " .
عشرون عاماً وهذا الجبل الشامخ .. هذا الشيخ الحالم .. وهذا المسجد بقبتيهما .. معاً.. لا يفترقان ... هو وهذا المسجد الذي يعشقه بكل جوارحه .. يؤذن فيه كل يوم خمس مرات .. صوته يملأ الآفاق قبل طلوع الشمس .. تستيقظ القرية بناسها وطيرها وزرعها وشجرها مصغية لهذا الصوت العذب وذلك النداء الخالد .
عشرون عاماً وهو يعتلي المنبر كل يوم جمعة .. يخطب في الناس .. بح صوته مئات المرات وهو يلقي خطبه ودروسه التي تغرس الفضائل والأخلاق الوطنية في النفوس ..
لم يجمع مالاً ، ولم يملك عقاراً .. لم يلبس من الثياب إلا الخشن ، ولم يأكل إلا ما يقيم به أوده .. قلبه معلق في المسجد ، ولسانه سابح في ذكر الله وقراءة القرآن الذي أصبح يحفظ معظمه غيباً .. لم يشتم ولم يخاصم ولم يهجر أحداً قط .. وما أجمع أهل القرية على شيء مثل إجماعهم على محبته وكراهيتهم للمحتلين الغاصبين .
عشرون عاماً هو وهذا المسجد معاً .. وأنا أرقبهما بقلبي وحسي وعيوني .. حـُصُـر القش الثمانية الصامتة في أرض المسجد كادت تهترئ لقدمها ولم يستطيعوا استبدالها.. والبساط الوحيد تغير لونه وتبدلت معالمه ، وقلة عدد المصلين كانت تجعل الشيخ يبكي أحياناً .. فالشباب يلتحقون بالمقاومة وتكاد القرية تخلو منهم ، والشيوخ الذين كانوا يواظبون على صلاة الجماعة توفي معظمهم .
- 4 -
كنت أكبر ويكبر معي جرح ينزف بلا توقف .. صورة دمار بيتنا وأنقاضه وصورة أبي وأمي الشهيدين مطبوعة في ذاكرتي .. وصورة الشيخ لا تفارقني أينما حللت .. كلماته عن الأرض والفداء والبطولة والشهادة يتردد صداها في مسمعي .. كم كان يحلم أن يموت شهيداً .
أرادني أن أكمل تعليمي لأصبح طبيباً أعالج المرضى البائسين في هذا الوطن .. وأضمد جراحات الأبطال الذين يصابون في معارك الشرف مع المحتلين .. أرادني طبيباً .. عربياً .. لكنني أخفيت عنه – وللمرة الوحيدة – أنني انضممت إلى التنظيمات الطلابية السرية المناهضة للاحتلال منذ دخولي الجامعة وبقيت مخفياً عنه ذلك إلى أن تخرجت . كنت أعلم مدى خوفه عليّ من الاعتقال قبل إكمال تعليمي لما يسمعه عن الاعتقالات اليومية للطلاب وغيرهم من رجال المقاومة العرب .. وأنهيت دراستي وتحقق للشيخ ما أراد .
- 5 –
مازلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله .. يوم أتيته حاملاً شهادة الطب .. بكى كعادته وهو الذي أدمن البكاء .. اشترى بالنقود التي يملكها حلوى ليقدمها لأهل القرية الذين جاءوا جميعاً لتهنئتنا ومشاركتنا الفرحة .. وظل ثلاثة أيام يقضي نذره .. يصوم النهار ويقوم الليل حمداً وشكراً لله .
أصبح واجبي الوطني يبعدني عنه ، فكان يتنازعه حبه لي وحبه للوطن ، ولكنه ظل محافظاً على كتمان رغبته في أن يبقيني بجانبه .. لا شيء أهم من هذا التراب .. وانقطعت أخباري عن الشيخ .. لقد أصبحت ملاحقاً من قبل سلطات الاحتلال وعلي التواري عن أنظار الجميع .. حتى كان اللقاء الأخير ..
