سافر إلي أمريكا ! _._._ تجربة لدعم المنتدى _._._ الديك الرومي ؟؟ القصة الكاملة ليوم الشكر _._._ هل ترغب بالسفر إلي تركيا
إسلاميات - معرض الصور - عيلة النجعاويه - سفر وسياحة - إنفلونزا الطيور - مدونات - الموبايل - المجلة - هريدي اورج - المصدر التعليمي - بريد مجاني - ألعاب فلاشية - قس سرعة النت - أركيد الألعاب - بحث



المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الازرق يتنفس في دمي ابراهيم سليمان


عمر الجبوري
16-02-2005, 09:28 AM
1ـ حكاية‏

وصلت إلى جزيرة (قبرص) صحبة فريق سياحي قادم من (اللاذقية)، وكنت يومها أشاهد (نيقوسيا) لأول مرة.‏

نزلنا في بنسيون أنيق، تطل واجهته الأمامية على سيف البحر وكان من عادته أن يقدم لنزلائه الجدد قهوة تركية، طيبة النكهة.‏

جلست في الصالة أنتظر عودة صاحبي لمعرفة الغرفة التي سنقيم فيها.‏

كان صاحبي السوري قد ترك بعهدتي علبة سكائره وكتيّب صغير يروي حكايات وطرائف مشوّقة لشعوب قديمة، فرحت أتصفّح الكتيّب وأستمتع بطعم القهوة اللذيذة، حتى وصلت إلى حكاية يونانية قديمة فيها خصوبة وخيال فريدان.‏

تقول الحكاية:‏

إن القمر كان ذات ليلة بدراً جميلاً يشبه حورية عنيفة الفتنة، والسماء صافية داكنة الزرقة، وقد تناثرت النجوم فيها بفوضوية وقلق تبهر الفؤاد والعينين.‏

كانت أشعة البدر الجميل، تهطل بفضة عذبة على صفحة اليم المديد، وتضفي عليه رونقاً وسحراً يخلب الألباب.‏

لمح البدر الزاهي موجة صغيرة تلثم الضفاف باكية وتغدو وقد عمها الحزن والأسى.‏

هبط البدر الفاتن إليها وقبّلها بدفء وحنان، ثم حلّق ثانية إلى السماء وعاد إلى موقعه القديم وظلّ يرقبها عن بعد.‏

تجمدت قبلة البدر العاشق على صفحة الموجة الصغيرة وأصبحت لؤلؤة زاهية رائعة الفتنة والجمال.‏

اغتاظ البحر الداكن من فعلة البدر المحب وتحديه له، فقذف اللؤلؤ الفاتنة إلى الساحل متخلصاً منها إلى الأبد.‏

تدحرجت اللؤلؤة الفضية على رمال الشاطئ السحري وأخذت تكبر وتكبر، لتصبح في النهاية مدينة (الإسكندرية).‏

2 ـ لقيا‏

الإسكندرية ثانية، وذات صيف ما، وفي آب /أغسطس بالذات.‏

فجأة..!!‏

أصبحنا وجهاً لوجه. كانت ترتدي فستاناً أسود، تزينه نقط بيض مثل نتف الثلج، تناثرت على مساحاته التي تلف صدرها وخصرها الطري نزولاً إلى الفخذين الرشيقين.‏

كانت الفتاة وهجاً من نور، زادته الأيام جمالاً وأنوثة.‏

شعر كستنائي حريري الملمس، يهفهف فوق كتفيها كشراع سفينة محملة باللؤلؤ والبخور، وقوام ممشوق يشبه شجرة نخل جنوبية.‏

كانت أنيقة شفافة، تناسق فستانها مع الحذاء وتسريحة الشعر التي زينتها خصلة تمردت عابثة بغنج فوق الجبين الخمري، فشكلت لوحة زيتية لرسام مبدع.‏

غارت الفتيات العابثات من جمال الفتاة، فرحن ينظرن إليها كلما خرجن من بوابة الفندق، ودبّ نشاط ملحوظ في العاملات اللواتي أكثرن من أعمال التنظيف أمام وقرب الفتاة.‏

لم يكن وجه الفتاة ملوناً بألوان المكياج ومساحيقه، لكن سحنتها كانت خمرية نضرة. وقفت برهة من الزمن أمامها وتعانقنا بأحداقنا دون أن ننبس بكلمة واحدة، وتساءلت مع نفسي..‏

((أي قدرة مهولة أبدع الخالق في نحت هذا القدّ وأسكنه هذه الروح وزرع فيه مملكة الشعر.؟ أيّ عظيم صاغ هذه القسمات وتلك التقاطيع التي تجمع بين جمال الجسد وخفة الروح وإبداع القصيدة.؟)).‏

مددت لها كفي، فاحتضنتها وتحركت معي هامسة:‏

ـ أخشى أن أكون قد تأخرت عليك وآذتك الشمس.‏

ـ وهل تسمين هذه شمساً.؟ الشمس في بلادي تنور تصهل فوهته حمماً شهوراً خمسة.‏

ـ يا ويلتي.!! كيف سآتي معك إلى تلك البلاد.؟‏

ـ لا تخشي شيئاً، أنت والشمس حياتي، أما يكفي أني أملك كوكبين زاهيين.‏

انطلقنا معاً نحو شاطئ (المعمورة)، وعلى الرمال الناعمة، مات كل شيء من حولنا، إلا أنفاسنا وإحساسنا ولهفتنا.‏

