وادكول مش معقول
09-10-2002, 10:33 AM
سهيلة حميدة- القاهرة
بيرم التونسي
قال: إيه مراد ابن آدم؟
قلت له: طقه
قال: إيه يكفي منامه؟
قلت له: شقّه
قال: إيه يعجّل بموته؟
قلت له: زقه
قال: حـد فيها مخلّد؟
قلت له: لأه
قال لي: ما دام ابن آدم بالصفات دي
نويت أحفظ صفات ابن آدم كل ما اترقى.
***
بهذه الكلمات البسيطة والمعبرة لخص بيرم التونسي فلسفته الخاصة في فهم الحياة التي عاش معظمها مطارَدًا ومنفيًا ومضطهدًا.
ولد "محمود بيرم التونسي" في حي الأنفوشي بالإسكندرية بشارع البوريني بالسيالة في 3 مارس 1893، ولكن والده سجّله ضمن مواليد حي الأزاريطة في جهة الرمل.
كان لبيرم أخت واحدة من والده وكانت تكبره بحوالي عشرين عامًا، وكان والده يمتلك مع أبناء عمومته دكانًا لبيع الحرير، فكان مثل باقي التجار يريد تعليم ابنه، فما لبث أن أرسله وهو في الرابعة من عمره إلى كُتّاب الشيخ جاد الله، وأوصى الشيخ بقوله: " افعل ما تريد" فكأن الشيخ ينتظر سماع هذه الجملة حتى ينهال على الصغير بالضرب؛ حيث كان بيرم لا يجيد الحساب فلا يفرق بين السبعة والثمانية في الكتابة!
ويئس الوالد من تعليم ابنه، فسلّم بذلك وأخرجه من الكتاب وأرسله ليعمل في دكان الحرير مع أبناء عمومته، حتى ليقول بيرم عن هذه الفترة: إنه لم يستفد من هذا الشيخ إلا إلمامه بمبادئ القراءة والكتابة فقط، أما حبه وشغفه بالقراءة والمعرفة فلم يكن ليتعلمها أبدًا بهذا الأسلوب العنيف في التربية!
ويحاول والده ثانية، فيرسله إلى مسجد "المرسي أبو العباس" وكان به معهد ديني، وهناك شغف بيرم بمراقبة الطلبة الأكبر منه سنًا حيث كانوا يقرءون وهم يروحون ويجيئون في أرجاء المعهد، وبالفعل أخذ الصغير يقلدهم ويشتري الكتب ويحاول قراءتها بنفس الطريقة فما كان منهم إلا أن سخروا منه!
رحلة الحياة
ولم يكد بيرم يبلغ من العمر ما يمكّنه من فهم ما يدور حوله حتى يسمع بزواج والده من امرأة ثالثة، بل ولا ترحم أمّه طفولته فتحكي له عن زيجات والده، وأيضًا سبب تسميتهم بالتوانسة، وهي أن السلطان التركي كان قد أهدى إلى جدّ والد بيرم جارية فولدت له ولدًا إلا أن الرجل مات قبل أن يثبت نسب هذا الطفل له، ولما كبر الطفل (جد بيرم) رفضت أسرة أبيه الاعتراف به ومنعته من إرثه فهاجر إلى مصر وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، كان من بينهم والد بيرم.
وقبل أن يعي الصغير كل هذا، وجه له القدر ثاني ضرباته، وكان موت والده، ولم يكن بيرم قد تخطى الرابعة عشرة من عمره، كأنما القدر -رحمة به- يصعد به إلى قمة الألم درجة.. درجة!
وأصبح بيرم هو المسئول عن أمّه ماليًا؛ إذ إن الأب لم يترك لهم شيئًا، بل ويؤكد له أبناء عمومته أن والده قد باع لهم الدكان قبل وفاته، فيضطر أن يعمل كصبي في محل بقالة.
وذات يوم يترك بيرم عمله ويذهب لسماع المواويل في المولد، فيطرده صاحب العمل.