أصوات تكبير المؤذنين تعانق السماء .. أفقت في ذلك اليوم مبكراً .. وعلمت أنه عيد الأضحى المبارك .. تفجر في داخلي بركان من الشوق واللهفة .. حلقت طويلاً .. تأملت على البعد في خزائن الذاكرة بيوتات القرية ومصابيحها الناعسة وزخات المطر الهادئة التي تعزف ألحان الدموع والأمل في غد مشرق لا بد سيأتي .. وقررت السفر .
لاحت لي القرية من بعيد .. قبة المسجد الذي يتربع على هضبة ليست بالعالية كانت أول ما رأيت .. بدا الجو المحيط أكثر سكوناً .. الوقت قبيل الغروب .. الشمس تختفي وراء الأشجار التي تساقطت أوراقها التي انقضى عمرها .. سَرَتْ في الجو برودة كأنها سبقت فصل الشتاء .. الفصل خريف ولا أدري لماذا أتشاءم من هذا الفصل منذ صغري .. كنت مخنوق الأنفاس رغم الرائحة الشهية القديمة الأليفة التي حملها النسيم .. ورغم سعادتي الكبيرة بأنني سأراه بعد قليل .
- 6 –
كان مسنداً ظهره إلى حائط المسجد ، وقد مد بصره إلى أبعد ما يستطيع .. الأفق أمامه شاسع .. ومن الحقول المجاورة يفوح عطر ممزوج برائحة دفينة .. ذكرتني بطفولتي هناك . أشياء قديمة انهمرت على قلبي من أماكن غامضة .. ضمني إليه طويلاً .. حدثته عن المقاومة وازدياد نشاطها وقوتها .. حدثته عن الأمل السامي الذي نسعى لتحقيقه حين نحرر الأرض والإنسان .. وقرأت في عينيه آيات الافتخار بي .. ألست أنا من صنع يديه ؟!!
مر وقت لا أخاله طويلاً .. لحظات السعادة لا تدوم .. أصوات سيارات تقترب منا.. نظرنا إلى الطريق الترابية المؤدية إلى المسجد .. حافلات جنود الاحتلال تتجه نحونا .. لا بد أنهم علموا بوجودي .
- ارحل يا بني ارحل بسرعة باتجاه البساتين .. فالليل قد بدأ بالهبوط ولن يعثروا عليك .
قال ذلك وهو يخرج بندقية من مكان ما في المسجد كانت مخبأة فيه .. وبدا كأنه يهيء نفسه للاشتباك معهم .
أخذتني الدهشة لما أراه .. الشيخ يصر على مقاومتهم ليشغلهم عني ريثما أبتعد عن القرية .. والزمن يمر بسرعة .. الوقت قصير جداً .. تعطل تفكيري .. الشيخ يصرخ بقوة في وجهي .. يأمرني .. يرجوني أن أرحل .
- إنهم كثيرون .. وأنت وحدك .. ستموت .. أرجوك دعني معك .. دعهم يأخذوني .. دعهم يقتلوني ...
- لا يا بني .. أمامك واجب كبير .. المقاومة تحتاجك .. أنت أصبحت مهماً بالنسبة إليهم .. حياتك وحريتك يحتاجهما الوطن .. دعك مني .. إرحل أنت بسرعة.. إن حلمي القديم سيتحقق اليوم .. سأنال الشهادة .. ألا تذكر ؟!
كنت أسمع تبادل إطلاق النار وأنا أبتعد عن القرية شيئاً فشيئاً .. مازال الشيخ يقاوم .. وابتلعني الليل والشجر الكثيف فغابت عني القرية .. وغاب إطلاق الرصاص ..
حان وقت أذان العشاء .. لم يرتفع صوت الشيخ مدويا كعادته بذلك النداء الخالد .
كل الأشجار والطيور كانت تتساءل عن السبب .. فخبر استشهاد الشيخ لم يصلها بعد .
===========================================
فازت هذه القصة بالجائزة الأولى . وبـ درع فلسطين .في مسابقة الشهيد ماجد أبو شرار للإبداع التي أقيمت في دمشق في دورتها الاولى عام 1998 -
والتي يقيمها المركز الثقافي العربي الفلسطيني لكل ابناء الوطن العربي
__________________
( أوْلتْ عمامتـُـك العمائمَ كلها ............. شرفاً .. تُـقصـّـِر عنده التيجان )
من قصيدة في رثاء المجاهد الشيخ الشهيد عز الدين القسام
- 1
أهل القرية أقسموا أنهم شاهدوا في مساء ذلك اليوم نوراً يصعد من الأرض إلى السماء ...
