عمر الجبوري
16-02-2005, 10:50 AM
الطحالب
الجسر الحديدي في مدينتي عتيق ، شاخت روافده وظلت مياهه تنساب صامتة بين الكدر والصفاء . هذا الجسر بقضبانه الضخمة الداكنة يحكي لي وللضفاف وقلق النوارس جنون طفولتي وعبث صباي . كنا نعوم تحته طيلة الصيف ، ننط مثل ارانب برية في هوائه المحشو برائحة السمك المشوي وقناني الخمر الفارغة والعشب الرطب وبين النسوة اللواتي يغسلن ونشدن على خيطناي .
على هذه الضفاف زرع ابي حكاياته ومغامراته واعاجيب طفولته العذبة والمخيفة واعطى حنينه للنهر والطحالب ، هنا أوقد فرحته ، وهنا كانت تقطف امي زهر ( البيبون )، وهناك نتف من غيم مسافر واخر مقيم ، يقلدان سربا من النوارس و ( الخضيري ) . هذا هو نهري ، وتلك ضفافه حبلى بالزوارقوالغناء ، يلثم النهر شفاهها في اشتهاء الصباح . مدينتي هي ام البدايات وام النهايات ، هي التعويذة التي تحرسني من همزات الجن ونزغاتالشياطين . هنا تجذبني الرياح وتشدني المواويل . على هذه الضفاف أجد نفسي ، وحين اشم رائحة الخبز أولد وأحيا من جديد ، فهنا يرقد ابي مع شباكه . قاربه الصدئ لم يبرح مكانه حتى الساعة . مقدمته مدفونة ونهايته عارية جرباء ، تتفيأ بزيتونة هرمة تدلت أغصان منها في النهر البرتقالي .
كانت الزيتونة هي الاخرى حبلى بتداعيات هذا النهر والطحالب الخضراء فيه .
صور ورسوم وطحالب وصخور واصداف . حكايات ومداخل بعيدة تروح وتغدو امام زيغ الاحداق . يقترب نحوي صياد عجوز ، يشع جلده الزيتوني كالخشب المدهون ويرسو بقاربه عند الطحالب . يأخذني التأمل فيه ، فاتحول الى غابة وجذوع مليئة بالذكريات . خيالات وافكار تذبل وتتساقط مثل اوراق تئن وتخشخش تحت سنابل خيل تخب .
يدنو الصياد مني ، اتحسس في زفيره دفء انسان يتبدد أو يغرق . تلوح لي حلقات من بخار استغاثة كأنها ربيعات مؤقتة تطقطق مثل اغصان يابسة بين الريح والنار . اقترب اليه قليلا ، عجوز في السبعين او الثمانين ، لكنه قوي ، قلبت سحنته الشمس الى رغيف محمص . كان ينط بخفة عصفور فوق الطحالب . قلائد لاسماك صغيرة تتدلى من رقبته النحيلة وكفيه المجعدتين . امعنت في تفاديه على امتداد مسالكي والابتعاد عنه لكنه اعترضني قائلا :
- هؤلاء المبتدئون الخالون من التجارب والمليئون بالامال ، ينتظروني على ضفاف غير مناسبة وامام شطوط لا تستحق ان يقف المرء قبالتها . إبق معي ارجوك ، اني متفائل بك ومسرور . لقد وقف الاغبياء وزرعوا اجسادهم هناك . عشاق من هؤلاء ؟ .
أولئك الذين نحرتهم الاماني ومحاهم اليأس ، ألا تراهم الان يعومون مع الطحالب ويتجرعون الخيبة في كؤوس من الاصداف ؟.
مرت فترة زمن ، أفقت فيها على يده تربت بحنو كتفي ، ثم رايته يقعد بجانبي . لا اعرف متى ولا اين ؟. مجيؤه لم يكن سهلا ولا ممكنا بالقياس الى ما وصلت اليه ، لكنه جاءني في عز حاجتي اليه ، ونجح بتوقيت مهول وغيرمنطقي .
اتذكر وجهه البني الان . كان يشبه اثرا عانى من حفريات غير ماهرة . ملامح غادرتها القرون ، تضج بابراج وافلاك . وقف بقربي متلعثما باسئلة الرغبة ثم نطق . هو الذي يقولون انه لا يفعل أي شيء . صياد هرم ، شاخ واقترب من بداية النهاية . دنا قليلا ومعه قلادة سمك وهمس لي بوجع فيه صوت :
- اليس جميلا أن تاخذ هذه معك ؟.