وفي تلك الأثناء يتعرف بيرم مصادفة على أحد البنّاءين الذي كان يحكي له بعض الأدوار والطقاطيق القديمة؛ وهو ما يدفع بيرم بعد ذلك إلى محاولة معرفة المزيد، فلا يجد سبيلاً إلى ذلك غير شراء كتب الأساطير الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة"، "أبو زيد الهلالي"، وكانت هذه الكتب تحتوي على أبيات من الشعر، وصادفت ميلاً عند الصبي. ووقعت في يده مصادفة مجموعة أشعار لابن الرومي، التي اعتبرها بيرم من أمتع ما قرأ.
وفي السابعة عشرة من عمره تزوجت أمه، ثم ماتت بعدها بوقت قصير، ويشترك مع أحد الصيادين في دكان للبقالة، ولم يلبث بيرم أن أخذ يقرأ كل ما يقع تحت يديه من قصاصات الورق والكتب، التي كان من المفترض أن يبيع فيها الجبن؛ وهو ما يدفعه نحو العلم فيذهب لشراء الكتب ومخالطة طلبة العلم؛ فلم يكن يعجبه -وهو قليل العلم- ما يلاقيه منهم، من عدم اهتمام بالثقافة العامة، واقتصارهم على المقررات العلمية!
وبعد فترة يتزوج بيرم ثم يفلّس مشروعه، بسبب عدم اهتمامه به وبسبب إنفاقه كل ما يأتيه منه على شراء الكتب! فيبيع منزل والدته، ويفكر في مشروع آخر، فيحاول أن يبيع السمن، وكان البلد في هذه الفترة يعيش مرحلة متوترة بشدة، حيث أعلنت إنجلترا أن حكمها يقوم على رعاية مصالح الأجانب وحمايتهم، وكان الإنجليز يتعاملون على أنهم أصحاب البلاد؛ وبالتالي كانوا يفرضون الضرائب الباهظة ويتحكمون في البلاد وفي المواطنين بمنتهى الصلف والاحتقار.
فما كان من المجلس البلدي -وكان جميع موظفيه من الأجانب- إلا أن طالب بيرم بضرائب مبالغ فيها، بل ويحجز على بيته، وهنا تنطلق موهبة بيرم وتعلن عن نفسها لأول مرة.
المصدر:
كتاب:"بيرم التونسي.. عاصفة من الحارة المصرية"- كمال سعد- دار الأمين- القاهرة 1993.
بيرم التونسي
قال: إيه مراد ابن آدم؟
قلت له: طقه
قال: إيه يكفي منامه؟
قلت له: شقّه
قال: إيه يعجّل بموته؟
قلت له: زقه
قال: حـد فيها مخلّد؟
قلت له: لأه
قال لي: ما دام ابن آدم بالصفات دي
نويت أحفظ صفات ابن آدم كل ما اترقى.
***
بهذه الكلمات البسيطة والمعبرة لخص بيرم التونسي فلسفته الخاصة في فهم الحياة التي عاش معظمها مطارَدًا ومنفيًا ومضطهدًا.
ولد "محمود بيرم التونسي" في حي الأنفوشي بالإسكندرية بشارع البوريني بالسيالة في 3 مارس 1893، ولكن والده سجّله ضمن مواليد حي الأزاريطة في جهة الرمل.
كان لبيرم أخت واحدة من والده وكانت تكبره بحوالي عشرين عامًا، وكان والده يمتلك مع أبناء عمومته دكانًا لبيع الحرير، فكان مثل باقي التجار يريد تعليم ابنه، فما لبث أن أرسله وهو في الرابعة من عمره إلى كُتّاب الشيخ جاد الله، وأوصى الشيخ بقوله: " افعل ما تريد" فكأن الشيخ ينتظر سماع هذه الجملة حتى ينهال على الصغير بالضرب؛ حيث كان بيرم لا يجيد الحساب فلا يفرق بين السبعة والثمانية في الكتابة!
ويئس الوالد من تعليم ابنه، فسلّم بذلك وأخرجه من الكتاب وأرسله ليعمل في دكان الحرير مع أبناء عمومته، حتى ليقول بيرم عن هذه الفترة: إنه لم يستفد من هذا الشيخ إلا إلمامه بمبادئ القراءة والكتابة فقط، أما حبه وشغفه بالقراءة والمعرفة فلم يكن ليتعلمها أبدًا بهذا الأسلوب العنيف في التربية!