النساء تحدثت عن كرامات بدأت تظهر حول المزار الذي دفنوا فيه جثمان ( الشيخ ياسين ) .
بكيت كما لم أبك من قبل وأنا أقف خاشعاً .. حالماً .. بجانب ضريحه .. هاهو ماثل بذاكرتي بقامته المديدة ووجهه المشرق بنور سماوي .. ببسمته التي تغرس الأمل فوق شفاه تشققت من تحديات الزمن الصعب .. ناصع العمامة .. مفعم العينين بحنان عجيب .
نهر من الذكريات يتدفق كالدموع التي تمضغ قلبي .. لم أكن قد تجاوزت أربع سنوات يوم حملني وضمني إلى صدره وقبلني بحرارة ، ودموع حنونة تتلألأ فوق لحيته البيضاء .. عيوني التائهة تنهض ببقايا بيتنا الذي هدمه القصف الإسرائيلي الوحشي لقريتنا .. مات أبي وأمي .. أخرجوهما من تحت الأنقاض .. ونجوت أنا .. ابنهما الوحيد .. يومها لم أكن أعرف معنى الموت .. ولا الظلم ولا الاحتلال .
- 2 -
في مسكن الشيخ " ياسين " أحسست بالأمان والإيمان .. رغم أن كل شيء كان يوحي بالفاقة وبدأت حياتي الجديدة مع الشيخ وزوجته التي حرمت من الإنجاب .
وقع حبات المطر على السقف والنافذة الوحيدة في البيت جعل الخوف يتسرب إلى قلبي الصغير .. لكن الآيات التي كان يتلوها الشيخ بعثت في أعماقي الطمأنينة .. وأشاعت في أرجائي أمناً في ليلة اختلط فيها الدمار والخوف بالمطر الغزير ..
هناك تحت الشجرة الضخمة التي تظلل سور المسجد الوحيد في قريتنا الصغيرة التي ترزح تحت نير الاحتلال قضيت معظم أوقاتي بصحبة الشيخ ولعله رأى فيّ نباهة فأدخلني المدرسة وتعهدني برعاية متميزة .. وراح يتابع تعليمي بشغف ومحبة .
كان يؤذن ويصلي في الناس .. يخطب الجمعة ويقوم بالتدريس والوعظ .. دون أجر أو نفقة من أحد .. بيارة الليمون التي يملكها كانت تدر عليه ما يكفيه ليعيش مع زوجته مثل كل أهل القرية البسطاء .
أرادني كبيراً .. فتناسى طفولتي .. تعلمت على يديه في بضع سنين ما يتعلمه الناس في سنين كثيرة .. لم أعرف مرح الطفولة ولا أعيادها المسروقة ، ونموت مع الزمن المثقل بالاضطهاد والجرائم والمجازر .
الوطن ينمو في داخلي والأرض تكبر في مساحات قلبي وأفق حياتي .. تعلمت من الرجل الراقد في هذا الضريح .. الذي تحدى السنين المرة ، وغرس الورد رغم كل العواصف في دروب القهر والظلم .. وتعلمت منه معنى الحب والكراهية .. الحب اللامحدود للأرض والإنسان والكره اللامحدود للاحتلال والطغيان .
- 3 –
عشرون عاماً أمضيتها بقربه .. حتى بعد مغادرتي القرية لإكمال دراستي في مدينة
" نابلس " ، لم أكن لأستطيع فراقه أكثر من شهر .. كنت أسافر وأعود إليه فأجده كما تركته .. يضمني بلهفة الوالد إلى صدره فألامس قلبه من شفافية صدره .. ويزيح بالفرحة كآبة الأعماق وغلائل الحزن .. تغمره مشاعر الأمل بغدٍ حرّّ ٍ مشرق .. أنظر إليه بعيون تاهت في أودية اليأس وصحارى الوهم والسراب فأحس أنني أمام جبل من الإيمان ، وهضاب من صخور الثقة والرسوخ .. أقرأ في عينيه التاريخ .. تاريخ مجد وشموخ ، وأسمع وقع حوافر خيول وحضارة عريقة لها رنين جميل يطل من خلاله " عز الدين القسام " معانقاً " عمر المختار " .