من هديته قست مدى حاجته الى الفضاء وقعر النهر ورغبته في ان يتكلم منداحا بلا عوائق او شوائب .
لمحت تلك الرغبة في تشتت دمه واسنانه التي كانت بلون الملح وهي تكظم استغاثة او اعترافا .
بقينا ساهمين في جو راكد ، فيه كسل طبيعة تحت الصيف . بتلك الطريقة بدا لي بوسعنا ان نظل معا . طلبت منه ان نبقى هنا تحت الزيتونة وجنب الطحالب . بين سؤالي وجوابه مر وقت طويل ، ربما لان بينهما عشرات من اذرع تمسك وتعيق .
بلع رغبتي وهز راسه فيما يشبه التجلي :
- يحق لنا ان نفعل أي شيء ، لكن الحب ياصاحبي ياتي قبيل الموتفقط ، وقد يبقى او يتبدد بعده .
شعت عيناه بوهج اكتشاف دافئ ومدمر ، ثم رقت بشرته الداكنة لتترك لي مسار دمه وهو يسيل تحتها . دم انسان قال قبل لحظات شيئا لن يقدر على ترتيبه هو بعد ذلك ابدأ . اكتشاف مباشر أطلَّ به على الحياة دفعة واحدة ثم خمدواكتهل .
مثل بندول ساعة كبيرة ، راح يغدو ويعود ، جامعا بكفيه حزمة حطب أو عيدان يابسة . كانت ساقاه الرفيعتين مقوستين مثل قنطرتين بيني وبين مكان ذهبت اليه انا عشرات المرات قرب ( قوينجق ) . تعالت سحب دخان زرق ودمعت عيناه وانا استمع الى لهاثه واقيس عطب رئتيه وانسداد انفه متخيلا ضفاف النهر والطحالب التي تجوب فيه . حاولت بعدها ان اتحدث معه فاخفقت . لم نكن موجودين في الكلام ولا في الوصف . انه مضيعة للوقت وهدر في الهواء . تلوثنا الرائحة والمكان والاشياء واناملنا تلتذ بلسعات السمك المشوي ومع ذلك تعود الانامل الى دبيبها وتتاوه جذلى تارة اخرى .
احدنا يدعو الاخر الى تناول هذه او تلك . كنت أنظر بحياد وحكمة الى حركة جسدينا في ذروة وفاق نحلّق فيه ونحن نلتهم تلك الاسماك المشوية . انكسر في سري واهتف في داخلي ( لماذا لا نقول هذا الا للمرايا التي تنهش عيوب اجسادنا حين نتعرى امامها دون ان نخجل منها ولا يرشنا الحياء ) .
ألقيت فتافيت ما تبقى الى يرقات وأصداف كانت تعوم بين الطحالب الخضراء ومشينا أحدنا بمحاذاة اثار الاخر ، نلتقط ونجيب ، اما الكلام فكان مجرد صوت يفسح المجال لعزلة اكبر . تعريض غير موفق لاكتشافات وخلاصات . خسارة الكلام هو محض خسارة . هكذا صار مسار المفارقة التي اخترتهالنفسي . دفعته الى الماضي لأزيد الخطوات نأياً . يهتز الفراغ امامي ليفسح لي حيزا فيه . بشرى يزفها لسانه لي . لقد تحرر لسانه واطرافه ايضا من العبء والصعوبة ، ربما من الطحالب التي علقت فيه ، هاهو الان يحسن التعبير ويقص لي ما يجيش في صدره واحداقه وهذا هو المهم ، يذكرني بطفولة ابي ومغامراته في لحن النهر وشدو الضفاف .
لم يتبق لنا الا مناظر وقوارب صيد أعلكها ليس فيها مذاق . تفاجئني رؤيتها مثل ملمس خشب لا زال فيه شكل الغابة . نتوءات وتشققات تجرح وتعيق الكف المسافرة عليه .
نترك المصارحات لانها تبدو زائدة . نتعلق بحدوسنا في أول نيسم يصعد . على القمة نصبح أشبه بزوج من نسور في قبضة الكهولة والعقم . نرنو وننتظر ونصعد ، لكن صبرنا نفد بسبب مواءات تكاسلنا نحن عنها .