3 ـ نثار الفضة‏

هبط البدر الجميل، وغاص في اليم الصامت، ناثراً فضته الزاهية على الأزرق الداكن مغطياً بها الأفق الرحب، ومزيناً هامات اللجج الراقصة بنجوم راحت تضيء وتنطفئ في ديجور العتمة والسكون.‏

قبيل أن يصل البدر الفضي إلى قعر البحر، تلقفته حورية فاتنة، وطوقته بذراعيها سائلة إياه:‏

ـ إلى أين يا ملهم العشاق.؟‏

ـ جئت لأستحم مع الحب.؟‏

ـ لكن الخوف عم الكون، وفزع الحب من الظلام.‏

ـ ربما، لكنها رحلة حب لا ريب فيها.‏

ـ أراك حزيناً أيها الحبيب الفضي.؟‏

ـ لقد حجب الغيم الأسود فضتي، فهبطت تحته لأرش الحياة قبل أن يحتضر الحب وتنتحر الأشواق.‏

عانقت الحورية البدر النبيل، وراحا معاً في قبلة طويلة ساخنة، أفاق بعدها البدر ليجد حوريته الفاتنة قد انسلت منه وراحت تعوم منتشية مع موج البحر الأزرق، حينئذ صعد البدر إلى السطح وحلق في السماء ثانية متأسفاً حزيناً، بيد أن البسمة والحبور غطتا سحنته السقيلة، حين رآها تسبح مع لألئ الموج، حتى وصلت رمال الشاطئ واستقرت على نتوء صخري.‏

كانت الحورية الفاتنة تلوّح بكفها للبدر الجميل، وكان البدر يهطل بفضته ثانية ليعم حبه الكون من جديد.‏

4 ـ عناق‏

الإسكندرية أخيراً، وأغسطس في محطته ينتظر آخر قطار له، والأزرق ما زال يتنفس في دمي. جلست بجانبي محتضنة كفي في إطباقه حانية. كان السأم والضجر يغطيان قدها العجيب.‏

قالت:‏

ـ إذن سترحل اليوم أو غداً ولن أراك، أكاد لا أصدق ذلك.‏

ـ لا بد من العودة والالتحاق بعملي، وإلا فالفصل مصيري.‏

ـ كان حلماً خطف مني كل ما هو جميل.‏

ـ لكنه حلم لذيذ.‏

ـ بالنسبة لك وحدك.‏

ـ لا تكذبي، كان لنا وحدنا، نحن الاثنان معاً.‏

ـ أصدقني مرة واحدة.‏

ـ وحق من صاغ هذا الوجه الرحب، ودب الروح فيه.‏

ـ إذن لماذا تسافر وتتركني أصارع الوحدة والعذاب.؟‏

ـ ها قد عدنا يا إلهي من حيث بدأنا، أنا لك وأنت لي، أفهمت الآن.؟‏

وقفنا معاً كطفلين صغيرين قبالة بائع فول سوداني.. فجأة..! انتبهت إلى واجهة زجاجية لأسواق تبيع الكرز الأحمر واللوز الأخضر وصرخت بطفولية عذبة.‏

ـ الله .. يا إبراهيم.. كرز ولوز.؟‏

سحبتني من يدي وركضنا نحو السوق واشتريت لها كيسين من اللوز والكرز.‏

ـ هذا يذكرني بطفولتي، لم أشعر يوماً أني صغيرة مثل الآن.‏

جلسنا في (كافتريا) تطل باحتها على البحر، لكنها ظلت تحلم وهي تتحدث:‏

ـ كان عمري عشر سنين، وكنت أقطف الكرز واللوز من بستان جدي. قالت لي يوماً جدتي، ستسعدين معه، وسيأخذك إلى نهاية العالم، وستلبسين الماس والجواهر واللؤلؤ، وستصبح عيناك خضراء مثل هذا اللوز. لكن جدتي ماتت وكذلك أمي وأبي، وأصبحت وحيدة وبقيت عيناي زرقاوين.‏

ـ متى حدث هذا؟.‏

ـ في حرب يونيو، كنا في (الإسماعيلية) حينها.‏

سكتت ولم تأكل الكرز واللوز، بل ظلت مسافرة مع ذكريات عمر طويلة، وسافر هو الآخر إلى شطوط دجلة ثم ضحك، ضحك كثيراً حتى استلقى على ظهره.‏

نظرت إليه دون أن تسأله عن السبب وضحكت معه حتى دمعت عيناها وسال الكحل على الخدين من الضحك.‏

ضحكا معاً وتمتم بصوتٍ عالٍ:‏

ـ بإمكان شجرة اللوز أن تحيا على ضفاف مدينتي.‏

ثم نهضا معاً. كانت ذراعاه تطوقان خصرها النحيل، وتغمر شفتاه ثغرها الوردي وهما يقذفان آخر حصاة في البحر.‏

كان الأزرق يتنفس في دمه، وكانت لججه المتلألئة تطفح في مقلتيها.‏

ـ ستأتين معي.‏

ـ لا أصدق ما تقول.‏

ظل سرب من النوارس يرف فوق اثنين كان شبحاهما يتضاءل حتى اختفى في فضاءات المدينة وذاب وسط الزحام...




</STRONG>© ابراهيم سليمان نادر (alnadir5149@yahoo.com)


إسلاميات - معرض الصور - عيلة النجعاويه - سفر وسياحة - إنفلونزا الطيور - مدونات - الموبايل - المجلة - هريدي اورج - المصدر التعليمي - بريد مجاني - ألعاب فلاشية - قس سرعة النت - أركيد الألعاب - بحث