عشرون عاماً وهذا الجبل الشامخ .. هذا الشيخ الحالم .. وهذا المسجد بقبتيهما .. معاً.. لا يفترقان ... هو وهذا المسجد الذي يعشقه بكل جوارحه .. يؤذن فيه كل يوم خمس مرات .. صوته يملأ الآفاق قبل طلوع الشمس .. تستيقظ القرية بناسها وطيرها وزرعها وشجرها مصغية لهذا الصوت العذب وذلك النداء الخالد .
عشرون عاماً وهو يعتلي المنبر كل يوم جمعة .. يخطب في الناس .. بح صوته مئات المرات وهو يلقي خطبه ودروسه التي تغرس الفضائل والأخلاق الوطنية في النفوس ..
لم يجمع مالاً ، ولم يملك عقاراً .. لم يلبس من الثياب إلا الخشن ، ولم يأكل إلا ما يقيم به أوده .. قلبه معلق في المسجد ، ولسانه سابح في ذكر الله وقراءة القرآن الذي أصبح يحفظ معظمه غيباً .. لم يشتم ولم يخاصم ولم يهجر أحداً قط .. وما أجمع أهل القرية على شيء مثل إجماعهم على محبته وكراهيتهم للمحتلين الغاصبين .
عشرون عاماً هو وهذا المسجد معاً .. وأنا أرقبهما بقلبي وحسي وعيوني .. حـُصُـر القش الثمانية الصامتة في أرض المسجد كادت تهترئ لقدمها ولم يستطيعوا استبدالها.. والبساط الوحيد تغير لونه وتبدلت معالمه ، وقلة عدد المصلين كانت تجعل الشيخ يبكي أحياناً .. فالشباب يلتحقون بالمقاومة وتكاد القرية تخلو منهم ، والشيوخ الذين كانوا يواظبون على صلاة الجماعة توفي معظمهم .
- 4 -
كنت أكبر ويكبر معي جرح ينزف بلا توقف .. صورة دمار بيتنا وأنقاضه وصورة أبي وأمي الشهيدين مطبوعة في ذاكرتي .. وصورة الشيخ لا تفارقني أينما حللت .. كلماته عن الأرض والفداء والبطولة والشهادة يتردد صداها في مسمعي .. كم كان يحلم أن يموت شهيداً .
أرادني أن أكمل تعليمي لأصبح طبيباً أعالج المرضى البائسين في هذا الوطن .. وأضمد جراحات الأبطال الذين يصابون في معارك الشرف مع المحتلين .. أرادني طبيباً .. عربياً .. لكنني أخفيت عنه – وللمرة الوحيدة – أنني انضممت إلى التنظيمات الطلابية السرية المناهضة للاحتلال منذ دخولي الجامعة وبقيت مخفياً عنه ذلك إلى أن تخرجت . كنت أعلم مدى خوفه عليّ من الاعتقال قبل إكمال تعليمي لما يسمعه عن الاعتقالات اليومية للطلاب وغيرهم من رجال المقاومة العرب .. وأنهيت دراستي وتحقق للشيخ ما أراد .
- 5 –
مازلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله .. يوم أتيته حاملاً شهادة الطب .. بكى كعادته وهو الذي أدمن البكاء .. اشترى بالنقود التي يملكها حلوى ليقدمها لأهل القرية الذين جاءوا جميعاً لتهنئتنا ومشاركتنا الفرحة .. وظل ثلاثة أيام يقضي نذره .. يصوم النهار ويقوم الليل حمداً وشكراً لله .
أصبح واجبي الوطني يبعدني عنه ، فكان يتنازعه حبه لي وحبه للوطن ، ولكنه ظل محافظاً على كتمان رغبته في أن يبقيني بجانبه .. لا شيء أهم من هذا التراب .. وانقطعت أخباري عن الشيخ .. لقد أصبحت ملاحقاً من قبل سلطات الاحتلال وعلي التواري عن أنظار الجميع .. حتى كان اللقاء الأخير ..