نتف من غيم أبيض تروح وتغدو . نوارس قطنية تنقض الى الماء وتعبث بالطحالب . اعود الى ضفة النهر منتظرا اياه . ها هو يعود ثانية واعود معه وسرب ( الخضيري ) يرف فزعا من بين القصب . خيوط شباكه ترتجف في لجج النهر وتتعلق بالطحالب وتعجز عن تنسيق شكلها النهائي ، لكنها تنسل في النهاية مثل ديدان تائها هي لهجة الاخصاب والضفاف المضيئة .
اخبأ بين مفاصلي حبا قديم كالضوء في المآقي ، باسمه حاربت كل المفاهيم واقتلعت من الحدائق خصبها لازفها نغما اليه وقصيدة لخضرة الطحالب فيه . خبأت هذا العشق بين مفاصلي وبحثت في كل المرافيء عن ضفاف تحتويه ، فلم اجد غير الاحداق وجسد من غير قلب ، عندئذ نسيت نفسي ، جمعت عناصر التكوين من شبق الفصول وعشق الطحالب للماء . من اختمار الطين وجدل الاشعة خرجت من كفني فاستوطنت سنبلة في دمي بحجم الصيف ، وكنت اخر من راي نورسا يفارق ريشه ويهوي ليلتقط ما علق بخضرة الطحالب .
اهم بفتح راحتي للعبور ، لكني التفت اليه ويلتفت نحوي في اللحظة ذاتها ولكن باتجاهين ، ثم نبتسم معا ابتسامة فيها حرارة اعتراف تجعلني ألج نحوه بخطوات يضيئها دفء الماضي وحنين الضفاف ، تتالق في اشيائها خيوط الطحالب ورائحة السمك وترنيمة النهر البرتقالي الذي لا يكف عن السرد والانسياب ….
. ( البيبون ) او زهرة الاقحوان : زهرة موصلية برية طبية تتفتح في فصل الربيع .
( الخضيري ) : نوع من الطيور المائية ويطلق عليه احيانا ( بط الماء ) .
( فوينجق ) : تل اشوري اثري في مدينة الموصل كان يقع قربه جسر حجري قديم ذو قناطر وممر واحد للعبور .
(alnadir5149@yahoo.com)
الجسر الحديدي في مدينتي عتيق ، شاخت روافده وظلت مياهه تنساب صامتة بين الكدر والصفاء . هذا الجسر بقضبانه الضخمة الداكنة يحكي لي وللضفاف وقلق النوارس جنون طفولتي وعبث صباي . كنا نعوم تحته طيلة الصيف ، ننط مثل ارانب برية في هوائه المحشو برائحة السمك المشوي وقناني الخمر الفارغة والعشب الرطب وبين النسوة اللواتي يغسلن ونشدن على خيطناي .
على هذه الضفاف زرع ابي حكاياته ومغامراته واعاجيب طفولته العذبة والمخيفة واعطى حنينه للنهر والطحالب ، هنا أوقد فرحته ، وهنا كانت تقطف امي زهر ( البيبون )، وهناك نتف من غيم مسافر واخر مقيم ، يقلدان سربا من النوارس و ( الخضيري ) . هذا هو نهري ، وتلك ضفافه حبلى بالزوارقوالغناء ، يلثم النهر شفاهها في اشتهاء الصباح . مدينتي هي ام البدايات وام النهايات ، هي التعويذة التي تحرسني من همزات الجن ونزغاتالشياطين . هنا تجذبني الرياح وتشدني المواويل . على هذه الضفاف أجد نفسي ، وحين اشم رائحة الخبز أولد وأحيا من جديد ، فهنا يرقد ابي مع شباكه . قاربه الصدئ لم يبرح مكانه حتى الساعة . مقدمته مدفونة ونهايته عارية جرباء ، تتفيأ بزيتونة هرمة تدلت أغصان منها في النهر البرتقالي .
كانت الزيتونة هي الاخرى حبلى بتداعيات هذا النهر والطحالب الخضراء فيه .
صور ورسوم وطحالب وصخور واصداف . حكايات ومداخل بعيدة تروح وتغدو امام زيغ الاحداق . يقترب نحوي صياد عجوز ، يشع جلده الزيتوني كالخشب المدهون ويرسو بقاربه عند الطحالب . يأخذني التأمل فيه ، فاتحول الى غابة وجذوع مليئة بالذكريات . خيالات وافكار تذبل وتتساقط مثل اوراق تئن وتخشخش تحت سنابل خيل تخب .