ويحاول والده ثانية، فيرسله إلى مسجد "المرسي أبو العباس" وكان به معهد ديني، وهناك شغف بيرم بمراقبة الطلبة الأكبر منه سنًا حيث كانوا يقرءون وهم يروحون ويجيئون في أرجاء المعهد، وبالفعل أخذ الصغير يقلدهم ويشتري الكتب ويحاول قراءتها بنفس الطريقة فما كان منهم إلا أن سخروا منه!
رحلة الحياة
ولم يكد بيرم يبلغ من العمر ما يمكّنه من فهم ما يدور حوله حتى يسمع بزواج والده من امرأة ثالثة، بل ولا ترحم أمّه طفولته فتحكي له عن زيجات والده، وأيضًا سبب تسميتهم بالتوانسة، وهي أن السلطان التركي كان قد أهدى إلى جدّ والد بيرم جارية فولدت له ولدًا إلا أن الرجل مات قبل أن يثبت نسب هذا الطفل له، ولما كبر الطفل (جد بيرم) رفضت أسرة أبيه الاعتراف به ومنعته من إرثه فهاجر إلى مصر وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، كان من بينهم والد بيرم.
وقبل أن يعي الصغير كل هذا، وجه له القدر ثاني ضرباته، وكان موت والده، ولم يكن بيرم قد تخطى الرابعة عشرة من عمره، كأنما القدر -رحمة به- يصعد به إلى قمة الألم درجة.. درجة!
وأصبح بيرم هو المسئول عن أمّه ماليًا؛ إذ إن الأب لم يترك لهم شيئًا، بل ويؤكد له أبناء عمومته أن والده قد باع لهم الدكان قبل وفاته، فيضطر أن يعمل كصبي في محل بقالة.
وذات يوم يترك بيرم عمله ويذهب لسماع المواويل في المولد، فيطرده صاحب العمل.
وفي تلك الأثناء يتعرف بيرم مصادفة على أحد البنّاءين الذي كان يحكي له بعض الأدوار والطقاطيق القديمة؛ وهو ما يدفع بيرم بعد ذلك إلى محاولة معرفة المزيد، فلا يجد سبيلاً إلى ذلك غير شراء كتب الأساطير الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة"، "أبو زيد الهلالي"، وكانت هذه الكتب تحتوي على أبيات من الشعر، وصادفت ميلاً عند الصبي. ووقعت في يده مصادفة مجموعة أشعار لابن الرومي، التي اعتبرها بيرم من أمتع ما قرأ.
وفي السابعة عشرة من عمره تزوجت أمه، ثم ماتت بعدها بوقت قصير، ويشترك مع أحد الصيادين في دكان للبقالة، ولم يلبث بيرم أن أخذ يقرأ كل ما يقع تحت يديه من قصاصات الورق والكتب، التي كان من المفترض أن يبيع فيها الجبن؛ وهو ما يدفعه نحو العلم فيذهب لشراء الكتب ومخالطة طلبة العلم؛ فلم يكن يعجبه -وهو قليل العلم- ما يلاقيه منهم، من عدم اهتمام بالثقافة العامة، واقتصارهم على المقررات العلمية!
وبعد فترة يتزوج بيرم ثم يفلّس مشروعه، بسبب عدم اهتمامه به وبسبب إنفاقه كل ما يأتيه منه على شراء الكتب! فيبيع منزل والدته، ويفكر في مشروع آخر، فيحاول أن يبيع السمن، وكان البلد في هذه الفترة يعيش مرحلة متوترة بشدة، حيث أعلنت إنجلترا أن حكمها يقوم على رعاية مصالح الأجانب وحمايتهم، وكان الإنجليز يتعاملون على أنهم أصحاب البلاد؛ وبالتالي كانوا يفرضون الضرائب الباهظة ويتحكمون في البلاد وفي المواطنين بمنتهى الصلف والاحتقار.
فما كان من المجلس البلدي -وكان جميع موظفيه من الأجانب- إلا أن طالب بيرم بضرائب مبالغ فيها، بل ويحجز على بيته، وهنا تنطلق موهبة بيرم وتعلن عن نفسها لأول مرة.
المصدر:
كتاب:"بيرم التونسي.. عاصفة من الحارة المصرية"- كمال سعد- دار الأمين- القاهرة 1993.