أصوات تكبير المؤذنين تعانق السماء .. أفقت في ذلك اليوم مبكراً .. وعلمت أنه عيد الأضحى المبارك .. تفجر في داخلي بركان من الشوق واللهفة .. حلقت طويلاً .. تأملت على البعد في خزائن الذاكرة بيوتات القرية ومصابيحها الناعسة وزخات المطر الهادئة التي تعزف ألحان الدموع والأمل في غد مشرق لا بد سيأتي .. وقررت السفر .
لاحت لي القرية من بعيد .. قبة المسجد الذي يتربع على هضبة ليست بالعالية كانت أول ما رأيت .. بدا الجو المحيط أكثر سكوناً .. الوقت قبيل الغروب .. الشمس تختفي وراء الأشجار التي تساقطت أوراقها التي انقضى عمرها .. سَرَتْ في الجو برودة كأنها سبقت فصل الشتاء .. الفصل خريف ولا أدري لماذا أتشاءم من هذا الفصل منذ صغري .. كنت مخنوق الأنفاس رغم الرائحة الشهية القديمة الأليفة التي حملها النسيم .. ورغم سعادتي الكبيرة بأنني سأراه بعد قليل .
- 6 –
كان مسنداً ظهره إلى حائط المسجد ، وقد مد بصره إلى أبعد ما يستطيع .. الأفق أمامه شاسع .. ومن الحقول المجاورة يفوح عطر ممزوج برائحة دفينة .. ذكرتني بطفولتي هناك . أشياء قديمة انهمرت على قلبي من أماكن غامضة .. ضمني إليه طويلاً .. حدثته عن المقاومة وازدياد نشاطها وقوتها .. حدثته عن الأمل السامي الذي نسعى لتحقيقه حين نحرر الأرض والإنسان .. وقرأت في عينيه آيات الافتخار بي .. ألست أنا من صنع يديه ؟!!
مر وقت لا أخاله طويلاً .. لحظات السعادة لا تدوم .. أصوات سيارات تقترب منا.. نظرنا إلى الطريق الترابية المؤدية إلى المسجد .. حافلات جنود الاحتلال تتجه نحونا .. لا بد أنهم علموا بوجودي .
- ارحل يا بني ارحل بسرعة باتجاه البساتين .. فالليل قد بدأ بالهبوط ولن يعثروا عليك .
قال ذلك وهو يخرج بندقية من مكان ما في المسجد كانت مخبأة فيه .. وبدا كأنه يهيء نفسه للاشتباك معهم .
أخذتني الدهشة لما أراه .. الشيخ يصر على مقاومتهم ليشغلهم عني ريثما أبتعد عن القرية .. والزمن يمر بسرعة .. الوقت قصير جداً .. تعطل تفكيري .. الشيخ يصرخ بقوة في وجهي .. يأمرني .. يرجوني أن أرحل .
- إنهم كثيرون .. وأنت وحدك .. ستموت .. أرجوك دعني معك .. دعهم يأخذوني .. دعهم يقتلوني ...
- لا يا بني .. أمامك واجب كبير .. المقاومة تحتاجك .. أنت أصبحت مهماً بالنسبة إليهم .. حياتك وحريتك يحتاجهما الوطن .. دعك مني .. إرحل أنت بسرعة.. إن حلمي القديم سيتحقق اليوم .. سأنال الشهادة .. ألا تذكر ؟!
كنت أسمع تبادل إطلاق النار وأنا أبتعد عن القرية شيئاً فشيئاً .. مازال الشيخ يقاوم .. وابتلعني الليل والشجر الكثيف فغابت عني القرية .. وغاب إطلاق الرصاص ..
حان وقت أذان العشاء .. لم يرتفع صوت الشيخ مدويا كعادته بذلك النداء الخالد .
كل الأشجار والطيور كانت تتساءل عن السبب .. فخبر استشهاد الشيخ لم يصلها بعد .
===========================================
فازت هذه القصة بالجائزة الأولى . وبـ درع فلسطين .في مسابقة الشهيد ماجد أبو شرار للإبداع التي أقيمت في دمشق في دورتها الاولى عام 1998 -
والتي يقيمها المركز الثقافي العربي الفلسطيني لكل ابناء الوطن العربي
__________________