يدنو الصياد مني ، اتحسس في زفيره دفء انسان يتبدد أو يغرق . تلوح لي حلقات من بخار استغاثة كأنها ربيعات مؤقتة تطقطق مثل اغصان يابسة بين الريح والنار . اقترب اليه قليلا ، عجوز في السبعين او الثمانين ، لكنه قوي ، قلبت سحنته الشمس الى رغيف محمص . كان ينط بخفة عصفور فوق الطحالب . قلائد لاسماك صغيرة تتدلى من رقبته النحيلة وكفيه المجعدتين . امعنت في تفاديه على امتداد مسالكي والابتعاد عنه لكنه اعترضني قائلا :
- هؤلاء المبتدئون الخالون من التجارب والمليئون بالامال ، ينتظروني على ضفاف غير مناسبة وامام شطوط لا تستحق ان يقف المرء قبالتها . إبق معي ارجوك ، اني متفائل بك ومسرور . لقد وقف الاغبياء وزرعوا اجسادهم هناك . عشاق من هؤلاء ؟ .
أولئك الذين نحرتهم الاماني ومحاهم اليأس ، ألا تراهم الان يعومون مع الطحالب ويتجرعون الخيبة في كؤوس من الاصداف ؟.
مرت فترة زمن ، أفقت فيها على يده تربت بحنو كتفي ، ثم رايته يقعد بجانبي . لا اعرف متى ولا اين ؟. مجيؤه لم يكن سهلا ولا ممكنا بالقياس الى ما وصلت اليه ، لكنه جاءني في عز حاجتي اليه ، ونجح بتوقيت مهول وغيرمنطقي .
اتذكر وجهه البني الان . كان يشبه اثرا عانى من حفريات غير ماهرة . ملامح غادرتها القرون ، تضج بابراج وافلاك . وقف بقربي متلعثما باسئلة الرغبة ثم نطق . هو الذي يقولون انه لا يفعل أي شيء . صياد هرم ، شاخ واقترب من بداية النهاية . دنا قليلا ومعه قلادة سمك وهمس لي بوجع فيه صوت :
- اليس جميلا أن تاخذ هذه معك ؟.
من هديته قست مدى حاجته الى الفضاء وقعر النهر ورغبته في ان يتكلم منداحا بلا عوائق او شوائب .
لمحت تلك الرغبة في تشتت دمه واسنانه التي كانت بلون الملح وهي تكظم استغاثة او اعترافا .
بقينا ساهمين في جو راكد ، فيه كسل طبيعة تحت الصيف . بتلك الطريقة بدا لي بوسعنا ان نظل معا . طلبت منه ان نبقى هنا تحت الزيتونة وجنب الطحالب . بين سؤالي وجوابه مر وقت طويل ، ربما لان بينهما عشرات من اذرع تمسك وتعيق .
بلع رغبتي وهز راسه فيما يشبه التجلي :
- يحق لنا ان نفعل أي شيء ، لكن الحب ياصاحبي ياتي قبيل الموتفقط ، وقد يبقى او يتبدد بعده .
شعت عيناه بوهج اكتشاف دافئ ومدمر ، ثم رقت بشرته الداكنة لتترك لي مسار دمه وهو يسيل تحتها . دم انسان قال قبل لحظات شيئا لن يقدر على ترتيبه هو بعد ذلك ابدأ . اكتشاف مباشر أطلَّ به على الحياة دفعة واحدة ثم خمدواكتهل .
مثل بندول ساعة كبيرة ، راح يغدو ويعود ، جامعا بكفيه حزمة حطب أو عيدان يابسة . كانت ساقاه الرفيعتين مقوستين مثل قنطرتين بيني وبين مكان ذهبت اليه انا عشرات المرات قرب ( قوينجق ) . تعالت سحب دخان زرق ودمعت عيناه وانا استمع الى لهاثه واقيس عطب رئتيه وانسداد انفه متخيلا ضفاف النهر والطحالب التي تجوب فيه . حاولت بعدها ان اتحدث معه فاخفقت . لم نكن موجودين في الكلام ولا في الوصف . انه مضيعة للوقت وهدر في الهواء . تلوثنا الرائحة والمكان والاشياء واناملنا تلتذ بلسعات السمك المشوي ومع ذلك تعود الانامل الى دبيبها وتتاوه جذلى تارة اخرى .
احدنا يدعو الاخر الى تناول هذه او تلك . كنت أنظر بحياد وحكمة الى حركة جسدينا في ذروة وفاق نحلّق فيه ونحن نلتهم تلك الاسماك المشوية . انكسر في سري واهتف في داخلي ( لماذا لا نقول هذا الا للمرايا التي تنهش عيوب اجسادنا حين نتعرى امامها دون ان نخجل منها ولا يرشنا الحياء ) .
ألقيت فتافيت ما تبقى الى يرقات وأصداف كانت تعوم بين الطحالب الخضراء ومشينا أحدنا بمحاذاة اثار الاخر ، نلتقط ونجيب ، اما الكلام فكان مجرد صوت يفسح المجال لعزلة اكبر . تعريض غير موفق لاكتشافات وخلاصات . خسارة الكلام هو محض خسارة . هكذا صار مسار المفارقة التي اخترتهالنفسي . دفعته الى الماضي لأزيد الخطوات نأياً . يهتز الفراغ امامي ليفسح لي حيزا فيه . بشرى يزفها لسانه لي . لقد تحرر لسانه واطرافه ايضا من العبء والصعوبة ، ربما من الطحالب التي علقت فيه ، هاهو الان يحسن التعبير ويقص لي ما يجيش في صدره واحداقه وهذا هو المهم ، يذكرني بطفولة ابي ومغامراته في لحن النهر وشدو الضفاف .
لم يتبق لنا الا مناظر وقوارب صيد أعلكها ليس فيها مذاق . تفاجئني رؤيتها مثل ملمس خشب لا زال فيه شكل الغابة . نتوءات وتشققات تجرح وتعيق الكف المسافرة عليه .
نترك المصارحات لانها تبدو زائدة . نتعلق بحدوسنا في أول نيسم يصعد . على القمة نصبح أشبه بزوج من نسور في قبضة الكهولة والعقم . نرنو وننتظر ونصعد ، لكن صبرنا نفد بسبب مواءات تكاسلنا نحن عنها .
نتف من غيم أبيض تروح وتغدو . نوارس قطنية تنقض الى الماء وتعبث بالطحالب . اعود الى ضفة النهر منتظرا اياه . ها هو يعود ثانية واعود معه وسرب ( الخضيري ) يرف فزعا من بين القصب . خيوط شباكه ترتجف في لجج النهر وتتعلق بالطحالب وتعجز عن تنسيق شكلها النهائي ، لكنها تنسل في النهاية مثل ديدان تائها هي لهجة الاخصاب والضفاف المضيئة .
اخبأ بين مفاصلي حبا قديم كالضوء في المآقي ، باسمه حاربت كل المفاهيم واقتلعت من الحدائق خصبها لازفها نغما اليه وقصيدة لخضرة الطحالب فيه . خبأت هذا العشق بين مفاصلي وبحثت في كل المرافيء عن ضفاف تحتويه ، فلم اجد غير الاحداق وجسد من غير قلب ، عندئذ نسيت نفسي ، جمعت عناصر التكوين من شبق الفصول وعشق الطحالب للماء . من اختمار الطين وجدل الاشعة خرجت من كفني فاستوطنت سنبلة في دمي بحجم الصيف ، وكنت اخر من راي نورسا يفارق ريشه ويهوي ليلتقط ما علق بخضرة الطحالب .
اهم بفتح راحتي للعبور ، لكني التفت اليه ويلتفت نحوي في اللحظة ذاتها ولكن باتجاهين ، ثم نبتسم معا ابتسامة فيها حرارة اعتراف تجعلني ألج نحوه بخطوات يضيئها دفء الماضي وحنين الضفاف ، تتالق في اشيائها خيوط الطحالب ورائحة السمك وترنيمة النهر البرتقالي الذي لا يكف عن السرد والانسياب ….
. ( البيبون ) او زهرة الاقحوان : زهرة موصلية برية طبية تتفتح في فصل الربيع .
( الخضيري ) : نوع من الطيور المائية ويطلق عليه احيانا ( بط الماء ) .
( فوينجق ) : تل اشوري اثري في مدينة الموصل كان يقع قربه جسر حجري قديم ذو قناطر وممر واحد للعبور .
(alnadir5149@yahoo.com)